
تصاعدت حدة الانقسامات داخل الحكومة والمعارضة الفنزويليتين مع استعداد الجانبين للاجتماع نهاية هذا الأسبوع في محادثات برعاية الولايات المتحدة لتنظيم انتخابات جديدة، حسب ما أوردت صحيفة "فاينانشيال تايمز".
وبعد 6 أشهر من اعتقال الولايات المتحدة للرئيس السابق نيكولاس مادورو وتعيين نائبته ديلسي رودريجيز بدلاً منه، تواجه إدارة الرئيس دونالد ترمب ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار سعيها الحثيث نحو الانتقال إلى الديمقراطية.
وتهدف المحادثات إلى الاتفاق على جدول زمني وإجراءات لإجراء انتخابات رئاسية جديدة، هي الأولى منذ عام 2024 حين أعلن مادورو فوزه، رغم أن فرز الأصوات الذي تحققت منه المعارضة بشكل مستقل أظهر خسارته بنسبة اثنين إلى واحد، حسب ما أشارت الصحيفة.
لكن ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة التي قادت حملة لهزيمة مادورو في عام 2024، صرّحت بأنها لن تشارك في المحادثات، مع أنها أكدت أنها لن تعرقل قراراتها. كما أعلن إدموندو جونزاليس، مرشح المعارضة الذي فاز في تلك الانتخابات بعد منع ماتشادو من الترشح، أنه لن يشارك أيضاً.
معارضة للمفاوضات
في غضون ذلك، أعرب عدد من المتشددين من الحركة السياسية "التشافيزية" المؤيدة للحكومة عن معارضتهم للمفاوضات، حيث أحرق بعض النواب أعلاماً أميركية وإسرائيلية في مظاهرة، الأحد.
ويرحب كبار أعضاء المعارضة بجهود وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يقود هذه المبادرة، لكنهم يؤكدون أن نجاحها مرهون بمدى استعداد واشنطن للضغط على رودريجيز.
ويشيرون إلى أن العديد من المفاوضات السابقة مع السلطات انتهت بالفشل، ما أدى إلى انقسام المعارضة، وتصلب موقف الحكومة، وإحراج الوسطاء الدوليين.
وقال هنريك كابريليس، وهو مشرّع يقود فصيلاً معارضاً معتدلاً في فنزويلا: "في المفاوضات السابقة، كان مادورو وجماعته يسعون دائماً لكسب الوقت، والمماطلة، وتجنب التوصل إلى اتفاقيات. والفرق الكبير هنا هو وجود الولايات المتحدة".
وأضاف: "كان روبيو ثابتاً منذ البداية على أن هذه العملية ستكون على مراحل تنتهي بالتحول الديمقراطي. وأعتقد أن المفاوضات ستحقق النتائج التي تريدها الولايات المتحدة".
ومنذ اعتقال مادورو في يناير، يدور جدل حاد داخل إدارة ترمب حول مدى الضغط من أجل انتقال ديمقراطي.
ومنعت واشنطن حتى الآن ماتشادو من العودة إلى فنزويلا، بما في ذلك بعد الزلازل المدمرة التي ضربت البلاد أواخر يونيو، مدعيةً أن الاستقرار الاقتصادي والتعافي يجب أن يسبقا الانتخابات.
مشاركة أميركية
وكان روبيو المسؤول الأميركي الذي دافع بقوة عن إجراء انتخابات جديدة في فنزويلا، وفيما يتعلق بالمحادثات الجديدة، قال إن الولايات المتحدة "موجودة للتيسير، لا الإملاء"، لكنه أضاف: "من الواضح أننا سنشارك فيها بشكل كبير".
وتبنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجة مختلفة بعض الشيء، إذ صرّح الأسبوع الماضي قائلاً: "فيما يتعلق بالانتخابات في فنزويلا، فهم ليسوا مستعدين لها بعد"، على الرغم من أنه "سيكونون كذلك في وقت ما".
