الجزائر.. أحزاب الموالاة تكرس أغلبيتها في البرلمان الجديد | الشرق للأخبار
خاص

برلمان الجزائر الجديد.. الموالاة تعزز أغلبيتها والمعارضة تستعيد حضورها

عزوف قياسي في الانتخابات.. المشاركة تتراجع إلى 21.24% داخل البلاد و10.75% في الخارج

time reading iconدقائق القراءة - 10
العلم الجزائري قرب البرلمان  - REUTERS
العلم الجزائري قرب البرلمان - REUTERS

أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في الجزائر، الاثنين، النتائج المؤقتة لانتخابات أعضاء المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى من البرلمان الجزائري)، التي جرت الخميس الماضي.

وأظهرت النتائج، التي أعلنها رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالإنابة كريم خلفان، تصدر حزب "جبهة التحرير الوطني"، المعروف بـ"الحزب العتيد"، بحصوله على 90 مقعدًاً برلمانياً، مقابل 98 مقعداً في عام 2021، تلاه حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" بـ73 مقعداً، مقابل 58 في البرلمان السابق.

وحقق حزب "جبهة المستقبل"، الذي يترأسه فاتح بوطبيق (رئيس البرلمان الإفريقي)، قفزة لافتة ليحصد 59 مقعداً، ويعزز حضوره داخل البرلمان الجزائري.

وشهدت الانتخابات تراجعاً لحركة "مجتمع السلم" التي حلّت في المرتبة الرابعة بحصولها على 43 مقعداً، مقابل 65 في المجلس السابق.

كما تراجع تمثيل القوائم المستقلة إلى 32 مقعداً، بعد أن كانت قد حصدت 84 في الاستحقاق السابق، بينما حافظت حركة "البناء الوطني" على موقعها بحصيلة 38 مقعداً.

كما أسفرت النتائج عن حصول حزب "جبهة القوى الاشتراكية"، أحد أبرز أحزاب المعارضة، على 12 مقعداً، فيما نال حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" (معارض)  4 مقاعد وحزب العمال (اشتراكي معارض) 3 مقاعد.

وسجلت الانتخابات أيضاً دخول عدد من الأحزاب الجديدة إلى المجلس الشعبي الوطني، أبرزها حزب صوت الشعب الذي حصد 17 مقعداً نيابياً في الغرفة السفلى.

وفازت أحزاب الوسط، ممثلة بـ"الفجر الجديد" و"الحرية والعدالة" بـ6 مقاعد لكل منهما، و"الكرامة" بـ5 مقاعد، و"تجمع أمل الجزائر" بـ3 مقاعد، و"الوحدة الوطنية والتنمية" بمقعدين، و"جبهة المواطنين الأحرار" و"التجديد الجزائري" و"جبهة الجزائر الجديدة" و"جبهة الحكم الراشد" بمقعد واحد لكل منها.

وفاز حزبان آخران من الكتلة الإسلامية، هما "جبهة العدالة والتنمية" بـ4 مقاعد، و"حركة النهضة" بمقعدين، بينما حصل حزبان من الكتلة الديمقراطية، هما "جيل جديد" على 3ة مقاعد، و"التحالف الجمهوري" على مقعد واحد.

وصوّت الجزائريون، الخميس، لاختيار 407 نواب يشكلون عاشر مجلس نيابي في تاريخ الجزائر منذ استعادة استقلالها عام 1962، كما يُعد ثاني مجلس يُنتخب في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، بعد انتخابات عام 2021.

وتنافست في انتخابات الخميس الماضي، 793 قائمة انتخابية تضم نحو 10 آلاف مرشح، عبر مختلف الدوائر الانتخابية داخل البلاد، منها 613 قائمة مدعومة من 32 حزباً سياسياً، وقائمة واحدة خاضت السباق بدعم من تحالف حزبي، و125 قائمة حرة.

أما في الدائرة الانتخابية خارج الجزائر، فقد تنافست 54 قائمة تضم 432 مترشحاً، منها 47 قائمة تحت رعاية 16 حزباً سياسياً، وقائمة واحدة ضمن تحالف حزبي، إضافة إلى 6 قوائم حرة.

أغلبية موالية

واعتبر الكاتب الصحافي حكيم بوغرارة، أن النتائج الأولية تعكس احتفاظ "أحزاب الموالاة"، أو ما يُعرف بأحزاب التحالف الرئاسي، بأغلبية برلمانية مريحة، وهو ما يرجّح الإبقاء على منصب الوزير الأول بدلاً من رئيس الحكومة.

