
قام اتفاق خريطة الطريق الذي جرى التوصل له بين حركة "حماس" والوسطاء، في القاهرة، فجر الجمعة، على مقايضة بُنيت على تسليم سلاح حركة "حماس" للجنة إدارة غزة التي تعمل تحت إدارة مجلس السلام الدولي بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مقابل انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة، وفق اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ في أكتوبر من العام الماضي.
وقاد الاتفاق على ملف السلاح والانسحاب إلى إيجاد حل لمجموعة الملفات المرتبطة به، وفي مقدمتها دخول لجنة إدارة غزة لتولي مهامها، وحل الميليشيات المتعاونة مع إسرائيل، وتوفير المستحقات المالية للموظفين الحاليين في إدارة حركة "حماس"، وإعادة الإعمار، وفتح المعبر، ودخول السلع والخدمات التي نص عليها الاتفاق وغيرها.
السلاح الثقيل أولاً
ونص الاتفاق على حصر وجمع وتخزين السلاح الثقيل تحت مسؤولية لجنة إدارة غزة، بما يشمل المستودعات والأنفاق ومواقع الإنتاج العسكري، بالتزامن مع تطبيق المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، بما فيها وقف القصف والسماح بإدخال الكميات المتفق عليها من الشاحنات المحملة بالسلع والمواد، والانسحاب إلى الخط الأصفر الرسمي.
وكانت القوات الإسرائيلية تجاوزت الخط الأصفر الذي حددته الاتفاقية، والذي كانت تسيطر فيه على 52% من مساحة القطاع، واحتلت 20% إضافية أخرى وضمتها إلى هذا الخط.
أما السلاح الفردي فيتم التعامل معه وفق القوانين الفلسطينية، وذلك بمنح أصحابه ترخيصاً لحمله.
أسباب التغيير
وقال مسؤولون في حركة "حماس" لـ"الشرق"، إن الحركة وافقت على ما يقرّون بأنه "تنازلات كبيرة" في موضوع السلاح من أجل إنهاء احتلال قطاع غزة، ووقف عمليات القتل اليومي والتجويع، وإحباط الخطط الإسرائيلية الجاري تنفيذها في القطاع من تقسيم لأراضيه والضغط على سكانه للهجرة.
وقال عضو الوفد المفاوض للحركة الدكتور غازي حمد، إن جمع وتخزين السلاح تحت مسؤولية لجنة إدارة غزة مرتبط بالانسحاب المتزامن لقوات الاحتلال من غزة، وفتح المعابر، وإدخال السلع والمواد المتفق عليها، ودخول لجنة إدارة غزة، وحل المشكلات المالية للموظفين، والشروع في إعادة الإعمار وغيرها.
السلاح الثقيل
وحسب مصادر مطلعة على المفاوضات الطويلة التي قادت للتوصل إلى الاتفاق، والتي استمرت 6 أشهر، فإن الخطة تقتضي حصر وجمع السلاح الثقيل وتسليمه للجنة إدارة غزة.
وحددت الاتفاقية هذه الأسلحة بالصواريخ ومنصات الإطلاق، والقذائف المضادة للدبابات. وتشمل هذه الأسلحة أيضاً الأنفاق ومواقع الإنتاج والمستودعات التي ستُسلّم للجنة.
مشاركة أميركية مباشرة
وشارك اثنان من المسؤولين الأميركيين بصورة مباشرة في العديد من جولات الحوار، خاصة الجولة الأخيرة، وهما أريه لايتسنون، مساعد جاريد كوشنر، ورجل الأعمال مارك روان. وشارك روان، وهو أميركي يهودي، في الجلسات الأخيرة متعهداً بالعمل على تنفيذ الخطة.
الجديد في موقف "حماس"
وحسب المصادر، فإن "حماس" وافقت للمرة الأولى على تسليم الأنفاق ومواقع الإنتاج والمستودعات.
وقالت المصادر إن معظم الأنفاق والورش المتبقية تقع في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، لافتة إلى أن المناطق التي تسيطر عليها "حماس" لا تزيد على 10% من القطاع (الباقي مناطق مدمرة مهجورة أو تحت الاحتلال)، وهذه المناطق تقع على شواطئ البحر، وهي مناطق مكتظة يصعب القيام بأنشطة عسكرية فيها، ومناطق رملية يصعب حفر أنفاق فيها.
أسلحة غير مستخدمة
وتوقفت حركة "حماس" عن المواجهة العسكرية مع قوات الاحتلال الإسرائيلية منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ في أكتوبر من العام الماضي، رغم أن إسرائيل واصلت عمليات القصف والاغتيال التي طالت أكثر من 1100 من أبناء القطاع.