كما أشاد ترمب كثيراً برودريجيز، التي أقرّت إصلاحات تهدف إلى فتح قطاع النفط المتهالك الذي تسيطر عليه الدولة أمام المستثمرين الأجانب، في حين لا تزال الشركات العالمية الكبرى مترددة في ضخّ الأموال في البلاد. وقال ترمب الأسبوع الماضي: "لقد أحرزت تقدماً كبيراً. لقد قامت ديلسي بعمل رائع".
وقال فيل جونسون، المحلل بمجموعة الأزمات الدولية في كاراكاس، إن الحكومة انضمت إلى المحادثات "بناءً على طلب الولايات المتحدة"، لكن "من الواضح أن ترمب مسرور بالوضع الراهن" وقد لا يرغب في "عدم اليقين والاستقلالية المتأصلة في العملية الديمقراطية".
وأضاف جونسون أنه قد تنشأ توترات مع حكومة رودريجيز "إذا ضغطت الولايات المتحدة من أجل اتفاق يهدد المصالح الحيوية لأفراد قوات الأمن على وجه الخصوص".
محاولات سابقة للوساطة
وحاولت الولايات المتحدة التوسط في اتفاقيات في فنزويلا سابقاً، فقبل انتخابات عام 2024، خففت إدارة بايدن مؤقتاً بعض العقوبات النفطية في محاولة غير ناجحة لإقناع مادورو بالسماح بإجراء انتخابات "حرة ونزيهة".
وفي أعقاب الانتخابات، باءت محاولات الحكومات اليسارية في البرازيل وكولومبيا والمكسيك، للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة، بالفشل أيضاً.
وسيقود المحادثات من جانب الحكومة خورخي رودريجيز، رئيس الجمعية الوطنية وشقيق ديلسي، ومن جانب المعارضة دينورا فيجيرا، التي انتُخبت رئيسةً للجمعية الوطنية عام 2015 - آخر انتخابات فنزويلية اعتبرتها واشنطن شرعية.
وقال أورلاندو بيريز، خبير شؤون أميركا اللاتينية بجامعة شمال تكساس، إن إحدى القضايا الرئيسية ستكون موافقة الحكومة على إطلاق سراح السجناء السياسيين المتبقين في فنزويلا. وقد أُطلق سراح المئات بعد الإطاحة بمادورو، إلا أن 379 سجيناً ما زالوا خلف القضبان، وفقاً لمنظمة "فور بينال" الحقوقية التي تتخذ من كاراكاس مقراً لها.
وقال بيريز إن من المؤشرات الرئيسية الأخرى تشكيل هيئة انتخابية جديدة لإدارة الانتخابات المقبلة، وما إذا كانت تضم أعضاءً حقيقيين من المعارضة.
انقسامات
وتشهد الحركة "التشافيزية" انقسامات حادة بالفعل حول كيفية التعامل مع الحوار.
وصرح ديوسدادو كابيلو، وزير الداخلية الذي كان من أشد منتقدي الولايات المتحدة حتى القبض على مادورو، بأن المحادثات خطوة مهمة وقد تؤدي إلى انقسام المعارضة.
وأضاف أن الحوار "لا يعني الاستسلام"، مشيراً إلى أن المقترح الرئيسي للحكومة هو أن ترفع واشنطن جميع العقوبات التي فرضت على فنزويلا خلال حملة الضغط التي استمرت سنوات ضد مادورو.
ودعا ماريو سيلفا، النائب "التشافيزي" ومقدم البرامج التلفزيونية الذي دأب لسنوات على تهديد أعضاء المعارضة على الهواء، أنصار الحركة إلى التعبئة لأن "السلطة التنفيذية الآن في يد الولايات المتحدة".
ومن جانب المعارضة، صرّحت ماتشادو وجونزاليس بأنهما لم يشاركا في وضع آلية التفاوض ولن يتدخلا فيها. ومع ذلك، أضافا في بيان أنهما لن "يعرقلا أي مبادرة تُحقق تقدماً حقيقياً".