وينص الدستور الجزائري على تعيين رئيس حكومة عندما تُسفر الانتخابات عن أغلبية برلمانية معارضة، بينما يُعيَّن وزير أول في حال فوز أحزاب الموالاة بالأغلبية.

وأضاف بوغرارة لـ"الشرق"، أن تصدر أحزاب "جبهة التحرير الوطني"، و"التجمع الوطني الديمقراطي"، و"جبهة المستقبل"، و"حركة البناء الوطني" لنتائج الاقتراع، إلى جانب تموضع حركة "مجتمع السلم" ضمن القوى البرلمانية المؤثرة رغم وجودها في صفوف المعارضة، يؤكد احتفاظ أحزاب الموالاة بالأغلبية، بما يضمن استمرار الصيغة الحالية للجهاز التنفيذي.
 
وأشار إلى أن هذا التوازن من شأنه أن يمنح البرلمان قدراً من الاستقرار، ويسهّل تمرير مشاريع القوانين الحكومية، في ظل غياب كتلة معارضة تمتلك القدرة على التأثير الحاسم في نتائج التصويت.

ولفت بوغرارة إلى أن النتائج شهدت أيضاً عودة كل من "جبهة القوى الاشتراكية" و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" إلى الواجهة البرلمانية، إلى جانب استمرار تمثيل حزب العمال، وهو ما يُتوقع أن يضفي حيوية أكبر على النقاشات داخل المجلس الشعبي الوطني، رغم محدودية الوزن العددي للمعارضة.

ولخّص المشهد النيابي بأن نتائج الانتخابات تعكس استمرار التوازنات السياسية القائمة، مع احتفاظ أحزاب الموالاة بزمام الأغلبية البرلمانية، مقابل معارضة يُتوقع أن تكون أكثر نشاطاً على مستوى النقاش والرقابة البرلمانية.

تحول سياسي

بدوره، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر رضوان بوهيدل، أن نتائج الانتخابات التشريعية تشير إلى وجود تحول سياسي لافت مقارنة بانتخابات عام 2021، مع استمرار البنية العامة للمشهد الحزبي في الجزائر.
 
وقال بوهيدل إن الأحزاب التقليدية حافظت على موقعها في الصدارة، لكنها شهدت إعادة ترتيب لموازين القوى داخل معسكر الأغلبية، بالتزامن مع تراجع ملحوظ للأحزاب ذات التوجه الإسلامي، خاصة الكبرى منها، مقابل صعود أحزاب كانت تُصنَّف في انتخابات 2021 ضمن القوى المتوسطة أو الصاعدة.
 
وأضاف أن البرلمان الجديد يبدو أكثر توازناً من سابقه، إذ لم تعد هناك كتلة برلمانية مهيمنة بفارق كبير عن بقية الأحزاب، بل توزعت المقاعد بين عدة كتل متوسطة الحجم، وهو ما يفرض منطق التحالفات والتوافقات في إدارة العمل البرلماني.
 
وأشار إلى أنه رغم خسارة "جبهة التحرير الوطني" عدداً من المقاعد مقارنة بانتخابات 2021، فإنها حافظت على موقعها كأكبر قوة سياسية داخل البرلمان.

واعتبر أن هذا التراجع لا يمثل هزيمة سياسية بقدر ما يعكس انتقال الحزب من مرحلة الهيمنة العددية إلى مرحلة قيادة الائتلافات بما يفرض عليه تعزيز التنسيق مع بقية أحزاب الأغلبية لضمان تمرير مشاريعه.

وأضاف أن حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" برز بوصفه أحد أكبر الرابحين سياسياً بعدما عزز حضوره البرلماني بصورة واضحة، وهو ما يمنحه وزناً أكبر داخل "معسكر الموالاة"، ويجعله شريكاً أكثر تأثيراً في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

رهانات المجلس الجديد 

ويرى بوهيدل أن الانتخابات التشريعية لعام 2026 تمثل محطة جديدة في مسار بناء المؤسسات الذي انطلق مع دستور نوفمبر 2020، إلا أن البرلمان الجديد سيكون أمام تحديات غير مسبوقة داخلياً وخارجياً.

وأوضح أن نجاح البرلمان لن يُقاس بعدد القوانين التي يصادق عليها فحسب، وإنما بمدى قدرته على التحول إلى مؤسسة فاعلة في صناعة القرار، ومواكبة الإصلاحات الكبرى، والاستجابة لتطلعات المواطنين.

