
بعد جمود سياسي طويل حشر ليبيا بين مؤسسات منقسمة ومسارات معلقة، تتحرك بوصلة الأزمة نحو انفراجة محتملة قد تقود البلاد إلى توحيد مؤسسات الدولة.
وتغذي هذه الآمال جهوداً دولية متزايدة، وتحركات أميركية، ومبادرات محلية تسعى إلى رأب الصدع بين شرق البلاد وغربها، من خلال التوافق على حكومة موحدة، ووضع حد لنحو 15 عاماً من الانقسام السياسي والمؤسسي.
ولا تزال ليبيا تعيش حالة من الانقسام بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق.
وبينما تتواصل المساعي العربية والأممية والدولية لتوحيد المؤسسات والدفع نحو الانتخابات، لا تزال الخلافات حول آليات الحل والمسار السياسي المناسب تحول دون التوصل إلى توافق شامل ينهي الأزمة.
"الحوار المهيكل".. نحو سلطة جديدة؟
باختتام لجنة الحوار المهيكل اجتماعاتها في 7 يونيو الجاري، توجهت الأنظار إلى مخرجات هذه الجلسات، في توصيات جددت الجدل بشأن مستقبل العملية السياسية وإمكانية الذهاب نحو إعادة تشكيل السلطة التنفيذية.
وانطلقت اجتماعات الحوار المهيكل في منتصف ديسمبر الماضي، ويعتبر أحد المسارات الأساسية ضمن خارطة أممية عرضتها المبعوثة الأممية لدى ليبيا، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي في أغسطس الماضي، لمعالجة الانقسام وتوحيد حكومتي الغرب والشرق.
ومساء الخميس، عرضت المبعوثة الأممية التوصيات خلال إحاطة قدمتها أمام مجلس الأمن، جددت من خلالها التأكيد على أن مخرجات الحوار المهيكل توفر أساساً للحل السياسي في ليبيا.
وجاء على رأس تلك التوصيات الأممية، تشكيل حكومة انتقالية جديدة لمدة لا تتجاوز عامين، واعتماد قاعدة دستورية مؤقتة تقود إلى الانتخابات، وتأجيل حسم ملف الدستور الدائم إلى مرحلة لاحقة.
وأوضحت تيتيه، أنها تواصل تيسير الحوار المصغر بين ممثلي حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والقيادة العامة للقوات المسلحة بالشرق بهدف الدفع قدماً بخارطة الطريق السياسية، خصوصاً في ما يتعلق بمعالجة القضايا الخلافية المرتبطة بالقوانين الانتخابية، وأيضاً إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات.
وبشأن نتائج "الحوار المهيكل"، اعتبرت المبعوثة الأممية، أن الاجتماعات أفضت إلى توصيات موثوقة ليبية موثوقة، مشيرة إلى أن التقارير الصادرة عن المسارات الثلاثة الأخرى جاءت توافقية بالكامل، وذلك رغم وجود أصوات معارضة ضمن مسار الحوكمة.
والمسارات تشمل أولاً تشكيل لجنة مشتركة بين مجلسي النواب والدولة لإنجاز القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية خلال 45 يوماً، فيما يتضمن الثاني إطلاق لجنة حوار سياسي موسعة تضم مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، أما المسار الثالث فيشمل اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي لحسم القضايا الخلافية.
أبرز توصيات المبعوثة الأممية إلى ليبيا
- تشكيل حكومة انتقالية جديدة لمدة لا تتجاوز عامين.
- اعتماد قاعدة دستورية مؤقتة تقود إلى الانتخابات.
- تأجيل حسم ملف الدستور الدائم إلى مرحلة لاحقة.
وأبدى عدد من المشاركين في الحوار، تحفظات على التقرير النهائي قبل الجلسة الختامية، معتبرين أن بعض المقترحات والبدائل التي جرت مناقشتها خلال الاجتماعات لم يتم تضمينها في الصياغة النهائية.
