
أنهى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي زيارته إلى طهران، بعد أيام من اختتام زيارته الرسمية إلى واشنطن، في خطوة أعادت طرح التساؤلات بشأن طبيعة التحرك الدبلوماسي العراقي بين العاصمتين اللتين تمثلان طرفي الصراع الأكثر تأثيراً في المنطقة.
وبين من يرى أن بغداد تؤدي دوراً في نقل الرسائل وتخفيف التوتر، ومن يؤكد أن الحكومة تتحرك وفق سياسة توازن ثابتة، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه الجولة ستتوسع لتشمل تركيا وسوريا، وما الذي يمكن أن تحققه للعراق على المستويين الأمني والسياسي.
هل كانت بغداد ناقلاً للرسائل؟
المحلل السياسي مجاشع التميمي قال لـ"الشرق" إن التوقيت الذي جاءت فيه زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى طهران، مباشرة بعد عودته من واشنطن، يجعل الحديث عن وجود رسائل غير مباشرة بين الطرفين أمراً وارداً، موضحاً أن الولايات المتحدة غالباً ما تستثمر تحركات الحكومات الصديقة لإيصال رسائلها السياسية، ولا سيما تلك المتعلقة بمنع التصعيد الإقليمي وإدارة الأزمات.
وأضاف: "إيران تدرك طبيعة الموقع العراقي وحجم القيود التي تتحكم بحركة بغداد، فالعراق يعمل ضمن هامش مناورة ضيق تفرضه شبكة علاقاته المعقدة مع واشنطن وطهران، لذلك فإن نقل الرؤى أو التحذيرات أو محاولات تقريب وجهات النظر عبر الحكومة العراقية قد يكون بالنسبة للطرفين وسيلة آمنة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة".
وأكد التميمي أن الإدارة الأميركية تنظر إلى سياسة التوازن العراقية بواقعية وحذر، فهي تتفهم حاجة بغداد إلى المحافظة على علاقاتها مع إيران، لكنها ترفض أن يتحول هذا التوازن إلى غطاء يسمح بتوسيع النفوذ الإيراني داخل العراق أو أن يأتي على حساب المصالح الأميركية.
وأشار المحلل السياسي مجاشع التميمي إلى أن الأشهر الماضية شهدت التزام الحكومة العراقية بجملة من الضوابط والمحددات التي تطالب بها واشنطن، وهو ما أسهم في الحفاظ على مستوى مقبول من العلاقة بين الجانبين، إلا أن ذلك لا يعني امتلاك بغداد مساحة حركة واسعة.
واعتبر التميمي أن قدرة العراق على الوساطة ما زالت محدودة، إذ لا يمتلك أدوات الضغط التي تمتلكها دول مثل سلطنة عمان وقطر وباكستان، لذلك يقتصر دوره حالياً على إدارة الأزمات ونقل الرسائل ومحاولة احتواء التوتر، بهدف حماية العراق من التحول إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً مع استمرار التوترات الأمنية وملف الطائرات المسيّرة والهجمات التي تستهدف إقليم كردستان.
رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب عامر الفائز قال لـ"الشرق" إن زيارة إيران بعد واشنطن كانت خطوة طبيعية؛ لأن العراق يرتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، كما تجمعه بإيران روابط جغرافية واقتصادية وأمنية لا يمكن تجاهلها، وبالتالي فإن التواصل مع الطرفين يمثل ضرورة تفرضها المصالح العراقية.
وأكد الفائز أن الحكومة الحالية لا تتحرك وفق سياسة المحاور، وإنما تعتمد سياسة الانفتاح المتوازن مع جميع الأطراف، وأن ترتيب الزيارات لا ينبغي تفسيره باعتباره انحيازاً لهذا الطرف أو ذاك، بل يأتي في إطار إطلاع الشركاء على رؤية بغداد تجاه الملفات المشتركة.
