
اعتاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدخول في صدامات مع أغلب القادة في مجموعة السبع في مرحلة ما، لكن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني فعلت هذا الأسبوع ما لم يجرؤ أي منهم على فعله، بعد أن صعّدت من حدة الخلاف معه، وفق "بلومبرغ".
وبخلاف رئيس وزراء إسبانيا الاشتراكي بيدرو سانشيز، وهو أحد القادة القلائل في أوروبا الذين استغلوا توبيخ ترمب لهم لتحقيق مكاسب سياسية، برزت رئيسة الوزراء الإيطالية باعتبارها واحدة من الأوروبيين القلائل الذين كان ترمب يحبهم بالفعل، فهي محافظة صريحة لا تتردد في التحدث عن حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA). لكن ميلوني انتقلت أيضاً من سياسية شعبوية إلى سياسية عملية.
وعندما أشاد ترمب بشكل متكرر بمظهر ميلوني العام الماضي، قائلاً: "لا تمانعين أن يُطلق عليكِ جميلة، أليس كذلك؟ أنتِ كذلك بالفعل"، اعترض آخرون على هذا التنميط، إلا أنها تغاضت عن الأمر. ولهذا السبب فإن قرارها بالرد بالمثل على استفزازاته ببعض الاستفزازات الخاصة بها يتعارض مع الطريقة التي اختار بها معظم أقرانها التعامل مع هجمات ترمب.
وخلال الـ24 ساعة الماضية، فعلت الشخصية التي أشاد بها ترمب ذات مرة لـ"اكتساحها أوروبا" ثلاثة أمور ربما فكر فيها بعض حلفاء الولايات المتحدة سراً، لكنهم لم يصرحوا بها علناً قط. فقد قالت إنه "يكذب ويتملّق الأعداء بينما ينقلب على أصدقائه". كما استفزته عندما طلبت منه أن ينظر إلى استطلاعات الرأي الخاصة به مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، وهي تدرك بلا شك أن شعبيته قد وصلت إلى أدنى مستوياتها.
خلاف غير متوقع
جاء هذا الخلاف، بشكل غير متوقع إلى حد ما، في أعقاب اجتماع مجموعة السبع، الذي سادته أجواء ودية، حيث وضع العديد من القادة تحفظاتهم جانباً بشأن اتفاق السلام الذي كان ترمب على وشك توقيعه مع إيران. وغادر ترمب اجتماع مجموعة السبع، وهي مجموعة كان ينتقدها في الماضي، واصفاً إياها بأنها "واحدة من أنجح المجموعات".
ولفتت "بلومبرغ" إلى أن مسألة ما إذا كان ينبغي استرضاء ترمب أو التوافق معه هي مسألة عانى منها العديد من حلفاء الولايات المتحدة. وفي لفتة دالة، لم يُدعَ الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته إلى اجتماع الأسبوع الماضي في فرنسا، وهو ما يعزى جزئياً إلى أن بعض العواصم الأوروبية الرئيسية كانت تشعر بعدم الارتياح إزاء أسلوبه لاسترضاء ترمب.
وفي وقت سابق من هذا العام، دافعت ميلوني عن بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر، معتبرةً أن تصريحات ترمب المنتقدة للبابا بسبب معارضته لحرب إيران كانت "غير مقبولة"، لكن يبدو أن هذا الخلاف تلاشى سريعاً.
وبالنظر إلى مدى عدم شعبية ترمب في أوروبا بغض النظر عن الانتماء السياسي، يكتشف العديد من القادة أن تحمل هجمات ترمب ينعكس سلباً عليهم لدى أعين الناخبين.
محاولات لتجنب المواجهة
وذكرت "بلومبرغ"، أنه منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض في عام 2025، حاول العديد من السياسيين في أوروبا إبداء ردود فعل متوازنة تجاه الرئيس الأميركي بناءً على افتراض أن مواجهته بشكل علني تعد مسألة خاسرة.
وأثناء انعقاد قمة مجموعة السبع، بدا أن قادة آخرين هم الأكثر احتمالاً لمواجهة ترمب. ولطالما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شريكاً متكرراً في الجدال. فقد وصفه ترمب بأنه يسعى إلى الشهرة وقال إنه سيترك منصبه قريباً. وبما أن هذه هي ولايته الأخيرة، فإن ماكرون ليس لديه ما يخسره على الصعيد السياسي.