ولأن جوهر الأزمة في ليبيا مرتبط بعقبات التنفيذ، شددت المبعوثة الأممية على ضرورة ترجمة مخرجات الحوار إلى خطوات عملية ومنهجية بقيادة ليبية، لافتة إلى أن الحوار المصغر أحرز بعض التقدم في المسار الانتخابي.
وفور عرضها، فجرت توصيات "الحوار المهيكل" الجدل حول مستقبل العملية السياسية وإمكانية الذهاب نحو إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، وسط انتقادات ترى في تشكيل حكومة انتقالية جديدة لمدة محددة، بمثابة تمديد لمرحلة انتقالية مستمرة منذ 15 عاماً، وهو ما يمثل جوهر الأزمة.
زخم أممي
المحلل السياسي الليبي محمد العجيلي، يرى أن توصيات "الحوار المهيكل" تعد بمثابة إعلان أممي عن إنجاز إحدى مراحل خارطة حل الأزمة الليبية، وهذا الإعلان يشكل أيضاً أول خطوة تتجسد منذ طرح المبادرة الأممية في أغسطس الماضي.
وفي حديثه لـ"الشرق"، قال العجيلي، إن توصيات الحوار بتشكيل سلطة تنفيذية جديدة وإصلاح المنظومة الانتخابية من شأنه أن يمهد الطريق لتحقيق اختراق في الأزمة وتحريك الجمود السياسي المستمر منذ سنوات طويلة.
واعتبر المحلل السياسي الليبي، أن الزخم الحالي يعتبر ضرورياً لضخ جرعة من التفاؤل من شأنه أن يخفف وطأة الأزمة على الليبيين، كما أن توصيات الحوار ستدفع نحو تحديثات أممية جديدة لخارطتها، مشيراً إلى أن "جميع هذه العوامل تبدو هامة ومحفزة في سياق المشهد الراهن".
لكن الدكتور عثمان البوسيفي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنغازي (شرق)، يعتقد أن "إحاطة تيتيه، وإن أكدت استمرار الرهان الدولي على الحل السياسي والتوافق بين الأطراف الليبية، إلا أنها لم تظهر حتى الآن تحولات جوهرية في مواقف الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، بل استمراراً للدعوة إلى توحيد المؤسسات مع تباينات محدودة في آليات الوصول إلى ذلك الهدف".
وفي نفس الوقت، يقول البوسيفي، في حديثه لـ"الشرق"، إن تيتيه نوهت بشكل شبه مباشر إلى طرح حلول بعيدة عن المجالس المحلية الثلاثة (الرئاسي والأعلى للدولة والنواب)، في حال استمرت حالة الجمود السياسي، "ما يضع مسارات الحلول الوطنية المتعثرة بمفترق طرق أمام ما تتجه إليه البعثة في المستقبل القريب".
رسالتان وانتقادات
في خارطة الطريق التي قدمتها في أغسطس 2025، أوضحت المبعوثة الأممية، أن "الحوار المهيكل" يشكل الركن الثاني للمبادرة، ويأتي بعد بند أول يتعلق بتهيئة المفوضية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية.
والجزء الأول من الخارطة الأممية أوكلته البعثة لمجلس النواب (مقره بنغازي/ شرق) والمجلس الأعلى للدولة (طرابلس)، لكن الخلافات حالت دون قيامهما بالمهمة، لتسند لاحقاً إلى لجنة مصغرة سميت 4+4، شكلتها البعثة من ممثلين عن حكومتي الغرب والشرق، إضافة إلى تمثيل محدود من المجلسين، لكن، ورغم ذلك، لم تنجز اللجنة مهمتها حتى الآن.
عمر بو أسعيدة الباحث الليبي في الشأن السياسي، يعتبر أن إحاطة المبعوثة الأممية الأخيرة، حملت في جوهرها رسالتين متناقضتين.
