كيف استغل اليمين المتطرف في أوروبا "أزمة سبتة" لدعم أجندته؟ | الشرق للأخبار

كيف استغل اليمين المتطرف في أوروبا "أزمة سبتة" لدعم أجندته؟

time reading iconدقائق القراءة - 8
عناصر الجيش الإسباني ترافق المهاجرين في سبتة في أعقاب عمليات عبور جماعي من المغرب إلى الأراضي الإسبانية. 1 أغسطس 2026 - Reuters
عناصر الجيش الإسباني ترافق المهاجرين في سبتة في أعقاب عمليات عبور جماعي من المغرب إلى الأراضي الإسبانية. 1 أغسطس 2026 - Reuters

سعى قادة اليمين المتطرف في أوروبا إلى استغلال مشاهد "الفوضى واليأس"، التي اتسمت بها موجة غير مسبوقة لتدفق عشرات الآلاف من المهاجرين هذا الأسبوع إلى جيب سبتة، الخاضع للإدارة الإسبانية في شمال المغرب، إذ أعادت إلى الأذهان مشاهد مماثلة وقعت قبل 11 عاماً على سواحل اليونان وإيطاليا، وفق صحيفة "نيويورك تايمز".

وذكرت الصحيفة الأميركية، الأحد، أن أزمة عام 2015، عندما تدفق أكثر من مليون شخص، معظمهم من الشرق الأوسط إلى جنوب أوروبا، هي التي عمقت معارضة الهجرة في جميع أنحاء أوروبا، وشجعت اليمين المتطرف في أوروبا على اتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه قضية الهجرة.

وكما حدث آنذاك، حاول قادة اليمين المتطرف استغلال الاضطرابات الحدودية على أعتاب أوروبا. ففي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، حذّر سياسيون مناهضون للهجرة من أن الأزمة الأخيرة تمثل دليلاً واضحاً على مخاطر نهج إسبانيا الأكثر انفتاحاً في ملف الهجرة مقارنة بالعديد من الدول الأوروبية المجاورة.

ويكمن الاختلاف في أن أحزاب اليمين المتطرف، التي كانت قوى هامشية إلى حد كبير في عام 2015، أصبحت الآن إما في السلطة أو لديها فرصة للوصول إليها.

وفي محاولة لتجنب رد فعل سياسي عكسي، تبنى قادة تيار الوسط في أوروبا، بعض مواقف وخطابات اليمين المتطرف المتشددة بشأن الهجرة، متخلين عن النهج الأكثر انفتاحاً وترحيباً الذي ساد عام 2015. وخلال ما يزيد قليلاً على عقد، نجح اليمين المتطرف إلى حد كبير في إعادة تشكيل الخطاب بشأن الهجرة.

وفي تعليق على الأمر، قال فرانسوا جيمين، الخبير في شؤون الهجرة والمناخ في كلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال بباريس HEC Paris: "إذا أعطى قادة التيار الوسطي انطباعاً بأنهم في موقف ضعيف بشأن هذه القضايا، فسيفقدون السيطرة على الخطاب السياسي بالكامل". وأضاف: "وهذا هو سبب شعورهم بالحاجة إلى إظهار مواقف شديدة الصرامة في قضايا مثل مراقبة الحدود".

موجة انتقادات أوروبية

في المقابل، سارع قادة التيار الوسطي من الدنمارك إلى فرنسا، إلى إدانة تدفق المهاجرين إلى مدينة سبتة، الخميس. وتعهدوا بتعزيز حدودهم لمنع دخول المهاجرين، رغم أن معظم الوافدين الجدد قد استداروا وعادوا أدراجهم إلى المغرب في غضون ساعات.

ودعت رئيسة وزراء الدنمارك مته فريدريكسن، زعيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، التي طبقت واحدة من أكثر سياسات اللجوء تشدداً في أوروبا، القادة الأوروبيين إلى النظر في تعليق عضوية إسبانيا في منطقة شنجن، التي تسمح بحرية التنقل بين 29 دولة في أوروبا.

ولم يكن هناك فارق يُذكر بين موقفها وموقف رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الزعيمة اليمينية التي وصلت إلى السلطة متعهدة بتقليص الهجرة. وقالت ميلوني إن الصور الواردة من سبتة كانت "صادمة وتثبت مجدداً أن الهجرة غير النظامية الخارجة عن السيطرة تشكل تهديداً حقيقياً". وأضافت في منشور على منصة "إكس"، أن إيطاليا "لن تقف مكتوفة الأيدي".

بدوره، دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس المغرب إلى "استعادة المهاجرين غير النظاميين فوراً"، في موقف يختلف كثيراً عن نهج أنجيلا ميركل، آخر مستشارة ألمانية من يمين الوسط. 

وقد اشتهرت ميركل بعبارتها Wir schaffen das، وتعني "يمكننا فعل ذلك"، عندما واجهت ألمانيا موجة تدفق من اللاجئين الفارين من الحرب في سوريا  في عام 2015، وأصبح كثير منهم اليوم مواطنين أوروبيين بعد اندماجهم في المجتمعات الأوروبية.
 
