
أرجأ الاتحاد الأوروبي قمة كانت مقررة مع بريطانيا لإعادة ضبط العلاقات بعد "بريكست"، بعدما خلص مسؤولون أوروبيون إلى أن آندي بيرنهام قد يكون مفاوضاً أكثر مرونة من رئيس الوزراء المستقيل كير ستارمر، حسبما أوردت صحيفة "التليجراف".
وقالت مصادر مقربة من فريق التفاوض في بروكسل للصحيفة إن بيرنهام يُنظر إليه على أنه أكثر استعداداً لتقديم تنازلات للاتحاد الأوروبي خلال المحادثات التي كان من المقرر عقدها في 22 يوليو المقبل.
وقد يصبح بيرنهام رئيساً للوزراء في موعد أقصاه منتصف يوليو، بعد استقالة ستارمر أمام مقر رئاسة الوزراء في "داونينج ستريت" صباح الاثنين.
وقال مسؤولون لـ"التليجراف"، إن النائب الجديد عن دائرة ميكرفيلد كان يُتوقع أن يكون "أكثر تقبلاً" لمطالب التكتل عند إعادة التفاوض بشأن بعض جوانب الاتفاقات التابعة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست" خلال القمة المرتقبة.
مفاوض أقل تشدداً
وقال مصدر مطلع على المناقشات: "يرون أنه من المرجح أن يكون أقل تشدداً في التفاوض".
وبعد وقت قصير من إعلان ستارمر استقالته، قال أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، إن القمة ستُؤجل.
وأضاف: "باختصار، نعيد تقييم الوضع بالتعاون مع بريطانيا، لكن من الواضح أيضاً أن الظروف تغيرت، وهذا يعني أننا سنحتاج إلى تأجيل القمة".
وكان ستارمر وكوستا وأورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، قد أعلنوا الأسبوع الماضي عن عقد القمة في 22 يوليو، على هامش اجتماع مجموعة السبع في فرنسا.
وكان من المقرر استغلالها للكشف عن برنامج لتنقل الشباب، ومعالجة العقبات التي تعترض تجارة الأغذية والمشروبات والطاقة.
وذكرت "التليجراف" أنها علمت بأن ستارمر كان يعرقل التوصل إلى اتفاقات بسبب رفضه تقديم تنازلات للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ما يتعلق بالرسوم الدراسية التي يدفعها طلاب دول الاتحاد الأوروبي في الجامعات الإنجليزية.
وقال دبلوماسي أوروبي إن التكتل لن يوافق على اتفاقات الغذاء والطاقة "من دون أي تغيير" في الموقف البريطاني.
وكانت بريطانيا تأمل أيضاً في التوصل إلى اتفاق يخفف من آثار خطط الاتحاد الأوروبي الرامية إلى خفض واردات الصلب إلى النصف وفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على أي صادرات تتجاوز الحصص المقررة.
فرص التوصل إلى اتفاق جديد
وقبل الإعلان عن الاجتماع رفيع المستوى، كانت تجري في بروكسل مناقشات تركز على ما إذا كان تأجيل القمة قد يمهد الطريق أمام بيرنهام لإبرام اتفاق.
وتناول مسؤولون ودبلوماسيون في بروكسل إرث بيرنهام خلال فترة توليه رئاسة بلدية مانشستر الكبرى، والأهم من ذلك دعمه السابق لعودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
وكان قد صرح سابقاً بأنه يأمل في أن تعود بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي "خلال حياته"، لكنه خفف تدريجياً من هذا الموقف أثناء حملته الانتخابية في دائرة صوتت لصالح الخروج من الاتحاد.
وقال أحد المسؤولين إن هناك "فضولاً وأملاً" بشأن بيرنهام، لكنه أقر بأن اعتبارات السياسة الداخلية قد تجعل موقفه أكثر صعوبة إذا أصبح رئيساً للوزراء.
وأعرب مصدر آخر عن أمله في أن يؤدي صعوده المتوقع إلى فترة من الاستقرار السياسي في بريطانيا، بعد تعاقب 6 رؤساء وزراء منذ استفتاء "بريكست" قبل 10 أعوام.
وفي ضوء ذلك، أوصت المفوضية الأوروبية بتجميد المفاوضات مع ستارمر وانتظار رئيس وزراء جديد لتقييم ما إذا كان بيرنهام سيكون أكثر استعداداً للاستجابة لمطالبها.
انتقادات داخلية وترقب أوروبي
في المقابل، انتقدت زعيمة حزب المحافظين، كيمي بادينوك، خطة ستارمر الرامية إلى وصول خليفته إلى "داونينج ستريت" بحلول 1 سبتمبر المقبل، مؤكدة أن الأمن القومي يجب أن يكون الأولوية القصوى.
