
عاد الجدل بشأن البيض إلى الواجهة مع انتشار أنظمة غذائية شعبية تمنعه تماماً، وتروج له بين الناس باعتباره طعاماً مثيراً للحساسية ويضر بالصحة.
لكن الأدلة العلمية الحديثة تؤكد أن البيض ليس طعاماً مثالياً بلا حدود، لكنه أيضاً ليس "خبيثاً"، ولا غذاءً ينبغي منعه عن الناس.
يقول العلم إن البيض غذاء عالي القيمة، يصلح لمعظم الأصحاء عند تناوله باعتدال وضمن نمط غذائي متوازن، بينما يحتاج بعض المرضى إلى ضبط الكمية حسب حالتهم الصحية وتحاليل الدهون لديهم.
لكن ما يسمى "نظام الطيبات" الذي كان ينصح بهه طبيب مصري راحل يدعى ضياء العوضي، يمنع تناول البيض والدجاج تماماً، ويبرر المنع باعتبار الدجاج "خبيثاً" والبيض مسبباً للتحسس، مستثنياً فقط بيض الطيور البرية مثل السمان، لكن علمياً يعد البيض مصدراً ممتازاً للبروتين والفيتامينات، وتؤكد الهيئات الصحية فوائده للإنسان.
البيض بين العلم و"نظام الطيبات"
لا يستخدم علم التغذية كلمات مثل "خبيث" و"طيب" للحكم على الطعام، بل يسأل أسئلة قابلة للقياس مثل: ما محتواه من البروتين؟ ما نوع الدهون فيه؟ هل يرفع الصوديوم؟ هل يحتوي على ألياف؟ هل يرتبط تناوله، في دراسات علمية، بزيادة أو انخفاض خطر المرض؟ وهل يختلف تأثيره بين شخص سليم وآخر لديه السكري أو ارتفاع شديد في الكوليسترول أو حساسية حقيقية؟
لكل ذلك، فالحكم على البيض أو الدجاج كأطعمة "ممنوعة مطلقاً" يحتاج إلى دليل قوي، وليس إلى انطباع أو تصنيف عام.
من الناحية الغذائية، يعد البيض من أكثر الأطعمة كثافة في القيمة مقابل السعرات، إذ تحتوي البيضة الكبيرة على نحو 6 جرامات من البروتين، ونحو 70 سعراً حرارياً، وتوفر أحماضاً أمينية أساسية لا يستطيع الجسم تصنيعها وحده.
كما يحتوي على الكولين المهم لوظائف الدماغ والأعصاب، وعلى فيتامينات ومعادن ومضادات أكسدة مثل اللوتين والزياكسانثين، وهي مركبات لها أهمية خاصة لصحة العين.
وتوضح العديد من الدراسات العلمية أن البيض، بالنسبة لمعظم الناس، يمكن أن يكون جزءاً من نظام غذائي صحي للقلب، لأنه يحتوي على قدر قليل من الدهون المشبعة، ولا يحتوي على دهون متحولة.
وتعود السمعة السيئة القديمة للبيض أساساً إلى الكوليسترول الموجود في الصفار؛ فالبيضة الكبيرة تحتوي على كمية من الكوليسترول الغذائي، ولذلك ظن كثيرون لعقود أن تناول البيض سيرفع تلقائياً كوليسترول الدم ويزيد خطر الجلطات.
لكن الفهم العلمي تغيّر؛ فكوليسترول الطعام ليس هو نفسه كوليسترول الدم، ومعظم كوليسترول الدم يصنعه الكبد، وتشير جمعية القلب الأميركية إلى أن ارتفاع الدهون المشبعة في الغذاء عامل أكثر أهمية في رفع كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة، أو ما يعرف بالكوليسترول الضار، مقارنة بالتركيز القديم على الكوليسترول الغذائي وحده.
هذا لا يعني أن كوليسترول الطعام أصبح بلا معنى، ولا أن تناول البيض بلا حدود آمن للجميع، لكنه يعني أن السؤال الأصح ليس: "هل البيض يحتوي على كوليسترول؟" بل "ما نمط الطعام كله؟"؛ فبيضة مسلوقة مع فول أو سلطة أو خبز حبوب كاملة تختلف تماماً عن بيض مقلي في السمن مع سجق أو بسطرمة أو زبدة أو جبن دسم، في الحالة الثانية، الخطر لا يأتي من البيض وحده، بل من الدهون المشبعة والملح واللحوم المصنعة والسعرات الزائدة.