ووفق "نيويورك تايمز"، تعكس هذه المواقف الاتجاه العام نحو تشديد سياسات الهجرة في أوروبا، وهو اتجاه جعل حكومة إسبانيا اليسارية الحالية حالة استثنائية.

وأقرت دول مثل السويد، التي كانت تُعد في السابق من أكثر الدول انفتاحاً في توفير مسارات الحصول على الجنسية، تشديد قواعد منح اللجوء والإقامة القانونية. كما أسهمت الإجراءات البحرية الأكثر صرامة في انخفاض معدلات الهجرة عبر البحر بشكل كبير منذ عام 2015.

سانشير يرد على الاتهامات

وردّاً على اتهامه بتشجيع أزمة سبتة بمثل هذه السياسات، قال رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز، إنه من الممكن الترحيب بالمهاجرين مع الحفاظ على السيطرة على الحدود.

وأكد سانشيز أنه خلال الفترة بين عامي 2021 و2025، دخل عدد أكبر من الأشخاص الاتحاد الأوروبي بشكل غير قانوني عبر إيطاليا والبلقان الغربي واليونان مقارنةً بالعدد الذي دخل عبر إسبانيا. وأشار إلى أن معظم الأشخاص الذين عبروا إلى سبتة، الخميس، قد غادروا بحلول السبت.

وكتب في رسالة مفتوحة موجهة إلى القادة الأوروبيين نُشرت، السبت: "لقد تحقق هذا الأمر بتنسيق وثيق مع السلطات المغربية، وبقدر ضئيل جداً من الدعم من دول أوروبية أخرى، مع مواصلة تنفيذ سياسة هجرة فعّالة وقائمة على التضامن، وهي السياسة التي طبقتها إسبانيا باستمرار خلال السنوات الأخيرة".

وحمّل رئيس الوزراء الإسباني خلال مؤتمر صحافي على هامش زيارته إلى سبتة، الجمعة، مهربي البشر مسؤولية الأزمة، قائلاً إنهم "يخدعون الكثير من الشباب ويقودون الكثير منهم في نهاية المطاف إلى حتفهم"، سواء في البحر أو في المدينة.

وربطت السلطات في سبتة ومدريد، ازدياد أعداد المهاجرين على الحدود بقرارٍ صدر مؤخراً عن المحكمة العليا الإسبانية، والذي قضى بعدم جواز ترحيل المهاجرين الوافدين بحراً بشكل فوري، على عكس أولئك الذين يعبرون براً أو يتسلقون السياج الحدودي.

وقال سانشيز إن مهربي المهاجرين أساؤوا فهم القرار، معتبراً أن تفسير قرار المحكمة العليا "انتشر كالنار في الهشيم خلال الساعات القليلة الماضية عبر شبكات منظمات الاتجار بالبشر"، ما أدى إلى تصاعد الهجرة.

صعود اليمين في أوروبا

وفي جميع أنحاء أوروبا، تواصل أحزاب اليمين المتطرف صعودها، على الرغم من أن وصول المهاجرين إلى القارة أصبح أكثر صعوبة عبر أي مسار. وتظهر بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات"، انخفاض صافي أعداد المهاجرين، أي عدد الوافدين مطروحاً منه عدد المغادرين، في عام 2025 في بريطانيا وألمانيا وإسبانيا مقارنةً بالعام السابق، في حين في حين سجلت فرنسا وإيطاليا ارتفاعاً طفيفاً.

ويُعد رئيس وزراء إسبانيا من بين القلة من القادة الوسطيين أو ذوي الميول اليسارية الذين يحاولون الحفاظ على موقف ترحيبي علني تجاه الهجرة، حيث سمح لأكثر من مليون مهاجر غير شرعي بالتقدم في وقت سابق من هذا العام بطلبات للحصول على وضع قانوني.

ولا تزال ذكريات عام 2015 حاضرة بقوة في أوروبا، التي أعادت موجة المهاجرين الوافدين من سوريا وأفغانستان ودول أخرى رسم خريطتها السياسية. وفي العام التالي، صوتت بريطانيا، مدفوعة بمشاعر معادية للمهاجرين، لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، على الرغم من أنها لم تتأثر بدرجة كبيرة بتلك الموجة من الهجرة.

وفي ألمانيا، حقق حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، تقدماً كبيراً في الانتخابات الفيدرالية في عام 2017 من خلال استغلال المخاوف من الهجرة غير المنضبطة، وقد يفوز في انتخابات الولايات للمرة الأولى هذا الخريف في شرق ألمانيا.

وفي فرنسا، استغلت مارين لوبان، مرشحة حزب "التجمع الوطني" المناهض للمهاجرين، هذه القضية للوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية لعام 2017. وألمحت لوبان، التي تترشح للرئاسة للمرة الرابعة، إلى أنها تخطط لتحويل الأزمة الإسبانية إلى قضية لحملتها الانتخابية.

وفي بريطانيا، حذّر زعيم حزب "الإصلاح البريطاني" نايجل فاراج، من أن المهاجرين الذين يدخلون سبتة سيتجهون نحو الساحل الشمالي لفرنسا، ومن ثم إلى بريطانيا، عبر عبور القناة الإنجليزية.

تصنيفات

قصص قد تهمك