ويقول بو أسعيدة، في حديثه لـ"الشرق"، إنها "توصيف للتراكم الإيجابي، خاصةً مخرجات الحوار المهيكل التي أصدرت نحو 600 توصية تعالج التحديات البنيوية في ليبيا وتدعو إلى العودة إلى مؤسسات دولة فاعلة وموحدة وخاضعة للمساءلة، مقابل إقرار صريح بأن هذا التراكم يبقى عرضةً للانهيار".
واللافت، وفق الخبير، هو أن تيتيه خصصت حيزاً واسعاً للملف الإنساني، موضحة أن "المزاعم المضللة بشأن خطط أممية لتوطين المهاجرين خلقت أجواءً من العدائية والعنف ضد العاملين في المجال الإنساني، وتسببت في أعمال عنف استهدفت مقرات الأمم المتحدة".
وأشار إلى أن "هذا التوضيح الدفاعي أمام مجلس الأمن يكشف أن البعثة باتت تعاني ضغطاً على مصداقيتها داخل ليبيا قبل أن تعاني من الانسداد السياسي".
وعلى الصعيد الاقتصادي، يتابع، تحدثت تيتيه عن "خلل في الحوكمة أدى إلى تسرب الأموال ووجود فساد في ملف المحروقات وقطاع الصيدلة، وهو توصيف صريح بشكل غير مسبوق في خطاب بعثة أممية".
أما أستاذ العلوم السياسية يوسف الفارسي، فيبدو حاسماً في قراءته للإحاطة، معتبرا أن المبعوثة الأممية "لم تقدم جديداً: تشخيص للأزمة وتأكيد على عرقلة الحل السياسي، كما أن نتائج الحوار المهيكل للآن غير مجدية ولم تقدم حلولاً واقعية وحقيقية".
وبالتالي، أعرب الفارسي عن اعتقاده بأن "البعثة أو الحوار المهيكل فشل بشكل كبير وتيتيه تتحدث عن نطاق موحد وإنجازات كانت وراءها مبادرة (كبير مستشاري ترمب للشؤون العربية والإفريقية مسعد) بولس بالأساس، وكذلك مسالة توحيد الجيش والوضع الاقتصادي كلها مواضيع كانت وراءها نفس المبادرة".
وبالنسبة له، فإن "مخرجات الحوار المهيكل عقيمة ولم تقدم أي نتائج حقيقية، وبالتالي جاءت الإحاطة ضعيفة جداً".
مقاربة أميركية جديدة
في سنوات الأزمة الليبية الطويلة، لم يحقق أي مسار للحل تقدماً مستداماً، إذ غالباً ما كانت الخلافات السياسية والعراقيل المؤسسية تعطل الوصول إلى الهدف الأبرز المتمثل في توحيد مؤسسات الدولة وإيجاد آلية تنفيذي قادرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية.
ومع تعثر الجهود السياسية في رأب الصدع بين شرق البلاد وغربها، تبنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقاربة جديدة ترتكز على البعد الاقتصادي، عبر مبادرة طرحها مسعد بولس تهدف إلى تشكيل حكومة موحدة وتوحيد المؤسسات الليبية.
وخلافاً لاعتبار بعض الأطراف أن المبادرة تمثل مساراً موازياً أو منافساً للمسار الأممي، أكد بولس، في تصريحات نقلتها صحيفة "فاينانشيال تايمز"، أن المبادرة "ستواكب الجهود الأممية الرامية إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في ليبيا"، مشيراً إلى أنه سيشجع شركات النفط الأميركية على الاستثمار في البلاد.
وحظيت المبادرة الأميركية بترحيب من القيادة العامة للجيش الليبي، التي اعتبرت أنها تنطلق من "فهم واقعي" لطبيعة الأزمة الليبية وتعقيداتها السياسية والأمنية.