وتجنبت حركة "حماس" الرد على عمليات القصف والقتل هذه خشية أن يؤدي ذلك إلى إعلان إسرائيل عدم الالتزام باتفاق وقف النار، واستئناف الحرب الشاملة على الحركة فيما تبقى لها من مواقع محدودة.
وقالت مصادر مطلعة على المفاوضات إن العديد من الأطراف نصحت الحركة بالتنازل عن هذه الأسلحة، خصوصاً وأنها غير قادرة على استخدامها حتى للرد على الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية التي بلغ عددها 3 آلاف و500 خرق، والحصول على "ثمن" كبير مقابل ذلك، وهو الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار ورفع الحصار.
بين جهتين فلسطينيتين
وقالت المصادر إن ما جعل تنازل "حماس" ممكناً هو أن تسليم السلاح سيكون من جهة فلسطينية إلى جهة فلسطينية أخرى، وهي لجنة إدارة غزة، وليس لإسرائيل أو القوات الدولية.
وقال مسؤول في الحركة لـ"الشرق": "أهمية سلاح المقاومة تكمن في رمزيته وليس في معداته، فما تبقى من معدات عسكرية محدود ومحدود جداً، وتسليمها سيكون من جهة فلسطينية لأخرى فلسطينية وليس لإسرائيل أو للقوات الدولية".
وأضاف: "لقد عارضت حماس وبقوة تسليم السلاح لإسرائيل أو للقوات الدولية، لأن ذلك ينطوي على رمزية غير مقبولة في حركات التحرر، ودفعت ثمناً كبيراً جراء هذه المعارضة، حفاظاً على حق الشعب الواقع تحت الاحتلال بمقاومة هذا الاحتلال جيلاً وراء جيل".
دور سياسي
ومن المرتقب أن تلعب "حماس" دوراً سياسياً في المرحلة المقبلة وليس عسكرياً.
وقال أحد المسؤولين في الحركة لـ"الشرق": "هجوم السابع من أكتوبر كان أقصى ما يمكن لحركة حماس أن تقوم به، ولا يمكنها تكراره، كما لا يمكنها إقامة كيان عسكري من جديد في قطاع غزة، لأن ذلك يعني عودة حرب الإبادة".
وأضاف: "المرحلة القادمة هي مرحلة عمل وطني وسياسي وليست مرحلة عمل عسكري، والمقاومة المسلحة في غزة أمر متروك للأجيال القادمة".
ومن المقرر أن تشارك حركة "حماس" بفعالية في الانتخابات التشريعية القادمة في الثامن والعشرين من نوفمبر المقبل.
وقال أحد المسؤولين إن الحركة ستشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء بالترشح أو بالتصويت أو بكليهما، لتساهم في تحديد صناع القرار الفلسطينيين الجدد.
وقال هذا المسؤول إن الحركة ستشارك في الحوار الوطني حول مستقبل غزة، والترتيبات الخاصة بقطاع غزة بعد انتهاء عمل اللجنة ودخول السلطة الفلسطينية، وفق ما حدده قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803.
القرار في يد نتنياهو
يبدي بعض المراقبين قلقهم من أن يلاقي هذا الاتفاق مصير الاتفاق السابق الذي أعاق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تطبيقه من خلال المماطلة في تنفيذ العديد من البنود الحيوية، وأهمها مواصلة الزحف واحتلال المزيد من الأراضي، والقيام بعمليات اغتيال طالت المئات، وعدم السماح بإدخال مواد حيوية نص عليها الاتفاق.
وقال مسؤولون في الحركة لـ"الشرق"، إن الاتفاق سيخضع للاختبار العملي في الأيام المقبلة، ففي حال قبوله من قبل إسرائيل سنراقب مدى تطبيقه. وأضاف أحد المسؤولين: "المهمة الآن انتقلت إلى الجانب الأميركي، فهو الوحيد القادر على إلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاق".
وأعرب العديد من المسؤولين والمراقبين عن شكوكهم بتطبيق الاتفاق من قبل نتنياهو، خاصة في الشهور الثلاثة المقبلة التي تشهد فيها إسرائيل حملة انتخابية حامية، في مركزها فشله في منع هجوم أكتوبر، وفشله في تحقيق أهداف الحرب، وفي مقدمتها القضاء على حركة "حماس".
وقال أحد المسؤولين في "حماس" لـ"الشرق": "قمنا بما هو مطلوب منا، والآن ننتظر أن يجبر الجانب الأميركي الجانب الإسرائيلي على القيام بما هو مطلوب منه لإنجاح خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب".
وأضاف: "لقد فشل ترمب في مختلف الساحات الأخرى من إيران إلى أوكرانيا، وربما يحاول النجاح في غزة كي يسجل حالة نجاح في منطقة كانت السبب وراء كل التغيرات التي شهدها الإقليم، ومنها الحرب على إيران".










