
تضغط أربع من أكبر اقتصادات الاتحاد الأوروبي باتجاه تشديد الإجراءات التجارية لحماية الصناعة الأوروبية من "تصاعد الممارسات التجارية غير العادلة"، في ظل الارتفاع الكبير في الصادرات الصينية، حسبما نقلت صحيفتا "فاينانشيال تايمز" و"ساوث تشاينا مورنينج بوست".
وقدمت كل من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا، إلى جانب ليتوانيا، ورقة مشتركة قبيل اجتماع مهم للمفوضية الأوروبية، الجمعة، لبحث كيفية التعامل مع الصين، رغم اختلاف مواقف هذه الدول تاريخياً بشأن السياسات التجارية.
وقالت الورقة إن بعض الشركاء التجاريين الرئيسيين للاتحاد الأوروبي "يفرضون حواجز تجارية جديدة أو يساهمون في فائض صناعي منهجي وهيكلي"، من دون ذكر دول بعينها. وأضافت أن "هذا الوضع كان له تأثير مباشر على الصناعة الأوروبية التي خسرت مليون وظيفة بين عامي 2019 و2025".
ورغم عدم تسمية الصين مباشرة، فإن مفوضي الاتحاد الأوروبي يتهمون بكين باستمرار بتصدير فائض إنتاجها الصناعي، فيما وصلت إجراءات الدفاع التجاري الأوروبية إلى أعلى مستوياتها منذ نحو 20 عاماً.
مقترحات أوروبية
واقترحت الورقة، آليات لتسهيل وتسريع فرض رسوم جمركية أعلى على الواردات، ومكافحة التحايل على القيود التجارية. وأشارت إلى أن الإجراءات الحالية تستغرق وقتاً طويلاً، وتتميز بنطاق محدود يسهل على الشركات أو الدول الالتفاف عليه، "سواء عبر استخدام دولة ثالثة أو إنشاء مقار داخل الاتحاد الأوروبي".
وسلطت الضوء على قضايا تتعلق بالوقود الحيوي الأميركي والصلب الإندونيسي، داعية إلى تشديد قواعد المحتوى المحلي لمنع الدول من استخدام مصانع خارجية لتجميع المنتجات بهدف التهرب من الرسوم.
كما طالبت المفوضية الأوروبية بدراسة فرض رسوم إضافية على الشركات نفسها، وليس فقط على المنتجات أو الدول، لمكافحة التحايل، إلى جانب توظيف مزيد من المسؤولين لمعالجة "التراكم الكبير" في شكاوى الصناعات الأوروبية.
ودعت الورقة الأوروبية، إلى توسيع استخدام أداة "الضمانات التجارية"، التي يمكن تفعيلها بسرعة عند حدوث طفرة في الواردات، وتُطبق على جميع الشركاء التجاريين. وكان الاتحاد الأوروبي قد استخدم هذه الأداة سابقاً لفرض رسوم تصل إلى 50% على واردات الصلب التي تتجاوز حصصاً معينة، ما أثار غضب حلفاء مثل أوكرانيا وبريطانيا.
كما اقترحت الدول الخمس، إنشاء "أداة مرونة" جديدة يتم تفعيلها عندما يتركز اعتماد أوروبا على مصادر توريد محددة فوق مستوى معين، بما قد يسمح بفرض حصص أو رسوم إضافية على الموردين المعنيين.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الشركات الأوروبية اضطرابات بعد أن قيدت بكين صادرات بعض المعادن الحيوية وأشباه الموصلات، وهي قطاعات تهيمن الصين على إنتاجها عالمياً. وفي المقابل، علّق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بعض صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين.
تحول أوروبي
وتعكس الورقة تحولًا في المزاج الأوروبي تجاه بكين، إذ انقسم الاتحاد في السنوات الماضية بين من يدعو إلى مواجهة الصين، ومن يفضل استرضاءها مع تصاعد صادراتها. وبلغ العجز التجاري الأوروبي مع الصين نحو 360 مليار يورو في عام 2025.