ويرى الدكتور عثمان البوسيفي، أن الترحيب الرسمي بالمبادرة يعكس استعداداً للتعاطي الإيجابي مع الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الأزمة، كما يشير إلى وجود تقاطع بين المبادرة الأميركية ومخرجات الحوار السياسي، بما يتيح دمج المسارين ضمن إطار واحد يركز على التوافق المؤسسي وإجراء الانتخابات.
ويعتبر البوسيفي أن المبادرة أسهمت في كسر حالة الجمود السياسي، وتمتاز بقدر أكبر من الواقعية مقارنة بمبادرات سابقة اتسمت بالتعقيد وصعوبة التطبيق العملي. ويضيف أن القيادة العامة للجيش الليبي لمست جدية في التوجه الأميركي نحو دعم تسوية سلمية للأزمة، من دون المساس بحق الليبيين في تقرير مصيرهم أو بثوابت السيادة الوطنية.
من جانبه، يرى المحلل السياسي محمد العجيلي، أن "مبادرة بولس قد تجد طريقها إلى النجاح إذا ترافقت مع خارطة الطريق الأممية، وانتهت إلى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، التي تمثل السبيل الوحيد لإنهاء حالة الجمود السياسي في ليبيا".
وعلى صعيد المواقف المحلية، أبدى معسكر الشرق انفتاحاً تجاه المبادرة، في حين لم يصدر أي موقف رسمي من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
لكن الدبيبة، كان قد قال في تصريحات إعلامية، أدلى بها في مايو الماضي، تعليقاً على المقترح، إن "هدفنا الدستور والانتخابات". وقبل ذلك، وتحديداً في أبريل الماضي مع بدء تداول المبادرة، شدد على أنه «لن يقبل بأي صفقة أو مبادرة مع الفاسدين.
اتفاق ثلاثي.. الانتخابات إلى الطاولة
وأقرها، رؤساء المجالس الثلاثة في ليبيا، النواب والأعلى للدولة والرئاسي، الخميس، خارطة طريق جديدة في ليبيا، تنص على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، وتشكيل لجنة سيادية عليا للإشراف على المسار الانتخابي.
وجاء الاتفاق في شكل وثيقة مبادئ، كما وصفه الموقعون عليه؛ وهم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، معتبرين أنها "بمثابة خريطة طريق لإنهاء المرحلة التمهيدية، واستكمال الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، وتوحيد المؤسسات السيادية".
وكما كان متوقعاً، أثار البيان الثلاثي ردود فعل متباينة بين الدعم والتحفظ، حيث أعلن 47 عضوا بمجلس النواب دعمهم للمبادرة، معتبرين أن "هدفها توحيد الجهود السياسية بين مختلف مكونات المشهد الوطني، ومعالجة حالة الانقسام".
وأكد النواب في بيان اطلعت عليه "الشرق"، أن "تحقيق الاستقرار الدائم يظل مرهوناً بإرادة وطنية جامعة تضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات"، مشددين على أن "ليبيا بحاجة إلى توافق وطني حقيقي، وشراكة سياسية مسؤولة تغلب منطق الدولة على منطق الانقسام".
وفي تعقيبه على التطورات، يقول البوسيفي لـ"الشرق"، إن "بيان رؤساء المجالس الثلاثة جاء في توقيت حساس يتزامن مع تصاعد الضغوط الدولية لإيجاد تسوية سياسية شاملة، ما يمنحه دلالة تتعلق بمحاولة توحيد المواقف الوطنية تجاه المرحلة المقبلة".
ورجح الخبير السياسي، أن "يكون للبيان أثر في الخارطة السياسية إذا تُرجم إلى خطوات عملية وتوافقات قابلة للتنفيذ، لا أن يبقى في إطار الرسائل السياسية فقط"، معتبراً أن "الجديد فيه يكمن في (تقديم) رؤية واضحة من حيث تحديد الآليات والإجراءات لمسار مهم وهو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وتوحيد المؤسسات السيادية خصوصاً السلطة التنفيذية، مما يعزز السيادة الوطنية".