وقالت بادينوك عبر منصة "إكس": "هناك قرارات حاسمة يجب اتخاذها، بينما يشرع رئيس الوزراء في جولة وداعية، ويريد آندي بيرنهام قضاء عطلة صيفية".
وأضافت: "من المهم للغاية أن نضمن استمرار إدارة البلاد. لقد اضطر كير ستارمر إلى الاستقالة لأن وزير دفاعه قال إنه لا يولي الأمن القومي العناية اللازمة".
وتابعت: "مهما حدث الآن، يجب أن نتأكد من أن الأمن القومي يتصدر جدول الأعمال، وهذا يعني أن على آندي بيرنهام أن يوضح مصدر الأموال اللازمة لتمويل دفاعنا، وأن يخفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية لتوفير الموارد للدفاع".
دعوات أوروبية لتعزيز التقارب مع لندن
ومنذ إعلان ستارمر استقالته، الاثنين، أعرب عدد من المشاركين السابقين في مفاوضات "بريكست" عن تأييدهم إقامة علاقات أوثق بين بريطانيا وبروكسل.
وقال ميشيل بارنييه، كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي السابق، إنه لا يرغب في التعليق على احتمال سعي بيرنهام لإعادة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
وأضاف: "كان قرار الخروج خياراً سيادياً لبريطانيا. وعندما ترغب المملكة المتحدة في العودة، فسيكون ذلك أيضاً خياراً سيادياً لها. عندها سيكون الباب مفتوحاً، والجميع يعرف قواعد اللعبة. وبعيداً عن مسألة العودة، هناك الكثير من الأمور التي يمكننا القيام بها معاً وتحسينها والتفاوض بشأنها".
وتابع: "إذا نظرنا بعناية إلى العالم من حولنا والتحديات العالمية الكثيرة التي نواجهها، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه أي مواطن بريطاني أو فرنسي هو: كيف يمكننا الدفاع عن قيمنا ومصالحنا الوطنية في مواجهة هذا العالم الحالي؟".
من جهته، قال جاي فيرهوفشتات، الذي قاد ملف "بريكست" في البرلمان الأوروبي، للصحيفة: "بعد الاستفتاء مباشرة قلت إن بريكست ليس وداعاً نهائياً بل إلى لقاء. وما زلت أؤمن بذلك. وبعد 10 سنوات، أطاح بريكست برؤساء وزراء من مختلف التوجهات السياسية".
وأضاف: "الدرس المستفاد ليس أن هذا القائد أو ذاك فشل في إنجاح بريكست، بل إن بريكست نفسه فشل في تحقيق الوعود التي قُدمت للشعب البريطاني. فجغرافيا بريطانيا ومصالحها ومستقبلها لم تتغير، وما زالت مرتبطة بأوروبا بعمق. وباب أوروبا ليس مغلقاً".
وقال باري أندروز، عضو البرلمان الأوروبي عن أيرلندا وعضو الجمعية البرلمانية المشتركة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي: "لم أتعامل كثيراً مع بيرنهام. دعونا نرَ كيف ستسير الأمور. وبرأيي، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يكافئ أي زعيم بريطاني يدرك أن بريكست كان عملية خداع".
كما دعا كياران كوفي، الرئيس المشارك لحزب الخضر الأوروبي، بيرنهام إلى التقدم بطلب لإعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وقال إن استقالة ستارمر تمثل "فرصة لحزب العمال البريطاني لإظهار توجهاته الأوروبية تحت قيادة جديدة، وإعادة ضبط علاقته بالاتحاد الأوروبي، ومعالجة الأضرار التي تسبب بها بريكست".
وأضاف: "يجب على أي رئيس وزراء عمالي جديد أن يتصل بأورسولا فون دير لاين ويبلغها باستعداده للعودة إلى الاتحاد الأوروبي".
بدوره، قال ديفيد ماكاليستر، عضو البرلمان الأوروبي عن ألمانيا ورئيس لجنة الشؤون الخارجية: "شهد مسار العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا تطوراً إيجابياً خلال السنوات الأخيرة. فقد أعاد الجانبان بناء الثقة وطورا أساليب عملية للعمل المشترك".
وأضاف: "كان الاتحاد الأوروبي دائماً منفتحاً على تعزيز التعاون عندما تكون هناك منفعة متبادلة واضحة. وينطبق ذلك على الأمن والدفاع والتجارة والعديد من المجالات الأخرى".
وتابع: "إذا قُدمت في لندن مقترحات جديدة وملموسة، فإن الاتحاد الأوروبي سيقيّمها بناءً على مضمونها. وحتى ذلك الحين، تبقى الأولوية لتحقيق أقصى استفادة من الأطر والاتفاقات القائمة بالفعل".













