
تتجه الأنظار إلى اجتماع وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في العاصمة الفلبينية مانيلا، في ظل تصاعد التوترات بين الصين وعدد من جيرانها بسبب نزاعات بحرية وتحركات عسكرية أثارت مخاوف إقليمية.
ووصل وزير الخارجية الصيني وانج يي إلى مانيلا، حيث سيعقد لقاءات مع عدد من نظرائه، من بينهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وفق "بلومبرغ".
ويأتي الاجتماع بعد سلسلة من الأحداث التي أثارت مخاوف جيران الصين، من بينها اشتباك حديث بين خفر السواحل الصيني والفلبيني، واحتجاج تايلندا علناً على بيع بكين دبابات إلى كمبوديا، واعتراض اليابان على تدريبات صينية بالذخيرة الحية قرب إحدى جزرها النائية.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، أثار اختبار صاروخي صيني أُجري دون إنذار كافٍ غضب أستراليا وعدد من دول جزر المحيط الهادئ.
وكانت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونج، التي التقت وانج في مانيلا الثلاثاء، من بين المنتقدين لهذه الخطوة.
وتعزز هذه التطورات الشعور بعدم الاستقرار في المنطقة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط مجدداً نتيجة تجدد الحرب مع إيران.
كما تتزامن مع تزايد القلق من تراجع مصداقية الضمانات الأمنية الأميركية التقليدية في آسيا، في ظل السياسات المتقلبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إضافة إلى تنامي الدور العسكري لليابان، وهو ما تهاجمه بكين بشدة.
وقالت وزيرة الخارجية الأسترالية في مقابلة مع "بلومبرغ": "الأوقات صعبة، ونشهد تنافساً جيوسياسياً متزايداً وسلوكاً يزعزع الاستقرار، فضلاً عن تحديات كبيرة تهدد السلام والأمن".
وأضافت أن الدول الأخرى تحتاج إلى "تطمينات بشأن النوايا والشفافية"، في مواجهة أسرع وتيرة لتعزيز القدرات العسكرية تشهدها المنطقة، في إشارة إلى الزيادة المستمرة في الإنفاق الدفاعي الصيني بأكثر من 6% سنوياً منذ عام 2016 على الأقل.
تنافس صيني أميركي
وأفادت صحيفة "الجارديان" بأن وونج أثارت قضية الاختبار الصاروخي خلال اجتماعها مع وانج، إلا أن الرواية الصينية الرسمية لم تشر إلى أي توتر، إذ ذكرت وكالة "شينخوا" أن الوزير الصيني دعا أستراليا إلى تعزيز نقاط التوافق وإدارة الخلافات، وعدم السماح لـ"تحيزات معينة" بإعاقة العلاقات الثنائية.
وفي الفلبين، استدعى الرئيس فرديناند ماركوس الابن السفير الصيني بعد الاشتباك الذي وقع الاثنين قرب منطقة "توماس شول الثانية"، بينما اتهمت بكين الجانب الفلبيني بـ"التحرش الخبيث".
ومن المقرر أن يلتقي وانج خلال زيارته وزيرة الخارجية الفلبينية ماريا تيريزا لازارو.
كما يتوقع أن يبرز التنافس الصيني الأميركي خلال اجتماعات مانيلا، إذ سيمكث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو 3 أيام، مقابل يوم واحد فقط لنظيره الصيني.
وقبل انطلاق الاجتماعات، أعرب وزراء خارجية دول آسيان عن "قلق بالغ" إزاء تجدد الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران، محذرين من انعكاساتها على التجارة والأمن الغذائي وأسواق الطاقة، فيما دعت أستراليا الطرفين إلى إنهاء الحرب.
ويرى محللون أن الحربفي الشرق الأوسط زادت من حالة عدم اليقين التي سببتها بالفعل الحرب التجارية والرسوم الجمركية التي أطلقتها إدارة ترمب العام الماضي.
وقال شهريمان لقمان، وهو مدير في معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية بماليزيا، إن "المصدر الأكبر للقلق كان وسيظل التقلب الشديد في السياسة الخارجية الأميركية وتأثيره على الاقتصاد العالمي".
وأضاف أن الدول التي تعرضت لضغوط من السياسات الصينية قد تشعر بخيبة أمل من عدم اكتراث دول أخرى، لكن المزاج العام في المنطقة يتشكل بدرجة أكبر بسبب حالة الغموض المحيطة بواشنطن أكثر من بكين.
من جهتها، انتقدت الولايات المتحدة تصرفات الصين تجاه خفر السواحل الفلبيني، معتبرة أن "النمط المقلق من الاستفزازات الصينية ضد العمليات البحرية الفلبينية المشروعة يقوض السلام والاستقرار الإقليميين".
وفي لقاء مع الأمين العام لرابطة آسيان، كاو كيم هورن، قال وانج يي، إن "بعض القوى داخل الجيش الفلبيني تتعمد افتعال حوادث في بحر الصين الجنوبي لخدمة مصالح قوى خارجية"، بحسب وزارة الخارجية الصينية.
وردت وسائل الإعلام الرسمية الصينية باتهام الولايات المتحدة باستغلال الحادث لتحويل نزاع ثنائي إلى قضية إقليمية ودولية، معتبرة أن ذلك يرتبط بالتنافس على النفوذ بين بكين وواشنطن داخل دول آسيان.
وقال الباحث الصيني ما بو إن هذا الاستغلال الأميركي يعكس الصراع على النفوذ في جنوب شرق آسيا.
ويرى كولين كوه، الباحث في معهد الدراسات الدفاعية والاستراتيجية في سنغافورة، أن وانج يي سيركز خلال زيارته على انتقاد سياسات الولايات المتحدة، مع تجنب تسليط الضوء على القضايا الخلافية المرتبطة بتحركات بكين في بحر الصين الجنوبي أو المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان.
ولا تزال الصين ودول جنوب شرق آسيا تتفاوض منذ أكثر من 20 عاماً على "مدونة سلوك" لتنظيم النزاعات في بحر الصين الجنوبي، لكن الخلافات الإقليمية، ولا سيما مع الفلبين، حالت دون تحقيق تقدم يُذكر.
وقبل 10 أعوام، قضت محكمة تحكيم دولية بأن الصين لا تملك حقوقاً بحرية في أجزاء واسعة من بحر الصين الجنوبي، بما فيها المنطقة التي شهدت الاشتباك الأخير، إلا أن بكين رفضت الاعتراف بالحكم، في حين أصدرت 14 دولة، بينها الولايات المتحدة واليابان والفلبين وأستراليا، بياناً مشتركاً يؤكد دعمها له.