من جهته، يقول النائب الليبي خليفة الدغاري: "بعد انسداد سياسي وحالة شلل وقطيعة وتباعد بين السلطات الرئاسية والتشريعية استمرت لسنوات وما نجم عنها من انقسام في مؤسسات الدولة التنفيذية والاقتصادية والمالية و كذلك الأجهزة السيادية والأمنية ومؤسسة القضاء وغيرها، وبعد حالة شلل سياسي وتعدد المسارات، يخرج علينا الاتفاق الثلاثي بين الرئاسات المتصارعة".
وأشار الدغاري، في تصريحات لـ"الشرق"، إلى أن الاتفاق "يتعاطى إلى حد كبير مع مخرجات (اتفاقات) الصخيرات وجنيف، ولا يلتفت إلى المسارات الأخرى الموازية ويضع البعثة الأممية في حرج كبير أمام الضغوط، التي تتعرض لها من الدول الفاعلة وكذلك المجتمع الدولي وقراراته".
و"حتى لا يحدث مزيد من الانقسام داخل السلطة ومؤسسات الدولة غرباً و شرقاً"، دعا النائب مصر، باعتبارها الدولة الراعية لهذا الاتفاق، إلى "بذل جهود مضاعفة لإقناع الأطراف الفاعلة داخلياً وخارجياً بمبادرتها لترى النور".
من جهته، يتناول الباحث في الشأن السياسي الليبي حسين المسلاتي، توقيت الإعلان الثلاثي، معتبراً أن إصداره قبل إحاطة تيتيه بساعات، يختزل "محاولة لتمرير رسالة مفادها أنهم لم يعودوا قوة معرقلة وأنهم يتفاعلون إيجابياً مع المبادرة الأممية أو خريطة الطريق التي طرحتها منذ أشهر".
واستدرك في حديثه لـ"الشرق": "لكن في الحقيقة هو تحرك تكتيكي محكوم بجملة من الأهداف السياسية المرتبطة بإعادة التموضع وعرقلة مسارات أخرى، من ذلك على سبيل المثال محاولة قطع الطريق على المبادرة الأميركية، وبرأيي فإن هذا أحد الأهداف المهمة للإعلان الثلاثي، وعرقلة أي نتائج محتملة للحوار المهيكل، فهم حاولوا أن يستبقوا إحاطة تيتيه لأنها هي قد تقصيهم من المشهد نهائياً فحاولوا أن يربكوها قبل الإحاطة بساعات قليلة".
وبحسب رؤيته، فإن "الإعلان الثلاثي هو قفزة في الهواء ولن يكون له أي تأثير على الأزمة الليبية لا سيما مع الزخم الإيجابي للمبادرة الأميركية المعروفة إعلامياً بمبادرة بولس".
لمن الأولوية؟
عضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، أحمد اهمومة يرى أن "الحلول تتزاحم، حيث نجد شبه توافق بين المجالس الثلاثة، وشبه توافق على قوانين (لجنة) 6+6 بعد إجراء التعديل المطلوب حول هذه القوانين وتحديد موعد للانتخابات العامة مع إجراء تعديل دستوري يتضمن صلاحيات للرئيس المنتخب".
و"6+6"، هي لجنة كلفها المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب بإعداد القوانين الانتخابية، وتضم 6 ممثلين عن كل مجلس.
وفي تصريحاته لـ"الشرق" يضيف اهمومة: "في المقابل نجد لجنة 4+4 تقوم أيضاً تقوم بدور شبه قريب من الدور الذي تحاول الرئاسات الثلاث أن تسوق له مع التحفظ على الانتخابات الرئاسية والقيام بإجراء الإنتخابات البرلمانية فقط ويتم ذلك برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا".
وبشأن مبادرة مسعد بولس، يتابع في حديثه لـ"الشرق": "كذلك تدخل على الخط محاولة أميركية لاختيار مجلس رئاسي ورئيس حكومة، لكن الآلية غير معروفة لكيفية إنجاز هذا الحل".