وتقود فرنسا منذ فترة الدعوات لتشديد السياسة تجاه الصين، حيث اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنشاء أداة أوروبية شبيهة بـ"المادة 301" الأميركية، في إشارة إلى الآلية الأميركية التي استخدمها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً لفرض رسوم جمركية على الصين.
في المقابل، عملت إسبانيا على جذب الاستثمارات الصينية، بينما أبدت هولندا تحفظات تقليدية تجاه حماية الصناعة الأوروبية من المنافسة العالمية.
أما ألمانيا، أكبر شريك اقتصادي للصين داخل الاتحاد الأوروبي، فما زالت تخوض نقاشاً داخلياً حول مراجعة العلاقات مع بكين، ولم تنضم بعد إلى الورقة المشتركة.
ومن المقرر أن تزور وزيرة الاقتصاد الألمانية، كاثرينا رايشه، بكين، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع وزير التجارة الصيني، وانج وينتاو، برفقة ممثلين عن شركات ألمانية لديها استثمارات واسعة في الصين.
ويأمل مسؤولون أوروبيون، أن يدفع التأثير الصناعي لما بات يُعرف بـ"صدمة الصين 2.0" برلين إلى الاقتراب من مواقف الدول الداعية إلى التشدد.
وأيد مفوض التجارة الأوروبي، ماروش شيفتشوفيتش، توسيع استخدام أدوات الحماية التجارية، ويعمل على إعداد خطة لدفع الشركات في القطاعات الحيوية إلى تنويع مورديها قبل اجتماع الجمعة. من جهتها، هددت بكين بالرد على أي إجراءات جديدة تستهدفها.
وقال وزير التجارة الفرنسي، نيكولا فوريسييه، لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، إنه يفضل التوصل إلى حل تفاوضي مع الصين، مضيفاً: "لكننا لسنا سذجاً. نحن نعلم جيداً أن الصناعة الصينية تنتج فائضاً كبيراً، وأن هذا الفائض مدعوم على نطاق واسع من الدولة، ويتم توجيهه نحو التصدير، وهذه مشكلة كبيرة. يجب إعادة التوازن إلى هذه العلاقات التجارية".
انقسامات أوروبية
ورغم تنامي العلاقات الاقتصادية بين إسبانيا والصين خلال السنوات الأخيرة، وكون مدريد وجهة مفضلة للاستثمارات الصينية، فإن مسؤولين أوروبيين يعتقدون أن الحكومة الإسبانية تؤيد سياسة صناعية أوروبية أكثر صرامة.
أما هولندا، التي تُعد تقليدياً من أبرز المدافعين عن التجارة الحرة، فقد أصبحت في صلب قضايا الأمن الاقتصادي المتعلقة بالصين والولايات المتحدة بسبب وجود شركات كبرى مثل "إيه إس إم إل" و"نيكسبريا".
كما أشار تقرير منفصل صادر الأسبوع الماضي عن مركز الإصلاح الأوروبي، إلى احتمال فقدان أكثر من 400 ألف وظيفة ألمانية مرتبطة بالصادرات إلى الصين.
ومن المتوقع أن يمهد اجتماع المفوضية الأوروبية يوم الجمعة الطريق لنقاش أوسع حول الصين خلال قمة المجلس الأوروبي في يونيو المقبل، والتي تضم قادة الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد.
وبعد ذلك، يُنتظر أن يزور وزير التجارة الصيني وانج وينتاو، بروكسل، أواخر يونيو، وسط أجواء متوترة وصفها مسؤولون أوروبيون بأنها "تنطوي على لهجة تهديد"، في إشارة إلى تعهد بكين بالرد بقوة على السياسات الأوروبية الجديدة الرامية إلى مواجهة التحدي الصيني.











