إسبانيا تنشر الجيش في سبتة..اتفاق مع المغرب وأزمة مع إيطاليا | الشرق للأخبار

إسبانيا تنشر الجيش في سبتة.. اتفاق مع المغرب وأزمة مع إيطاليا

time reading iconدقائق القراءة - 7
يحرس الجيش الإسباني الحدود بين جيب سبتة الخاضع لسيطرة إسبانيا بعد أن عبر آلاف المهاجرين إلى سبتة عن طريق البحر. 30 يوليو 2026 - Reuters
يحرس الجيش الإسباني الحدود بين جيب سبتة الخاضع لسيطرة إسبانيا بعد أن عبر آلاف المهاجرين إلى سبتة عن طريق البحر. 30 يوليو 2026 - Reuters
الرباط-

أودت محاولات العبور البحري نحو جيب سبتة الخاضع للإدارة الإسبانية في شمال المغرب بحياة ما لا يقل عن 19 شخصاً، وفق السلطات الإسبانية، وسط تدفق ما بين 1500 و2000 مهاجر غير نظامي، ما دفع الحكومة الإسبانية إلى نشر وحدات من الجيش في سبتة، وإغلاق معبر مليلية، وتفعيل آليات إعادة المهاجرين إلى المغرب، بالتزامن مع تفجر أزمة دبلوماسية مع إيطاليا بشأن حرية التنقل في فضاء "شنجن" وإدارة تدفقات الهجرة.

وتركز العبء الأكبر للأزمة في مدينة سبتة، حيث باتت سواحل المدينة مسرحاً لعمليات إنقاذ وانتشال خلال الأيام العشرة الماضية.

ونقلت صحيفة "إلباييس" عن مصادر أمنية وفرق الإنقاذ البحري تأكيدها انتشال 18 جثة من مياه البحر المتوسط قرب معبر "تراخال" ومنطقة "بينزو" المحاذية، في حين تتواصل عمليات التمشيط بحثاً عن مفقودين آخرين.

وبعد تدفق الآلاف من المهاجرين، بينهم نسب كبيرة من القاصرين، قررت السلطات الإسبانية نشر وحدات من الجيش لدعم قوات الحرس المدني والشرطة التي استنزفت قدراتها الميدانية، فيما طالب رئيس الحكومة المحلية في سبتة، خوان خيسوس فيفاس، الحكومة المركزية في مدريد بإعلان "حالة طوارئ وطنية".

وبحسب السلطات الإسبانية فإن هذه التدفقات الاستثنائية تعزى بشكل مباشر إلى استغلال شبكات التهريب لحكم حديث أصدرته المحكمة العليا الإسبانية، يمنع تطبيق "الترحيل الفوري" على المهاجرين القادمين سباحةً ويحصر هذا الإجراء السريع في مقتحمي السياجات البرية.

وقالت وزارة الداخلية في بيان، إنها تعتقد أن شبكات الاتجار بالبشر "تستغل حكماً قضائياً لتشجيع تدفق المهاجرين غير الشرعيين، ومعظمهم من الشباب".

تنسيق أمني

مساء الخميس امتدت الأزمة لتشمل مليلية المجاورة، ما دفع السلطات إلى إعلان إغلاق معبر "بني نصار"، لصد محاولات اقتحام جماعية ومنسقة نفذتها مجموعات تضم مئات المهاجرين.

وقال رئيس حكومة مليلية الذاتية، خوان خوسيه إمبرودا، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، إن عدد الذين تمكنوا من دخول المدينة تراوح بين 300 و400 شخص كحد أقصى، تم تحويل معظمهم إلى مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين، مؤكداً أن الوضع في مليلية "تحت السيطرة" خلافاً للوضع الحرج في سبتة.

وأشاد المسؤول المحلي بالتدخل الميداني لكل من الحرس المدني والشرطة الإسبانية وكذا القوات العمومية المغربية، معتبراً أن تعاون الجانب المغربي "يسير بشكل جيد وفعال" في تشتيت التجمعات الكبيرة وإحباط محاولات التسلل المكثفة قبل وصولها إلى السياج.

وأكد مصدر دبلوماسي مغربي لـ"الشرق"، أن البلدين اتفقا على تعزيز التنسيق والجهود من أجل مواجهة هذه التدفقات، والتزما بمراجعة وتطبيق إجراءات تستهدف تسليم كل الأشخاص الذين دخلوا المدينة بطريقة غير قانونية.

وفي بيان لها، أشادت وزارة الداخلية الإسبانية بـ"التعاون النموذجي" مع المغرب في جميع المجالات، بما فيها الهجرة.

وشكر وزير الداخلية الإسباني، فرناندو جراندي مارلاسكا، السلطات المغربية على الجهود التي بذلتها قوات الأمن المغربية في الأيام الأخيرة، والتي أحبطت آلاف محاولات الهجرة غير النظامية.

