
أفادت مجلة "بوليتيكو"، نقلاً عن مسؤولين أميركيين وأوروبيين، بأن وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون) تتجه إلى إلغاء خطة لتزويد ألمانيا بصواريخ "توماهوك" بعيدة المدى، في خطوة قد تثير قلقاً متزايداً في برلين بشأن مستقبل الالتزام العسكري الأميركي بأوروبا، وتترك فجوة في القدرات الدفاعية الألمانية في مواجهة روسيا.
وبحسب المجلة، فإن أي قرار بعدم تسليم صواريخ "توماهوك" سيحرم ألمانيا من منظومة تعتبرها ضرورية لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة التهديدات الروسية، كما سيمثل تراجعاً عن تفاهم جرى التوصل إليه خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن بشأن تعزيز القدرات الصاروخية الأميركية في أوروبا.
يأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات الدفاعية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين تحولات متسارعة، في إطار ما وصفته المجلة بإعادة تموضع أميركية أوسع داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تشمل إلغاء خطط لنشر آلاف الجنود الأميركيين في ألمانيا وإعادة تقييم انتشار بعض القدرات العسكرية الأميركية في القارة الأوروبية.
مخاوف من رد فعل روسي
ويخشى مسؤولون أميركيون أن تقدم موسكو على خطوات انتقامية إذا مضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تنفيذ خطة لنشر صواريخ دقيقة التوجيه في قلب أوروبا، بحسب مسؤولين أوروبيين ومسؤول أميركي.
وقال القائد الأعلى لقوات حلف "الناتو" والقائد العام للقوات الأميركية في أوروبا الجنرال أليكسوس جرينكويتش، خلال اجتماع لقادة عسكريين هذا الأسبوع، إن أوروبا قادرة على تحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن نفسها "الآن، وعلى المدى القريب"، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستعيد تركيز قواتها ومعداتها في مناطق أخرى.
وأشارت المجلة إلى أن القلق الأميركي لا يقتصر على رد الفعل الروسي المحتمل، إذ تواجه واشنطن أيضاً ضغوطاً مرتبطة بمخزونها العسكري بعد استهلاك أعداد كبيرة من صواريخ "توماهوك" و"باتريوت" خلال الأسابيع الأولى من الحرب مع إيران.
وكان وزير الحرب بيت هيجسيث قد صرح أمام الكونجرس الشهر الماضي بأن استبدال الذخائر المستخدمة في النزاعات العسكرية سيستغرق "أشهراً وسنوات".
ويُعد التراجع المحتمل عن نشر صواريخ "توماهوك" خطوة مقلقة بشكل خاص للمسؤولين الألمان، الذين يسعون بسرعة لتحديث قواتهم المتآكلة لتكون خط الدفاع الأول ضد أي عدوان روسي، وفقا لـ"بوليتيكو".
وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس الشهر الماضي إنه لا يتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بنشر صواريخ "توماهوك" في ألمانيا، بسبب محدودية توافر هذه الصواريخ الجوالة التي يزيد مداها على 1000 ميل.
وأضاف في تصريح للتلفزيون الألماني العام: "الأميركيون لا يملكون ما يكفي لأنفسهم في الوقت الراهن".
تغييرات أميركية في الناتو
وكشفت الولايات المتحدة هذا الأسبوع عن تغييرات إضافية في دورها داخل الناتو خلال مؤتمر ربع سنوي للقادة العسكريين، شملت تقليص عدد الطائرات المقاتلة والطائرات المسيرة والوحدات البحرية، بحسب صحيفة "فيلت" الألمانية.
وقال مسؤول في وزارة الحرب الأميركية لـ"بوليتيكو"، مفضلاً عدم الكشف عن هويته: "الهدف هو منح الحلفاء المعلومات والوضوح اللازمين للتحرك بسرعة وكفاءة"، مضيفاً أن الأمر يتعلق بأن "يتحمل الحلفاء المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي لأوروبا".
ولم يرد البنتاجون على طلب بوليتيكو للتعليق.
وتشعر برلين بتداعيات هذا التراجع بشكل خاص، إذ ألغت وزارة الحرب الأميركية هذا الربيع نشر 5000 جندي أميركي في ألمانيا، وهو قرار أثار صدمة لدى المسؤولين الأوروبيين وعدد من الصقور الجمهوريين في مجال الدفاع.
وجاء القرار، الذي يخفض مستوى القوات إلى ما كان عليه قبل حرب أوكرانيا، بعد أن قال ميرتس إن الرئيس دونالد ترمب "أحرج نفسه" في الحرب مع إيران. ولم تكشف وزارة الحرب حتى الآن عن خطة بديلة لهؤلاء الجنود، بحسب مسؤولين أميركيين، وما إذا كان سيتم نشرهم في أماكن أخرى داخل أوروبا.
وفي الوقت الذي تبدي فيه واشنطن قلقها من موسكو، تواجه أوروبا حرباً شاملة بين روسيا وأوكرانيا على حدودها المباشرة.
فقد نشرت القوات الروسية منذ فترة طويلة صواريخ "إسكندر" القادرة على حمل رؤوس نووية في منطقة كالينينجراد بين بولندا وليتوانيا، كما نشرت صواريخ متوسطة المدى من طراز "أوريشنيك" في بيلاروس، قادرة على الوصول إلى معظم أوروبا خلال دقائق.
وينظر مسؤولون في أوروبا الشرقية والوسطى إلى هذه التحركات بقلق بالغ، بينما لا تزال بلدانهم تعمل على تطوير أنظمة مماثلة.
ألمانيا تبحث عن بدائل
وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس للتلفزيون الألماني الشهر الماضي: "قدمنا طلباً رسمياً إلى الأميركيين قبل عام ونصف لشراء صواريخ توماهوك، وما زلنا ننتظر الرد. لكن بصراحة، في ظل الوضع العالمي الحالي، لا يحدوني الكثير من الأمل".
وأوضح أن برلين أبدت اهتماماً بشراء نظام الصواريخ الأرضي الأميركي "تايفون" القادر على إطلاق صواريخ توماهوك، خلال زيارة إلى واشنطن في يوليو الماضي برفقة وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث، بحسب وزارة الدفاع الألمانية، لكن لم يصدر أي تحديث بشأن الطلب.
وتبحث ألمانيا عن بدائل أوروبية لسد فجوة القدرات في الضربات بعيدة المدى، فيما تدور النقاشات في برلين حول سرعة امتلاك القدرة على استهداف أهداف بعيدة، سواء عبر شراء أنظمة جاهزة أو توسيع الإنتاج مع الحلفاء أو تطوير أنظمة أوروبية على المدى الطويل.
وبحسب بوليتيكو، قد تساعد الطائرات المسيّرة والأنظمة الأقل تكلفة، لكن المخططين العسكريين الألمان لا يرون فيها بديلاً مباشراً لصواريخ بحجم وقدرة "توماهوك".
كما يخشى المسؤولون الألمان من أن يؤدي تراجع الدور الأميركي إلى إجبار أوروبا على سد فجواتها الدفاعية بوتيرة أسرع مما يستطيع قطاع الصناعات الدفاعية تلبيته.









