
يلجأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس بعد خلاف حاد مع واشنطن إلى تكتيك مألوف يتمثل في قول الأمور التي يرغب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في سماعها، وفق مجلة "بوليتيكو".
وأشارت المجلة إلى أنه في مواجهة الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس الأميركي على صناعة السيارات الألمانية المرموقة، مباشرة بعد تهديده بسحب القوات الأميركية، جاءت ردة فعل المستشار الألماني "تصالحية بشكل آسر"، عندما قال إن "ترمب محق في الأساس".
وذكرت المجلة أنه منذ أن ابتعد ميرتس عن أسلوبه المعتاد في توجيه انتقادات حادة لتعامل إدارة ترمب مع حرب إيران، الأسبوع الماضي، رد الرئيس الأميركي الغاضب باستهداف نقاط ضعف ألمانيا، وهي: اعتمادها على الولايات المتحدة في الجانب الأمني، بالإضافة إلى اقتصادها الذي يعتمد على التصدير في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية.
لكن على الرغم من خطورة التهديدات الأميركية، يقلل ميرتس ووزراؤه من شأن المخاطر وعادوا إلى استراتيجيتهم التقليدية، التي تتمثل في "إخبار ترمب بما يرغب سماعه بالضبط"؛ سواء فيما يتعلق بالتجارة، أو حرب إيران.
ورفض المتحدث باسم الحكومة الألمانية، ستيفان كورنيليوس، التكهنات التي تشير إلى أن ميرتس قد يضطر للسفر إلى واشنطن لتهدئة التوترات الأخيرة مع ترمب، قائلاً إنه من المقرر أن يلتقي الاثنان في قمة مجموعة السبع G7 في فرنسا، التي لن تعقد قبل الفترة من 15 إلى 17 يونيو المقبل.
وقدم نائب المستشار، لارس كلينجبايل، تطمينات بأن ميرتس على "اتصال مستمر" مع ترمب لتجنب أي تصعيد إضافي. ومع ذلك، لم يتمكن كورنيليوس من تقديم معلومات محددة عن أي مكالمات هاتفية مخطط لها.
على الرغم من أن السياسيين من "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" (يسار وسط)، شريك ميرتس في الائتلاف الحاكم، يقولون الآن إن الوقت قد حان لإطلاق العنان لكامل قوة الترسانة التجارية للاتحاد الأوروبي ضد الولايات المتحدة رداً على تهديدات ترمب، يسعى ميرتس إلى إنقاذ العلاقة من خلال اتباع نهج أكثر لطفاً ومرونة.
وبالنسبة للمستشار الألماني، فإن "المنطق التكتيكي لا يمكن تجاهله، فالمواجهة المباشرة تنطوي على خطر نتائج العكسية"، كما أظهرت الأيام الأخيرة. ولذلك، يقوم بتنفيذ تحول جذري ويكثف الجهود الدبلوماسية التصالحية ليكون في موضع يسمح لها بإقناع الرئيس، قدر استطاعته.
تحول درامي
بعد أن تعهد الرئيس الأميركي برفع الرسوم الجمركية على السيارات والشاحنات الأوروبية إلى 25% هذا الأسبوع رداً على ما وصفه بتباطؤ أوروبا في تنفيذ "اتفاقية تيرنبيري" التجارية التي أبرمت بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الصيف الماضي، بدا أن ميرتس يتفهم موقف ترمب إلى حد كبير. وفي الواقع، ألقى باللائمة على الاتحاد الأوروبي.
قال ميرتس في مقابلة مع التلفزيون الألماني العام، بُثت، الأحد: "ترمب يشعر ببعض الإحباط، لأننا في الاتحاد الأوروبي لم ننتهِ بعد من إبرام اتفاقية تورنبيري وبصراحة، هو محق في ذلك".
وأضاف ميرتس: "إنه يفقد صبره لأننا توصلنا إلى اتفاق مع الولايات المتحدة في أغسطس الماضي لإبرام اتفاقية تجارية، لكن من الجانب الأوروبي، لا تزال الشروط الجديدة تُصاغ، ولم نوقع عليها بعد". وتابع: "لهذا السبب آمل أن نتمكن من التوصل إلى اتفاق في أقرب وقت ممكن".
وبالمثل، غير ميرتس إلى حد كبير موقفه بشأن حرب إيران. وبغض النظر عن تصريحاته الأسبوع الماضي بأن ترمب يتعرض للإذلال من قبل النظام في طهران، أكد ميرتس على منصة "إكس"، بأن "الولايات المتحدة هي الشريك الأهم لألمانيا في حلف الناتو"، وشدد على أن برلين تشاطره "الهدف المشترك" المتمثل في منع إيران من تطوير أسلحة نووية.
وقال ميرتس في المقابلة التلفزيونية: "لن أتوقف عن العمل على تحسين العلاقات عبر الأطلسي، ولن أتخلى عن التعاون مع دونالد ترمب".
ولفتت المجلة في نسختها الأوروبية، إلى أنه في حين أن نهج ميرتس يتمثل في العودة إلى تهدئة ترمب، فإن بعض القادة الأوروبيين الآخرين بدأوا يفقدون صبرهم. وهذا يشمل أعضاءً التحالف الذي ينتمي إليه المستشار من ائتلاف المستشار في "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" SPD.
وقال سيباستيان رولوف، عضو البرلمان عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي والمتخصص في الشؤون الاقتصادية: " للحكومة الألمانية لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ذلك. لقد أظهرت تجارب سابقة أننا يجب ألا نرضخ لترمب. نحن بحاجة إلى اتخاذ تدابير مضادة توضح للولايات المتحدة أنها تعتمد أيضاً على التجارة العالمية السلسة".