وبالنسبة لـ"اهمومة"، فإن "من يملك الأرض والعاصمة والسلاح هو من يرجح كفة أي من هذه الحلول (من أجل) أن يكون له الأولوية، ولنا تجربة مع ذلك عندما اختار مجلس النواب بالتوافق مع 52 عضواً من مجلس الدولة فتحي باشآغا رئيساً لحكومة موحدة بدل حكومة الوحدة الوطنية والحكومة الليبية".
واتهم المليشيات على الأرض بـ"إفشال هذا الحل"، داعياً إلى ضرورة محاسبة هذه التشكيلات التي قال إنها "لا تأتمر بأحد إلا بمصالحها واستمرار نفوذها".
تحديات على طريق التسوية
بما أن التنفيذ يظل الاختبار الأصعب لأي اتفاق في ليبيا، يرى الباحث شرف الدين سعيد العلواني، أن البيان الثلاثي "لن يرتقي إلى مستوى التنفيذ"، مرجعاً ذلك، في حديثه لـ"الشرق" إلى عدة أسباب يأتي في مقدمتها "تفاوت ميزان القوى"، مضيفاً: "هنا يجب أن نعرف ما المقابل لكفة المجالس الثلاث رغم أنها كانت أحد أهم من خلف (أسباب) تأخر تنفيذ كل الاتفاقيات (...)".
وتطرق الخبير السياسي في حديثه لـ"الشرق"، إلى نقطة محورية تتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في ليبيا، موضحاً أنه "بالنظر إلى قوة كفة القوات المسلحة الليبية خاصة في شرق ليبيا، الأمر الذي جعلها رقماً أساسياً في أي معادلة لإخراج ليبيا من محنتها".
ويخلص العلواني إلى أن "مشكلة ليبيا الحقيقية تكمن في تطبيق كل من هم معرقلون لكافة الحلول لاسترتيجية (التآكل من الداخل) كما فعلوا لنظام (معمر) القذافي فيما سبق ونتج عن هذا الأمر".
ويؤكد، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن "حالة ليبيا جد صعبة في ظل عدم اجتماع الفاعلين وتغييبهم وتهميش جلهم بفعل سيطرة أصحاب النفوذ الفعلي وازدياد قوتهم (...)"، معتبراً أن ما جاء بوثيقة المجالس الثلاثة "ليس سوى حبر على ورق لا غير".
عمر بو أسعيدة، الباحث في الشأن السياسي يمضي أيضاً في نفس الاتجاه، بالقول إن البيان الثلاثي (يختزل) "عملية حسابية مدروسة بعقلية إدارة الأزمة لا حلّها، جاءت في لحظة بالغة الحساسية. خوفاً من طوفان توافق القوة الفاعلة على الأرض مع مبادرة أميركية برؤية شاملة للحل في ليبيا".
وتكمن "الإشكالية الجوهرية"، بحسب بو أسعيدة، في أن "البيان يفتقر إلى السند المؤسسي الحقيقي".
وفي تعقيبه على فكرة دمج المبادرتين الأممية والأميركية، أشار الخبير إلى أن "خبراء للبعثة الأممية يعملون حالياً على تطوير وتعديل مخرجات الحوار المهيكل بما يتلاءم مع مبادرة بولس، وهذا التلاؤم ليس مصادفة، بل هو تكامل مقصود بين قوتين دافعتين: الشرعية الدولية الأممية والقوة الأميركية الضاغطة".
وبشأن الفكرة نفسها، يقول حسين المسلاتي إنه من الممكن أن تتقاطع بعض الفقرات من "الحوار المهيكل" مع المبادرة الأميركية ويمكن الذهاب في تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تمهيداً للانتخابات كمرحلة لاحقة يتم الاتفاق عليها.