واعتبر أن الرهان السياسي الأكبر يتمثل في الانتقال من "برلمان للتصديق" إلى "برلمان للمبادرة".

وأضاف بوهيدل أن البرلمان سيكون مطالباً بمواكبة التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً عبر سن تشريعات تدعم الاستثمار، وتحسن مناخ الأعمال، وتساهم في تقليص الاعتماد على المحروقات وتنويع الصادرات.

وأشار إلى أن التحديات الاجتماعية لا تقل أهمية إذ سيكون البرلمان مطالباً بإيجاد توازن بين الإصلاح الاقتصادي والحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، من خلال مناقشة ملفات التشغيل والتقاعد والضمان الاجتماعي، والصحة، والتربية، وسياسات الدعم.

كما أكد أن التحولات الديموغرافية تفرض إعطاء أولوية أكبر لقضايا الشباب، خاصة ما يتعلق بالتشغيل والسكن والاقتصاد الرقمي، وريادة الأعمال.

عزوف غير مسبوق

في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالجامعات الجزائرية محمد سي بشير، أن الانتخابات التشريعية الأخيرة سجلت أعلى نسبة عزوف عن التصويت في تاريخ الانتخابات البرلمانية بالبلاد، بعدما لم تتجاوز نسبة المشاركة داخل الوطن خُمس الناخبين، فيما لم يشارك سوى نحو عُشر الناخبين من أفراد الجالية بالخارج.

وأوضح سي بشير لـ"الشرق"، أن هذه النسبة تعكس وجود أسباب متعددة، في مقدمتها عجز الأحزاب السياسية عن إقناع الناخبين، سواء من خلال برامجها أو خطاباتها السياسية.

وأضاف أن حصيلة التصويت في البرلمانات السابقة أسهمت بدورها في تراجع ثقة الناخبين، إذ لم تحقق، بحسب تقديره، النتائج التي كانت كفيلة بتجديد ثقة المواطن في العمل البرلماني والطبقة السياسية.
 
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن "تداعيات هذا العزوف ستكون كبيرة، وفي مقدمتها ضرورة الإسراع في مراجعة الإطار القانوني المنظم للحياة الحزبية عبر إصدار قانون جديد للأحزاب السياسية، يساهم في تجديد المشهد السياسي وتعزيز فاعلية الأحزاب في تنظيم المواطنين واستقطابهم للمشاركة في الحياة السياسية".

وأكد أن الغرفة السفلى في البرلمان الجديد ستكون أمام مسؤولية ثقيلة لاستعادة ثقة المواطنين، من خلال ممارسة دور رقابي أكثر فاعلية على أداء الحكومة، ومراقبة الإنفاق العام، ومساءلة أعضاء الجهاز التنفيذي.

وأوضح سي بشير أن ضعف المشاركة يعكس أن "مسار الإصلاحات السياسية الذي أطلقه الرئيس عبد المجيد تبون لا يزال بحاجة إلى تعميقه، بما يعيد بناء الثقة بين المواطن والطبقة السياسية، ويحفّز الجزائريين على الانخراط مجدداً في الحياة السياسية".

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية، وفق الأرقام الأخيرة التي أعلنها رئيس السلطة الوطنية للانتخابات، 21.24% فقط، وهي نسبة أقل من استحقاق عام 2021 التي بلغت فيها المشاركة 23.3%، رغم الاضطراب السياسي الذي شهدته البلاد عقب حراك 2019 الذي أطاح بحكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

وبلغ عدد الأصوات المعبر عنها في الاستحقاق النيابي داخل البلاد 4 ملايين و160 ألفاً و790 صوتاً، فيما سُجل 1,095 صوتاً متنازعاً فيه، مقابل 910 آلاف و230 ورقة ملغاة.

أما بالنسبة للدوائر الانتخابية الخاصة بالمقيمين بالخارج، فقد بلغت نسبة المشاركة 10.75%، فيما بلغ عدد الأصوات المعبر عنها 79 ألفاً و180 صوتاً، وسُجل 46 صوتاً متنازعاً فيه، إلى جانب 12 ألفاً و630 ورقة ملغاة. 
 
وتسبق مرحلة إعلان النتائج الأولية من قبل السلطة الوطنية للانتخابات مرحلة تقديم الطعون من قبل المترشحين والأحزاب السياسية، قبل أن تفصل المحكمة الدستورية في النتائج النهائية لهذا الاستحقاق، وهي المرحلة التي تسبق تنصيب البرلمان الجديد.

تصنيفات

قصص قد تهمك