ومع ذلك، بدا أن الرجلين على وفاق مجدداً. فقد أعرب ترمب عن سعادته بشكل واضح بكرم ضيافة ماكرون، أولاً في جبال الألب الفرنسية ثم في المقر الفخم للملوك السابقين حيث قرر بشكل عفوي، محاطاً بذهب قصر فرساي، التوقيع على مذكرة التفاهم مع إيران، وكان ماكرون جالساً بجانبه.
وكان من الحاضرين أيضاً رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر، الذي يكافح بشدة من أجل بقائه السياسي. وقد استمتع بفترة وجيزة من العلاقات الطيبة مع ترمب.
لكن عندما تردد ستارمر في السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعد جوية بريطانية لمهاجمة إيران، انقلب ترمب عليه. ولم يحظ رد ستارمر الحذر إلا بقليل من الثناء في وطنه.
فيما سعى المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى تجنب مواجهة مباشرة مع ترمب، فبعد أن صرح خلال حديثه إلى طلاب في ألمانيا، بأن الولايات المتحدة "تتعرض للإذلال" على يد الإيرانيين، وسارع إلى محاولة تصحيح الوضع خلال قمة مجموعة السبع من خلال إهداء ترمب قميص كرة قدم، قائلاً: "نحن في نفس الفريق".
أما رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، وهي أحدث الزعماء المنتخبين ضمن قادة مجموعة السبع، فكان لا يزال يراودها الشعور بالصدمة من جراء تحمّلها بأدب مزحة ترمب قبل 3 أشهر حول الهجوم الياباني على قاعدة "بيرل هاربر" البحرية الأميركية عام 1941، الذي دفع الأميركيين إلى خوض الحرب العالمية الثانية.
كان الرئيس الأميركي قال رداً على صحفي ياباني سأله عن سبب عدم إبلاغ واشنطن لحلفائها قبل مهاجمة إيران: "من يعرف المفاجأة أفضل من اليابان. لماذا لم تخبروني عن بيرل هاربر؟".
وربما كان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الأقرب إلى تحدي ترمب بشكل صريح، لكنه هو الآخر لم يجرؤ على مواجهة جاره بكل قوة، خاصةً وأن كلا البلدين يستضيفان هذا الصيف كأس العالم، إلى جانب شريكهما التجاري، المكسيك.
أزمة صورة ميلوني
وميلوني، البالغة من العمر 49 عاماً، والتي مازحت الحضور بأنها حضرت قمة مجموعة السبع بعد أن أقلعت عن التدخين وارتدت ربطة عنق، هي أول من يختبر فعلياً النظرية القائلة بأن تحدي ترمب يمكن أن يكسبها نقاطاً لدى الناخبين.
وستخضع ميلوني لاختبار انتخابي العام المقبل، وبالنسبة لسمعتها السياسية، فالنظر إليها باعتبارها "دمية ترمب في أوروبا" ليس أمراً جيداً، وفقاً للورنزو كاستيلاني، الباحث في جامعة لويس في روما.
وبدا أن التوتر مع ترمب قد تراجع خلال قمة مجموعة السبع، حيث قال دبلوماسيون إيطاليون إن الجانبين تجاوزا خلافاتهما.
لكن ترمب قال، في تصريحات، الجمعة، إن ميلوني "توسلت" للحصول على صورة معه خلال القمة، وإنه يشعر "بالأسف تجاهها"، وهو ما وصفته رئيسة الوزراء الإيطالية بأنه "مُختلَق بالكامل".
وواصل ترمب، في منشور على مصته للتواصل "تروث سوشيال"، السبت، التأكيد على ما قاله من أن ميلوني طلبت منه مراراً التقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع التي عُقدت الأسبوع الماضي، لكنه رفض ذلك لأن إيطاليا لم تساعد الولايات المتحدة في حملتها العسكرية ضد إيران.
وأضاف: "الآن، بعد أن هزمت الولايات المتحدة إيران عسكرياً، تريد (ميلوني) أن نكون أصدقاء مجدداً من أجل تحسين شعبيتها. لا شكراً".
وردّت ميلوني بعد وقت قصير عبر منشور على "إنستجرام"، قائلة إن "الهجمات المتواصلة وغير المُبررة لا معنى لها". وكتبت: "إيطاليا ستبقى دولة ذات سيادة. وعلى أي حال، فإن شعبيتي ليست من شأنك"، وأضافت: "أنصحك بالتركيز على شعبيتك أنت".
ورداً على هجمات ترمب، أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، الجمعة، إلغاء زيارته المقررة إلى الولايات المتحدة يومي 21 و22 يونيو، احتجاجاً على ما وصفه بـ"الكلمات الخطيرة والمسيئة"، التي وجهها ترمب لرئيسة الوزراء الإيطالية.