ولهذا تؤكد جمعية القلب الأميركية أن تقييم البيض يجب أن يتم داخل نمط غذائي كامل، وأن الأشخاص الأصحاء يمكنهم غالباً تناول ما يصل إلى بيضة كاملة يومياً، بينما يحتاج أصحاب الكوليسترول الضار المرتفع إلى تقليل مصادر الدهون المشبعة والكوليسترول الغذائي معاً حسب حالتهم.
تدعم الدراسات العلمية هذه الصورة المتوازنة؛ ففي دراسة وتحليل تلوي، نُشرا في المجلة الطبية البريطانية عام 2020، شملت التحليلات 3 مجموعات أميركية كبيرة ومراجعة محدثة لدراسات مستقبلية، لم يرتبط تناول ما يصل إلى بيضة واحدة يومياً بزيادة عامة في خطر أمراض القلب والأوعية الدموية.
شمل التحليل المحدث أكثر من 1.7 مليون مشارك ووجد أن زيادة الاستهلاك بمقدار بيضة يومياً لم ترتبط إجمالاً بزيادة خطر أمراض القلب.
لكن الإنصاف العلمي يقتضي ذكر أن الأدلة ليست كلها في اتجاه واحد، فدراسة رصدية منشورة في دورية JAMA عام 2019 وجدت ارتباطاً بين ارتفاع استهلاك الكوليسترول الغذائي أو البيض وزيادة خطر أمراض القلب والوفيات بين بالغين في الولايات المتحدة.
غير أن مثل هذه الدراسات الرصدية لا تثبت وحدها أن البيض هو السبب المباشر، لأنها تتأثر بعوامل مرافقة مثل طريقة الطهي، والأطعمة التي تؤكل مع البيض، والوزن، والتدخين، والنشاط البدني، والأمراض المزمنة.
لذلك لا يصح الاستناد إلى دراسة واحدة واستخدامها لمنع البيض عن الجميع، ولا يصح أيضاً تجاهلها تماماً؛ فالقراءة العلمية الرصينة تقول إن الاعتدال والسياق الغذائي والحالة الصحية الفردية هي العناصر الحاسمة.
حساسية البيض
أما حجة الحساسية، فهي تحتاج إلى تفريق مهم. نعم، حساسية البيض موجودة، وهي من أكثر أنواع الحساسية الغذائية شيوعاً عند الأطفال، وقد تسبب طفحاً جلدياً أو قيئاً أو احتقاناً أو أعراضاً تنفسية، وقد تسبب، في حالات نادرة، تفاعلاً تحسسياً شديداً، لكن وجود حساسية عند بعض الناس لا يعني أن الطعام مضر لكل الناس.
اللبن قد يسبب حساسية أو عدم تحمل اللاكتوز عند بعض الأفراد، والفول السوداني قد يسبب حساسية خطيرة عند آخرين، ولا يعني هذا منع اللبن أو الفول السوداني عن كل البشر.
وتوضح "مايو كلينك" أن حساسية البيض أكثر شيوعاً لدى الأطفال، وأن معظم الأطفال يتجاوزونها مع التقدم في العمر.
ومن هنا تبدو حجة "البيض مسبب للتحسس" غير كافية علمياً لتبرير منع تناوله؛ فالقرار الصحيح في الحساسية هو التشخيص الفردي، ومدى ظهور أعراض بعد تناول البيض؛ وهل تم تأكيد الحساسية باختبار جلدي، أو تحليل أجسام مضادة، أو تحدي غذائي تحت إشراف طبي؟ إذا كان الجواب نعم، فالمنع واجب لهذا الشخص، أما الشخص الذي يأكل البيض دون أي أعراض، فليس هناك أساس علمي لمنعه فقط لأن البيض قد يسبب حساسية لدى غيره.
ولا تعتمد الإرشادات الحديثة في تغذية الأطفال لا تقوم على تأخير الأطعمة المحتملة للحساسية عشوائياً، بل على إدخالها بطريقة مناسبة للعمر وتحت نصيحة الطبيب عند وجود عوامل خطورة واضحة.
