
بين حلم العبور ومرارة الواقع، يروي عائدون مغاربة من جيب "سبتة" الخاضع للإدارة الإسبانية لـ"الشرق"، تفاصيل رحلة محفوفة بالعنف والجوع، فيما تعيش عائلاتهم قلق الانتظار على الحدود.
فعلى طول الطريق المحاذي للشريط الحدودي الفاصل بين مدينة الفنيدق شمالي المغرب وجيب سبتة، خفّت حدة الانتشار الأمني المكثف الذي خيّم على المنطقة لأيام.
وبدأت حركة السير تعود تدريجياً إلى طبيعتها، فيما يواصل عمال النظافة إزالة آثار ليلة متوترة شهدت مواجهات وإحراق سيارات ورشقاً بالحجارة، بينما تحاول الحياة أن تستعيد مسارها ببطء بين الأزقة التي شهدت نزيفاً مؤلماً لشباب في مقتبل العمر.
وفي سبتة، تتجه الأوضاع نحو التهدئة مع مغادرة غالبية المهاجرين الذين دخلوا المدينة، ويُقدَّر عددهم بأكثر من 50 ألفاً، فيما تتوالى شهادات حية يكشف فيها الشباب العائدون كواليس ما وصفوه بـ"العبور الكبير"، رحلة بدأت بالهروب من واقع معقد، وانتهت بصدمة العنف والجوع داخل الأحياء الحدودية.
في المقابل، يرابط الأهالي عند السلك الحدودي، ينشدون أمل عودة من بقي من أبنائهم، وقلوبهم على صدورهم خشية أن يكونوا ممن ابتلعهم البحر، بعدما وصل عدد الضحايا الذين جرى انتشالهم إلى 72 شخصاً، وفق آخر حصيلة رسمية قدمتها السلطات الإسبانية الأحد.
دوافع الفرار ومواجهة "نقطة الصفر"
لم يكن اندفاع مئات الشباب والقاصرين نحو السياج الحدودي والمنافذ البحرية وليد المصادفة، بل جاء نتيجة تراكمات من "انسداد الآفاق" والبحث عن فرصة لإثبات الذات وبناء مستقبل أفضل، رغم التحذيرات من القفز نحو المجهول.
وفي حديث لـ"الشرق"، يصف "هشام"، أحد الشباب العائدين من سبتة، دوافع هذه المغامرة بمرارة، قائلاً: "حاولنا الهجرة من المغرب بسبب تفشي البطالة وغياب فرص العمل. فكلما تقدم بك العمر من دون أن تحقق شيئاً، تشعر بأنك عاجز عن بناء أي مستقبل، وتبقى دائماً محاصراً عند نقطة الصفر".
لكن الموجة غير المسبوقة من المهاجرين، التي أثارت صدمة حول العالم، فتحت الباب أمام العديد من التساؤلات، التي تجد بعضاً من إجاباتها في طوفان من مقاطع الفيديو التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، وتُظهر شباباً يخوضون غمار البحر سباحة نحو سبتة، لالتقاط صور ومقاطع وهم يلوحون بعلامة النصر ويهتفون بفرح عارم لحظة وطأت أقدامهم اليابسة، وكأنهم كسروا المستحيل وعبروا للتو بوابة "الفردوس الأوروبي".
يحكي عدد من الشباب العائدين لـ"الشرق" أنهم انساقوا وراء ما بدا وكأنه "عدوى رقمية"، بعدما أوحت لهم مقاطع متداولة بأن الحدود أصبحت ثغرة مفتوحة بلا حراسة، وأن المستقبل المأمول لا يبعد سوى ضربات ذراع في الماء.
"محمد" شاب في الثلاثينيات من سكان الفنيدق يعمل خياطاً، يقول: "كنت في حالة غير طبيعية، غائباً عن وعيي تماماً. شاهدت المقاطع، ثم رأيت موجة المهاجرين، فتبعتهم ورميت بنفسي في عرض البحر، رغم أنني لا أتقن السباحة. لكن بمجرد أن وطئت أقدامنا اليابسة، اكتشفنا الخدعة الكبيرة؛ فلم نجد سوى الجوع والمطاردة والعنف. ما رأيناه على الشاشات كان مجرد فخ استدرجنا جميعاً نحو الجحيم".