وأضاف: "توسيع الجولة لتشمل تركيا وسوريا يحمل أبعاداً عملية تتعلق بأمن الحدود، والتنسيق في مكافحة الإرهاب، ومعالجة ملف المياه مع تركيا، فضلاً عن مشاريع الطاقة، والممرات التجارية، والنقل، وربط المصالح الاقتصادية بين دول المنطقة".
وشدد الفائز على أن السياسة الخارجية العراقية تستند إلى احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران والدول العربية وتركيا، بما يضمن دعم الاقتصاد العراقي، وجذب الاستثمارات، ومنع استخدام الأراضي العراقية لتصفية الحسابات الإقليمية.
جولة متعددة الملفات
الخبير الاستراتيجي في العلاقات الدولية الدكتور أمير الساعدي قال لـ"الشرق" إن جولة رئيس الوزراء لا تقتصر على البعد السياسي، وإنما تشمل ملفات أمنية واقتصادية واستراتيجية متداخلة، في مقدمتها خفض التصعيد العسكري، وتأمين بدائل مرنة للطاقة، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز الشراكات الاقتصادية مع دول الجوار.
وأضاف: "من بين الملفات التي ناقشتها بغداد مع طهران تهدئة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز بعد تأثر الاقتصاد العراقي بالتطورات الأمنية، إلى جانب إعادة تنظيم السلاح خارج إطار الدولة، والتأكيد على عدم استخدام الأراضي العراقية أو القواعد الموجودة فيها لتنفيذ أي هجمات متبادلة، فضلاً عن تحقيق توازن بين الاتفاقات الاقتصادية الموقعة مع الشركات الأميركية، واستمرار التعاون مع إيران في ملف الغاز".
وأشار الساعدي إلى أن أي زيارة لاحقة إلى تركيا ستركز على استكمال التفاهمات الخاصة بطريق التنمية، وأمن الحدود، والتنسيق الأمني، وملف المياه والطاقة، وزيادة حجم التبادل التجاري والاستثماري، فيما ستتناول أي زيارة إلى سوريا ملفات حماية الحدود الغربية، ومنع تسلل عناصر تنظيم داعش، وإعادة تنشيط مشاريع الربط البري والسككي.
ورأى الساعدي أن هذه التحركات لا تمثل تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية العراقية، بقدر ما تعكس مسعى لتعزيز دور العراق بوصفه دولة توازن وشريكاً اقتصادياً، وتحويله من ساحة للصراعات إلى طرف يسهم في تهدئة التوترات الإقليمية، لا سيما أن مشاريع التنمية الكبرى التي تتبناها الحكومة تتطلب بيئة مستقرة داخلياً وخارجياً.
لكنه أكد أن نجاح هذا الدور يبقى مرهوناً بجملة من التحديات، في مقدمتها قدرة الحكومة على بسط سيطرتها الكاملة، وحصر السلاح بيد الدولة، والحد من تأثير الفصائل، فضلاً عن أن بغداد لا تمتلك وحدها مفاتيح إنهاء الصراعات الكبرى، لارتباطها باستراتيجيات دولية تتجاوز حدود التأثير العراقي.
وأضاف أن استمرار الاستقطاب بين الولايات المتحدة وإيران يفرض ضغوطاً سياسية وأمنية على العراق، ما يستدعي مناورة دبلوماسية متواصلة لحماية البلاد من تداعيات هذا الصراع.
وبين قراءة ترى أن بغداد قد تؤدي دور قناة تواصل غير مباشرة بين واشنطن وطهران، ورؤية حكومية تؤكد أن التحركات الأخيرة تندرج ضمن سياسة توازن ثابتة، تبدو جولة رئيس الوزراء محاولة لترسيخ حضور العراق في معادلات المنطقة.
إلا أن نجاح هذا المسار لن يقاس بعدد الزيارات، بل بقدرة بغداد على تحويل علاقاتها المتوازنة إلى مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية، وتعزيز دورها الإقليمي، مع حماية العراق من تداعيات الصراعات المحيطة به، وترسيخ حضوره بوصفه دولة توازن لا ساحة لتقاطع المصالح.








