ضبط النفس استراتيجية أوروبيةفي مواجهة تهديدات ترمب التجارية | الشرق للأخبار

"ضبط النفس والمماطلة" استراتيجية أوروبية لكسب الوقت في مواجهة حرب ترمب التجارية

time reading iconدقائق القراءة - 8
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. 23 سبتمبر 2025 - Reuters
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. 23 سبتمبر 2025 - Reuters

تُصعّد واشنطن مجدداً الضغط على الاتحاد الأوروبي بتهديدات جديدة بفرض تعريفات جمركية. لكن رد بروكسل جاء مختلفاً بشكل جذري مقارنة بالعام الماضي، إذ اتخذت مقاربة تقوم على "التريث وضبط النفس" بدلاً من الاندفاع للرد، حسبما أوردت مجلة "بوليتيكو".

وهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤخراً، بفتح تحقيق تجاري بشأن غرامة المفوضية الأوروبية البالغ قيمتها مليار دولار على جوجل، إضافةً إلى تعريفات جمركية جديدة على الاتحاد الأوروبي وعشرات الشركاء التجاريين الآخرين، والضغط المستمر من واشنطن بشأن أسعار الأدوية.

لكن بدلاً من دق ناقوس الخطر والاندفاع للرد على هذه المرحلة الجديدة من حرب ترمب التجارية العالمية، أظهر الاتحاد الأوروبي "ضبطاً للنفس"، وهو رد فعل يُشير إلى أن التكتل المكون من 27 دولة أصبح أقل تأثراً بأساليب الضغط التي يتبعها ترمب، وفق "بوليتيكو" في نسختها الأوروبية.

وهذا العام، لم يُؤدِّ رفض العواصم الأوروبية الموحد لمطامع ترمب في جرينلاند إلى إحداث شرخ أوسع عبر الأطلسي. إذ أبطلت المحكمة العليا الأميركية أكثر تعريفاته الجمركية شمولاً، وواجهت التعريفات اللاحقة طعوناً قانونية. والآن، مع احتمال تراجع نفوذ ترمب في واشنطن خلال انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، يسعى الأوروبيون إلى "كسب الوقت".

كسب الوقت "عبر الحوار"

وقال بيرند لانج، العضو الألماني في البرلمان الأوروبي ورئيس لجنة التجارة الدولية لـ"بوليتيكو": "إنها استراتيجية لكسب الوقت عبر الحوار. يتمثل نهج المفوضية في الابتعاد عن أي شيء يُمكن اعتباره ملزماً قانونياً، والتركيز بدلاً من ذلك على منتديات الحوار والتشاور والمجالات التي يُمكن فيها التعاون".

في العام الماضي، أبدت بروكسل استياءً شديداً من تهديدات ترمب بفرض تعريفات جمركية، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى 50%، قبل الموافقة على هدنة تجارية في منتجع الجولف الخاص بالرئيس الأمريكي في تيرنبيري باسكتلندا.

وبعد أشهر من التأخيرات التي اختبرت صبر واشنطن، أوفى الاتحاد الأوروبي بالتزاماته بإصدار تشريع في يونيو يسمح بدخول السلع الصناعية الأميركية وبعض السلع الزراعية إلى دول الاتحاد معفاة من الرسوم الجمركية.

وأشاد مسؤول في مكتب الممثل التجاري الأميركي، طلب عدم كشف هويته لنقل وجهة نظر الإدارة، بالاتحاد الأوروبي لتنفيذه "التزامات رئيسية" في اتفاقية تيرنبيري، "مثل التخفيضات الكبيرة في الرسوم الجمركية على الصادرات الأميركية، وتقديمه التزامات ملموسة بشأن عدد من المسائل التنظيمية المرهقة الأخرى".

وأضاف المسؤول: "ستتركز أي محادثات فنية على تنفيذ الالتزامات المتبقية، ويتوقع الجانب الأميركي أن تسير هذه العملية بوتيرة سريعة".

تحقيقات أميركية

وبينما لا تُخالف الرسوم الجمركية البالغة 10% التي فرضتها الحكومة الأميركية في 23 يوليو اتفاقية تيرنبيري، التي تحدد الرسوم الأميركية على معظم سلع الاتحاد الأوروبي بنسبة 15%، فإن تهديدات ترمب بالتحقيق في القيود الرقمية الأوروبية في أعقاب غرامة جوجل من شأنها أن تُخالفها على الأرجح. 

ولم يبدأ مكتب الممثل التجاري الأميركي تحقيقاً رسمياً بعد، لكن مسؤولاً فيه أكد لمجلة "بوليتيكو"، أن المكتب يتوقع "بدء التحقيق قريباً". وقد يُمكّن ذلك البيت الأبيض من فرض المزيد من الرسوم الجمركية على واردات الاتحاد الأوروبي.

ويُجري الممثل التجاري الأميركي، جيمسون جرير، تحقيقاً تجارياً منفصلاً حول أسعار الأدوية في ألمانيا، وقد أشار إلى إمكانية إجراء مراجعات مماثلة لممارسات تسعير الأدوية في دول أوروبية أخرى. إلا أن هذه التحقيقات ستستغرق شهوراً، إن لم يكن أكثر، لحسمها.