أما الذهاب نحو مخرجات "الحوار المهيكل" بمفردها وبدون الاستعانة بالأساسيات والثوابت والآليات أو الإطار العام الذي تتحدث عنه مبادرة مسعد بولس، فيعتقد في هذه الحالة أن الحوار "لن يضيف جديداً"، على حد قوله.
وفي تصوره، فإن "تيتيه لم تقدم أي جديد في إحاطتها الأخيرة، حيث مازالت تشتكي من عرقلة مجلسي النواب والدولة علي سبيل المثال، وتشتكي من الهشاشة الأمنية، ولازالت تلمح إلى أنها قد تتخذ مزيداً من الإجراءات في حال فشل حوارات لجنة 4+4 وفي حال تعنت المجلسين في التعاطي الإيجابي معها".
وبناء على ذلك، يرى أن "المبادرة الأميركية ستسبق التحركات الأممية وبولس نفسه يقول نحن لا نقدم مبادرة بديلة أي موازية لكنها مساندة (للخارطة الأممية) أو مكملة لها، لكن أعتقد أن البوادر الأميركية ستسبق البعثة الأممية بخطوات وستفتح لها الطريق من خلال توحيد السلطة التنفيذية".
وبحسب المسلاتي، فإنه "لا يزال لدى تيتيه أمل في أن تصل مخرجات 4+4 لحل، خاصة في ما يتعلق بالقوانين الانتخابية، طبعاً هم أنجزوا المرحلة الأولى وإن لم تكتمل، والمرحلة الثانية لا تزال قيد التفاوض".
مبادرة بولس.. ووثيقة الرؤساء
يعتقد عضو مجلس النواب الليبي صالح فحيمة، أن مبادرة مسعد بولس تختلف عن وثيقة الرؤساء الثلاثة، موضحاً أن "الأخيرة صدرت عن رؤساء المؤسسات السياسية القائمة واستندت إلى تفاهمات سابقة جرى البناء عليها بينما لا تزال مبادرة بولس في إطار محاولة جديدة للبحث عن مخرج من حالة الانسداد السياسي".
وفي تصريحات لـ"الشرق"، يقول فحيمة إنه "من المهم الإشارة إلى أن رئيس مجلس النواب عند توقيعه على الوثيقة لم يعرضها على المجلس ولم تطرح للنقاش أو التداول بين أعضائه بحسب ما نعلم، كما لم يصدر عن المجلس ما يفيد بتبنيها أو اعتمادها بصورة رسمية، ومع ذلك فقد تعامل معها باعتبارها امتداداً لتوافقات ومواقف سابقة لمجلس النواب ولم ير فيها خروجاً جوهرياً عنها".
ويرى أن ذات الملاحظة تنطبق على بقية المؤسسات أيضاً إذ "لا يبدو أن الوثيقة مرت بالإجراءات الداخلية المعتادة داخل كل مؤسسة قبل التوقيع عليها"، وهو ما يجعلها أقرب إلى "تفاهم سياسي بين الرؤساء منها إلى قرار مؤسسي مكتمل الأركان".
ومن هذه الزاوية، يخلص النائب إلى أن "وثيقة الرؤساء الثلاثة ومبادرة بولس تلتقيان في السعي إلى كسر حالة الجمود والوصول إلى الانتخابات لكنهما تختلفان في أن الوثيقة الثلاثية استندت إلى تفاهمات قائمة ومرجعيات محددة، بينما تحاول مبادرة بولس البحث عن أرضية جديدة للتوافق".
وفي جميع الأحوال، يشدد فحيمة على أن "قيمة أي مبادرة أو وثيقة لا تتوقف على التوقيع عليها بقدر ما تتوقف على مدى توافقها مع الأطر الدستورية والقانونية وقدرتها على معالجة أسباب الانقسام، وصولاً إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة تنهي المراحل الانتقالية وتحفظ وحدة الدولة وسيادتها".