أما استثناء بيض الطيور البرية، مثل السمان، بوصفه أكثر أماناً من بيض الدجاج، فلا يستند إلى قاعدة علمية عامة، فالحساسية ترتبط ببروتينات معينة في البيض، وقد توجد تفاعلات متقاطعة بين بيض الدجاج وبيض طيور أخرى، بما فيها السمان، عند بعض المصابين بحساسية البيض.
الدجاج والإرشادات الصحية
ونشرت دراسات وتقارير حالة عن تفاعل بعض مرضى حساسية بيض الدجاج مع بيض السمان، كما توجد حالات نادرة بالعكس، لذلك لا يمكن القول إن بيض السمان "حل آمن" لكل من يتحسس من بيض الدجاج، ولا إن بيض الدجاج مرفوض بينما بيض السمان مقبول علمياً بصورة مطلقة.
ينطبق الأمر نفسه على الدجاج؛ فالدجاج، خصوصاً منزوع الجلد وغير المقلي، يعد في الإرشادات الصحية الحديثة مصدراً شائعاً للبروتين قليل الدهون المشبعة مقارنة باللحوم الحمراء الدسمة والمصنعة.
وتوصي جمعية القلب الأميركية، عند تناول اللحوم، باختيار لحوم خالية من الدهون والدواجن منزوعة الجلد وغير المصنعة، مع الانتباه إلى الكمية وطريقة الطهي.
كما تضع الإرشادات الغذائية الأميركية اللحوم الخالية من الدهون والدواجن والبيض والأسماك والبقول والمكسرات ضمن مجموعة مصادر البروتين في النمط الغذائي الصحي.
ليس الطعام.. بل طريقة التحضير
لا يكمن الخطر الحقيقي في الدجاج أو البيض كأطعمة كاملة، بل في طريقة التحضير والسياق العام، فالدجاج المقلي في زيت غزير، والمغطى بطبقات من الدقيق والملح ليس مثل صدر دجاج مشوي أو مسلوق، والبيض المقلي في السمن مع لحوم مصنعة ليس مثل بيضة مسلوقة بجانب خضار أو بقول.
وهنا يظهر الفرق بين التغذية العلمية والتعميم الشعبوي؛ فالعلم لا يسأل عن اسم الطعام فقط، بل عن طريقة طهيه، وكميته، وتكراره، وما يؤكل معه، وحالة الشخص الذي يتناوله.
بالنسبة للكوليسترول، يمكن تلخيص الموقف العملي ببساطة؛ فالشخص السليم الذي لا يعاني ارتفاعاً كبيراً في الكوليسترول الضار ولا مرضاً قلبياً ولا سكري غير منضبط، يمكنه غالباً تناول البيض باعتدال، مثل بيضة يومياً، أو عدة مرات أسبوعياً، ضمن نظام غني بالخضراوات والبقول والحبوب الكاملة، ومصادر الدهون الصحية.
التنوع في مصادر الغذاء
من يعاني من ارتفاع واضح في الكوليسترول الضار، أو تاريخ مع أمراض القلب، أو فرط كوليسترول عائلي، أو سكري مع عوامل خطورة قلبية، فالأفضل أن يحدد الكمية مع الطبيب أو إخصائي التغذية، وقد يكون استخدام بياض البيض أكثر من الصفار خياراً مناسباً لبعضهم.
ولا ينبغي أن تتحول التغذية إلى معركة بين "مسموح مطلقاً" و"ممنوع مطلقاً"؛ فالأنظمة التي تمنع مجموعات غذائية كاملة، دون ضرورة طبية، قد تعرض بعض من يتبعونها لنقص في البروتين أو الحديد أو فيتامين ب12 أو الكولين أو عناصر أخرى، خصوصاً إذا اتبعها الأطفال أو الحوامل أو كبار السن أو ذوي الأمراض المزمنة، دون إشراف.
وتميل الإرشادات الصحية الحديثة إلى التنوع في تناول البروتين من مصادر مختلفة، مع خضراوات، وفواكه، وحبوب كاملة، وبقول، ومكسرات، ودهون غير مشبعة، وتقليل السكريات المضافة والدهون المشبعة والصوديوم والأطعمة فائقة المعالجة، وهذا المنطق أكثر أماناً من تحويل أطعمة مفيدة إلى "خبيثات" دون أي دليل علمي.