وقال جيرومين زيتلماير، المسؤول السابق في صندوق النقد الدولي والحكومة الألمانية، والذي يرأس حالياً مركز الأبحاث "بروجيل" في بروكسل: "المرحلة الثانية من الحرب التجارية تمس وتراً حساساً في أوروبا: السيادة. سواء تعلق الأمر بالضرائب، أو أنظمة الرعاية الصحية، أو سياسة المنافسة، إذ أن هذه المجالات تُعتبر جوهرية لاستقلال الاتحاد الأوروبي".

في الوقت نفسه، لم يعد ترمب يبدو بمنأى عن المساءلة السياسية كما كان في بداية رئاسته. فقد كشف تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي قبيل انتخابات التجديد النصفي، والجدل الدائر حول حرب إيران، والانتكاسات القانونية في المحكمة العليا الأميركية، عن نقاط ضعفه، حسبما صرّح زيتلماير لـ"بوليتيكو".

بطء الإجراءات الأوروبية

في غضون ذلك، يُبقي مسؤولو الاتحاد الأوروبي قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن. ويرى المسؤولون في بروكسل، أن كل مواجهة علنية تصب في مصلحة أسلوب ترمب التفاوضي المُفضّل، بينما تُتيح الإجراءات القانونية والفنية الأبطأ للاتحاد الأوروبي، مساحة أكبر لإدارة النزاعات وفقاً لشروطه.

كما أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس ليس في عجلة من أمره لتقديم تنازلات لإدارة ترمب بشأن أسعار الأدوية، وفق مسؤول أوروبي مُطّلع على القضية، طلب عدم كشف هويته لمناقشة هذه المحادثات الحساسة. وأشار المصدر إلى أن "برلين تتوقع أن يستغرق التحقيق التجاري الأميركي عاماً على الأقل".

وتُجري بروكسل اتصالات وثيقة مع برلين بشأن التحقيق، الذي تعتقد أنه قد يُشكّل نموذجاً لتحقيقات تجارية أميركية أخرى محتملة في سياسات فرنسا وإيطاليا الدوائية. وقد التقت ديت يول يورجنسن، رئيسة قسم التجارة في المفوضية الأوروبية، بمسؤولين ألمان في برلين للتركيز على إيجاد حلول لتسعير الأدوية.

وتبنّت المفوضية استراتيجية مماثلة بشأن الخلافات عبر الأطلسي حول "السياسة الرقمية".

وبينما ضغطت إدارة ترمب لإجراء محادثات أوسع، بما في ذلك حول إنفاذ قواعد المنافسة في الاتحاد الأوروبي التي تُنظّم منصات التكنولوجيا الكبرى، حرصت بروكسل على إبقاء المناقشات في المستوى الفني.

وفي أوائل يوليو، توجّه وفد من مسؤولي وزارتي التجارة والتكنولوجيا في المفوضية الأوروبية إلى واشنطن، لما وصفه متحدث باسم المفوضية بأنه "حوار حول الحوار".

وقال مسؤول رفيع في المفوضية، إن الاجتماع كان يهدف إلى بحث سبل التعاون بين الجانبين، حيث تتطلع بروكسل إلى عقد اجتماع رفيع المستوى مع واشنطن في الخريف، وسلسلة من الجولات الفنية بينهما.

تحويل مسار النزاعات

وقال ديمتري جروزوبينسكي، الدبلوماسي التجاري السابق في الحكومة الأسترالية ومؤسس موقع "إكسبلين تريد" ExplainTrade في جنيف: "من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي، سواءً من الناحية التنظيمية أو التكتيكية، سيرحبون بانتقال أكبر قدر ممكن من النقاشات إلى المستوى الفني في لجان الحوار، بدلاً من أن تتحول إلى سجال حاد بين دونالد ترمب وشخص آخر على تويتر أو في بيانات صحافية متضاربة".

وقد ردت المفوضية الأوروبية بضبط نفس معهود بعد تهديد ترمب بالانتقام بسبب غرامة جوجل الأخيرة.

وبعد منشور الرئيس الأميركي على منصة "تروث سوشيال"، أكدت بروكسل أنها ستسعى إلى "تواصل فني" بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وفقاً لما ذكره نائب المتحدث الرسمي باسم المفوضية، أولوف جيل. ولم يتم تأكيد عقد اجتماع على مستوى سياسي أعلى حتى الآن.

مع ذلك، أكد العديد من المطلعين على الأمر أنهم يتوقعون رد فعل من الولايات المتحدة، ربما في صورة تحقيق جديد بموجب المادة 301.

وقال ممثلٌ عن قطاع التكنولوجيا الأميركي، طلب عدم كشف هويته للحديث عن المحادثات مع مسؤولي الإدارة: "لم أسمع بعدُ أي شيءٍ بخصوص توقيت أو نطاق التحقيق بموجب المادة 301. لكنني أعتقد أن هذا الأمر كان قيد الإعداد منذ فترة كوسيلة ضغط في المفاوضات الأميركية مع الاتحاد الأوروبي".

وتعتمد استراتيجية أوروبا على تحويل مسار النزاعات بعيداً عن ساحة المواجهة العلنية التي يفضلها ترمب. لكن المسؤولين يُقرّون بأن هذا الرهان يرتكز على عاملٍ واحدٍ لا يمكن التنبؤ به، وهو "ترمب نفسه".

وقال مسؤولٌ آخر في المفوضية: "لا يمكننا التهاون. قد يُغيّر ترمب مساره في أي لحظة. ينصبّ تركيزه على كيفية تفاعل الأسواق مع سياساته، وليس على كيفية تصرف الاتحاد الأوروبي".

تصنيفات

قصص قد تهمك