جحيم العبور.. العنف والجوع في "إل برينسيبي"
على الجانب الآخر من السياج، لم تكن سبتة الفردوس المأمول لمن تمكنوا من دخولها، بل تحولت التجربة إلى كابوس حقيقي شابته اعتداءات مسلحة وتضييق خانق، ولا سيما داخل أحياء التماس مثل "إل برينسيبي"، وهو حي شعبي تقطنه غالبية من أصول مغربية داخل سبتة.
يحكي "مصطفى"، الشاب العائد من هناك (سبتة)، عن تجربة مروعة، ويقول لـ"الشرق": "لقد ضيقوا علينا الخناق وكتموا أنفاسنا هناك في الداخل. مات العديد من أصدقائنا، رحمهم الله. بعض القاطنين في حي (إل برينسيبي) استهدفونا بالاعتداء بالأسلحة البيضاء، وسقط رفاق لي قتلى أمام عيني، كانوا يطلقون علينا الرصاص".
وامتدت المعاناة لتشمل الحرمان من الطعام والماء، وسط ما وصفوه بتجاهل إنساني حاد داخل مراكز إيواء مؤقتة، كما يؤكد بلال قائلاً: "كانوا يرفضون حتى بيعنا الطعام أو الماء، وفي مراكز الإيواء التابعة للصليب الأحمر، لم يكونوا يقدمون لنا سوى وجبة واحدة طوال اليوم".
وكانت السلطات في سبتة قد أعلنت أنها "عاجزة" أمام موجة الهجرة الجماعية، بعدما فاقت الأعداد الكبيرة الطاقة الاستيعابية لمراكز الإيواء، فيما دعا حاكم المدينة إلى إعلان حالة طوارئ وطنية.
على خط التماس.. دموع العائلات
على الجانب المغربي من المعبر، تكتمل المأساة الإنسانية في أقسى صورها عند السياج الحدودي، حيث ترابط أسر مغربية جاءت من مدن بعيدة، يفترش الآباء والأمهات الأرض في حالة من البكاء والترقب، متوسلين أبناءهم عبر الهاتف للعودة، فيما يفضل بعض الشباب البقاء خلف السياج على أمل ضعيف بتسوية أوضاعهم القانونية.
ومن بين هؤلاء، يقف رشيد المرزوقي برفقة صهره، بعدما قدما من منطقة "طماريس" بضواحي الدار البيضاء، تاركين أعمالهما، بصحبة الأم التي تفقد وعيها من شدة البكاء، أملاً في استعادة ابنهما البالغ (18 عاماً)، الذي يرفض الخروج بعد دخوله سبتة، بانتظار عرضه على القاضي.
وفي حديث لـ"الشرق"، يقول الوالد رشيد: "لا ننام الليل أبداً، والجميع يسأل عنه، شقيقاته الصغيرات يبكين طوال الوقت، ووالدته تغيب عن الوعي من شدة الحزن والدموع.. لقد تركنا أعمالنا وكل شيء وجئنا من منطقة (طماريس) لأجله. كل ما نطلبه من الله هو أن يعود إلينا، هذا هو رجاؤنا الوحيد، فنحن لم نكن نريد له أن يغادر أساساً".
أما جده، فقد بدا يائساً بعد رفض الشاب المراهق الخروج، مفضلاً الانتظار إلى حين تنظر السلطات الإسبانية في أمر الإبقاء عليه وتسوية وضعه القانوني.
وأضاف: "لقد عشنا رعباً حقيقياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا ننام لا في الليل ولا في النهار، تزامنت الموجة مع عمليات هدم للمساكن، ما أدى إلى تصاعد الغضب بين الشباب، فصار الواحد منهم يشجع الآخر على الهجرة، وشقوا طريقهم بحثاً عن مخرج من واقعهم اليائس".
الفنيدق تلملم جراحها وسط هدوء حذر
وفي شوارع الفنيدق الرئيسية والمحاور المؤدية إلى المعبر، تواصل فرق الصيانة والعمال رفع مخلفات المواجهات وإزالة هياكل السيارات المحترقة، بعد ليلة متوترة شهدت اشتباكات بين مهاجرين وقوات الأمن، استخدمت خلالها الشرطة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، فيما رد المهاجرون برشق الحجارة وتخريب السيارات وإضرام النيران.
وعلى الرغم من الانخفاض التدريجي في الانتشار الأمني المكثف والعودة الحذرة للنشاط التجاري، لا تزال الآثار النفسية والاجتماعية للأزمة تخيم على وجوه السكان، فيما تواصل سيارات الأجرة والحافلات العمومية التي وفرتها السلطات إجلاء المهاجرين العائدين إلى المدن القريبة.