ويرتقب أن يتوجه رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الجمعة إلى سبتة، يرافقه وزير الداخلية فرناندو جراندي مارلاسكا، في زيارة ميدانية لتفقد سير العمليات الأمنية والحدودية، والاجتماع بالقيادات المحلية والعسكرية لتقييم الاحتياجات الطارئة.

أزمة "شنجن"

تجاوزت الارتدادات الميدانية للأزمة الحدود الثنائية الإسبانية-المغربية، لتلقي بظلالها على حرية التنقل القارية، وتتسبب في أزمة دبلوماسية بين دول جنوب أوروبا، فقد أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، أن حكومتها تدرس تعليق العمل باتفاقية "شنجن" مع إسبانيا.

وعللت الحكومة الإيطالية هذه الخطوة التصعيدية بأنها "إجراء احترازي وأمني ضروري" يهدف لمنع انتقال تدفقات المهاجرين غير النظاميين بشكل غير مباشر من الأراضي الإسبانية إلى إيطاليا.

 وقالت ميلوني في تغريدة على منصة "إكس"، إن الصور الواردة من سبتة "صادمة، وتظهر مجدداً أن الهجرة غير الشرعية غير المنضبطة تُشكل تهديداً حقيقياً لأمن الحدود الأوروبية".

وأضافت: "تحدثت مع وزير الداخلية.. لن تقف إيطاليا مكتوفة الأيدي، ونحن على استعداد للتدخل بتدابير استثنائية لحماية حدودنا وسلامة مواطنينا، مثل تعليق اتفاقية شنجن مع إسبانيا".

بدوره أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني عن دعمه لإغلاق منطقة شنجن أمام إسبانيا، وقال إن الصور الواردة من سبتة تظهر "كيف أن قرار حكومة مدريد بمنح الجنسية الإسبانية، وبالتالي الأوروبية، لأكثر من 500 ألف مهاجر غير نظامي، قرار معيب للغاية ويشجع على الاتجار بالبشر".

وعلى إثر ذلك، استدعى وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، السفير الإيطالي في مدريد لتقديم مذكرة احتجاج رسمي.

وطالب ألباريس روما بتقديم إيضاحات، معتبراً أن التصريحات الإيطالية غير مبررة وتفتقر لروح التضامن الأوروبي المنصوص عليه في معاهدات التكتل.

وقال ألباريس في تغريدة على "أكس" رداً على تعليق وزير الخارجية الإيطالي: "هذا خطاب لا يليق بدولة شريكة وصديقة، نتوقع منها تضامناً أوروبياً، لا خطاباً شعبوياً متحيزاً".

تداعيات استراتيجية

ولا تقف تداعيات هذا التدفق غير المسبوق للمهاجرين عند حدود الاستنفار الميداني، بل تمتد لتخلق زلزالاً سياسياً في مدريد وأوروبا وتربك العلاقات بين إسبانيا والمغرب.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الإسباني في الشؤون الاستراتيجية، باو سولانيلا، في تصريحات لـ"الشرق"، أن هذه الأزمة تمثل "نقطة تحول حقيقية" ستعزز المواقف المتشددة الداعية إلى تحويل القارة لـ"أوروبا الحصن".

واعتبر سولانيلا أن هذا الانفلات الحدودي سيمنح حكومات اليمين واليمين المتطرف في أوروبا، كحكومة جورجيا ميلوني في إيطاليا، "الذريعة المثالية لتشديد سياسات الهجرة واللجوء، والدفع نحو الانغلاق وتكثيف عمليات الطرد، بل والتفكير في إقامة مراكز احتجاز للمهاجرين في دول ثالثة".

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، يشير الخبير الإسباني، والمستشار السابق في وزارة الخارجية، إلى أن الأزمة الحالية تضعف بشكل مباشر حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز، الذي يعد تاريخياً "المدافع الأكبر عن مصالح المغرب الاستراتيجية في أوروبا"، محذراً من أن هذا الوضع سيغذي خطاب المعارضة اليمينية المتمثلة في "الحزب الشعبي" وحزب "فوكس"، ما قد يؤدي إلى تصعيد سياسي ينعكس سلباً على الرأي العام الإسباني ويثير اتهامات للمغرب باستخدام ورقة الهجرة كـ"أداة ابتزاز".

وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن التوصيف الدقيق لما يجري في سبتة لا يندرج ضمن موجات "الهجرة الإفريقية" التقليدية المعتادة، بل هو بالأحرى "أزمة أمنية حدودية" ناتجة عن حراك جماعي لشباب مغاربة تمت تعبئتهم بشكل واسع ومكثف عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما يضع الأجهزة الأمنية في كلا البلدين أمام تحديات غير مسبوقة تختلف جذرياً عن بروتوكولات مكافحة الهجرة غير النظامية المعتادة.

تصنيفات

قصص قد تهمك