
عاد أبهيجيت ديبكي، مؤسس "حزب شعب الصراصير" الشبابية التي أرغمت رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التراجع عن بعض سياساته، إلى مسقط رأسه هذا الأسبوع وسط استقبال جماهيري حافل، بعدما تحول خلال أسابيع قليلة من ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أحد أبرز وجوه المعارضة الشبابية في الهند.
ووفقاً لصحيفة "فاينانشال تايمز"، استقبل أنصار ديبكي وأفراد أسرته الشاب البالغ من العمر 30 عاماً في مدينة تشاتراباتي سامبهاجيناجار، حيث أمطروه بتلات الورود ووضعوا على جبينه العلامة الحمراء التقليدية رمزاً للبركة، احتفالاً بعودته بعد حملة احتجاجية غير مسبوقة.
وقال ديبكي: "من الرائع أن أعود إلى الوطن بعد هذا النضال الطويل. وإذا تركتني وسائل الإعلام وشأني خلال الأيام المقبلة، فقد أتمكن من العودة إلى حياة طبيعية كما كنت من قبل".
لكن هذا يبدو مستبعداً، إذ أصبح ديبكي، المعروف بارتدائه القميص والسروال الجينز، وجهاً مألوفاً في أنحاء الهند، بعدما تحول مؤسس "حزب شعب الصراصير" إلى أحد أبرز الشخصيات العامة في البلاد.
من حملة ساخرة إلى حركة جماهيرية
وقال تشيتيج باجبايي، المتخصص في شؤون جنوب آسيا لدى مؤسسة "تشاتام هاوس"، إن ديبكي نفسه بدا متفاجئاً بسرعة تطور الأحداث.
وأضاف: "في البداية، اعتُبرت الحركة مجرد حملة ساخرة على الإنترنت، لكنها سرعان ما أصبحت منصة تجمع الشباب الساخطين في البلاد".
وقبل أشهر قليلة فقط، بدا هذا التحول السياسي مستبعداً، ففي مايو، كان مودي يعيش أجواء انتصارات انتخابية متتالية حققها حزبه بهاراتيا جاناتا، بينما كان ديبكي ينهي دراساته العليا في العلاقات العامة بمدينة بوسطن الأميركية، ويبحث عن فرصة عمل.
وقال ديبكي لصحيفة "فاينانشال تايمز" في يونيو: "لم يكن أي من هذا مخططاً له. لكن عندما قرأت تعليقاً لرئيس المحكمة العليا في الهند شبّه فيه الشباب الذين يعبرون عن آرائهم بالصراصير أو الطفيليات، شعرت بغضب شديد".
واستناداً إلى خبرته السابقة كمتطوع في الحملات الرقمية لأحد أحزاب المعارضة، أطلق ديبكي حملة ساخرة عبر الإنترنت، تضمنت موقعاً إلكترونياً يعرض صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي لصراصير عملاقة سوداء، وكتب على منصة "إكس": "ماذا لو اجتمعت كل الصراصير؟".
غضب الشباب
استجاب ملايين الشباب للحملة، مدفوعين بالإحباط من صعوبة العثور على وظائف ذات أجور جيدة، وطالبوا ديبكي بتحويل الحملة الإلكترونية إلى حركة احتجاجية على الأرض، فعاد إلى الهند وأطلق اعتصاماً في منطقة جانتار مانتار، وهي الموقع التقليدي للاحتجاجات في العاصمة نيودلهي.
ورأت الحكومة في البداية أن الحركة ستخمد سريعاً، لكن ديبكي، المنحدر من أسرة تنتمي إلى طبقة الداليت، وهي من الفئات التي عانت تاريخياً من التهميش، واصل تحركاته بإصرار.
ويستمد ديبكي إلهامه، بحسب التقرير، من اثنين من أبرز الشخصيات الهندية، هما الزعيم المهاتما غاندي، قائد حركة الاستقلال السلمية، و"بي. آر. أمبيدكار"، أبرز مفكري الداليت وأحد مهندسي الدستور الهندي بعد الاستقلال.
وقالت فايشنافي جور، المتحدثة باسم الحركة، إن ديبكي "يحب النزول إلى الناس والاستماع إليهم بصبر"، لكنها أضافت أنه "يستمع إلى الجميع، لكنه في النهاية يفعل ما يراه مناسباً".
نقطة التحول
وشهدت الاحتجاجات تحولاً كبيراً في 18 يوليو، عندما تدخلت الشرطة لإزالة ناشط مخضرم في مجال حقوق الإنسان كان مضرباً عن الطعام دعماً للحركة في جانتار مانتار.
وبعد يومين فقط، أطلقت شرطة مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع على آلاف المتظاهرين الذين ساروا باتجاه البرلمان، كما استخدمت الهراوات لتفريقهم، ما أثار موجة واسعة من الغضب.
وفي نهاية الأسبوع ذاته، استقال وزير التعليم دارميندرا برادان، وهو الهدف الرئيسي للحملة، كما وافقت الحكومة على بقية مطالب الحركة.
ماذا بعد؟
لا يزال مستقبل الحركة غير واضح، إذ يقول قادتها إنهم سيأخذون استراحة قصيرة قبل إطلاق جولة في أنحاء البلاد للاستماع إلى مطالب الشباب.
لكن حكومة مودي تتحرك بدورها لاحتواء آثار الأزمة.
وقال مسؤول حكومي كبير إن تنفيذ خطوات ملموسة بسرعة، مثل عمل اللجنة التي شكلتها الحكومة لإصلاح نظام الامتحانات، قد يسهم في الحد من تأثير أجندة الحركة التي وصفها بأنها "محدودة".
وأضاف: "ستظهر قضايا أخرى تشغل الرأي العام، وقدرة مودي على طرح أفكار مفاجئة تفوق بكثير ما يمكن لهؤلاء الشباب توقعه".
هل تتحول الحركة إلى قوة سياسية؟
وترى الكاتبة وكاتبة السيناريو أدفايتا كالا أن كثيراً من الشباب الهنود قد يصوتون مجدداً لحزب بهاراتيا جاناتا في الانتخابات العامة المقررة عام 2029، لأنهم ما زالوا يثقون بالحكومة أكثر من المعارضة.
وأشارت إلى أن حزب المؤتمر، أكبر أحزاب المعارضة، لم ينضم إلى احتجاجات الحركة إلا في أسبوعها الأخير.
أما روتشي جوبتا، المديرة التنفيذية لـ"مؤسسة مستقبل الهند"، فقالت إن الحركة كانت أول احتجاج يجبر وزيراً على الاستقالة خلال فترة حكم مودي، لكنها اعتبرت أن ديبكي أضاع فرصة ذهبية لتحويلها إلى تنظيم سياسي مؤسسي.
وأضافت: "عدم قيامه بذلك يكشف الكثير عن طموحاته الحقيقية. فلو كان سياسياً تقليدياً، لسارع إلى بناء هيكل تنظيمي دائم للحركة".
ورغم الشعبية التي حققها، لا يزال ديبكي يعتمد أسلوبه الساخر.
فعندما سُئل خلال استقباله في مسقط رأسه عن محاولات مودي الأخيرة لاستمالة الشباب عبر منصة "إنستجرام"، أجاب ساخراً: "إنه يؤدي هذا الدور بشكل ممتاز. ربما عليه أن يتنحى عن رئاسة الوزراء ويصبح مؤثراً على وسائل التواصل الاجتماعي".