كما قال ماركوس تونز، النائب البارز في "الحزب الاشتراكي الديمقراطي"، إنه "يؤيد بشكل قاطع" استخدام ما آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه الاقتصادي التي يُطلق عليها اسم "بازوكا" (Bazooka).
وفي أعقاب تهديدات ترمب، قال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، الجمعة، إن الاتحاد الأوروبي "سيبقي خياراته مفتوحة لحماية مصالح الاتحاد الأوروبي".
وبالتالي، فإن تهديد ترمب التجاري يمنح ميرتس فرصة غير متوقعة للعودة إلى العلاقات الودية مع الرئيس، واستئناف دوره كأكبر مدافع أوروبي عن "اتفاقية تيرنبيري" المثيرة للجدل، بما في ذلك في مواجهة المعارضة الفرنسية.
وبنفس المنطق، اعتبرت "بوليتيكو"، أن ميرتس ووزراؤه يبدون مستسلمين ومتقبلين بشكل غريب لخطط إدارة ترمب بسحب 5 آلاف جندي أميركي من ألمانيا، وربما عدد أكبر بكثير، واصفين ذلك بأنه جزء من خطط الولايات المتحدة على المدى الطويل، على الرغم من أن القرار صدم حتى المسؤولين في وزارة الحرب الأميركية "البنتاجون".
وإحدى الوحدات التي من المحتمل أن تغادر هي قوة متخصصة كان من المفترض أن تنقل صواريخ كروز من طراز Tomahawk إلى ألمانيا لردع أي هجوم محتمل من روسيا.
واعتبر كل من وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، ووزير الخارجية، يوهان فاديفول، الانسحاب الأميركي يمثل مؤشراً لأوروبا لكي تتقدم وتغطي المزيد من مسؤولياتها الخاصة في حلف الناتو على أرضها، وهو أمر طالما أراد ترمب سماعه من الأوروبيين. وبدلاً من انتقاد ترمب، فإنهما يخبرانه أنه يدفع أوروبا في الاتجاه الصحيح.
وقال فاديفول: "علينا أن ننظر إلى هذا الأمر على أنه دعوة متجددة لتطوير قدراتنا وتوفيرها بسرعة أكبر. لا مفر من ذلك بكل بساطة".
رهان في "وقت حرج"
كما يراهن ميرتس على أن غضب ترمب سيهدأ، وهو ما يُعزى جزئياً إلى حد كبير إلى أن العديد من أعضاء الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترمب ينظرون بإيجابية إلى دعم ألمانيا لاتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ويدفعون نحو تولي دور أكبر بكثير في الدفاع الأوروبي، وفقاً لما يقوله مشرعون في الكتلة المحافظة التي ينتمي إليها ميرتس.
وأشارت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، إلى أن تصعيد الولايات المتحدة يأتي في وقت حرج بالنسبة لميرتس على الصعيد المحلي، وذلك مع اقتراب مرور عام على توليه منصبه في 6 مايو، تظل معدلات تأييده ضعيفة، والاقتصاد راكداً، وائتلافه منقسماً بشأن إصلاحات الرعاية الاجتماعية غير الشعبية.
وفي الوقت نفسه، يتصدر حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف استطلاعات الرأي بقوة في الانتخابات المقررة في الولايات الشرقية في سبتمبر، حيث من المتوقع أن يحقق نتائج قياسية.
وفي هذا السياق، حذر كليمنس فويست رئيس معهد "إيفو" الألماني للبحوث الاقتصادية في نهاية الأسبوع، من أن نزاعاً تجارياً جديداً، يضاف إلى حرب إيران ربما يدفع ألمانيا إلى الركود.
وقال ستيفان براتزل، رئيس مركز أبحاث إدارة السيارات، إن ارتفاع الرسوم الجمركية سيجعل أسعار السيارات الألمانية في الولايات المتحدة "باهظة"، مضيفاً أن "العلاقات عبر الأطلسي تتطور لتصبح اختباراً صعباً للصناعة الألمانية للسيارات".
وتشير تقديرات معهد الاقتصاد العالمي بجامعة "كيل" الألمانية، إلى أن ارتفاع الرسوم الجمركية على السيارات قد يقلص نمو ألمانيا بما يصل إلى 0.3 نقطة مئوية خلال الأشهر الـ12 المقبلة، ما يجعل حدوث تراجع اقتصادي "أكثر احتمالاً" إذا تصاعد الخلاف التجاري أكثر، حسبما قال جوليان هينز، مدير أبحاث السياسة التجارية بالمجموعة.
لكن كثيرين انتقدوا ميرتس، المعروف بصراحته وأسلوبه المندفع، وجاءت الانتقادات من أعضاء حزبه.
وقال رودريش كيسويتر، النائب البارز في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، إنه في حين أوضحت الولايات المتحدة رغبتها في تقليص وجودها العسكري، "يجب ألا نمنح ترمب حافزاً لاتخاذ إجراءات متسرعة من خلال تصريحات علنية".
وفي مقال افتتاحي، كتب كريستوف فون مارشال، كبير المراسلين الدبلوماسيين في صحيفة "تاجس شبيجل" اليومية في برلين، إن "أمة بأكملها تتعرض بالفعل للإذلال، ألا وهي الألمان على يد ترمب. إنه يبرهن بلا رحمة على من يعتمد على من".













