
أثارت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة إلى جزيرة إيتوروب في أرخبيل الكوريل المتنازع عليه مع اليابان توتراً جديداً بين موسكو وطوكيو، بعدما سارعت الأخيرة إلى استدعاء السفير الروسي وتقديم احتجاج رسمي.
وزيارة بوتين الأخيرة إلى الجزر، هي السادسة التي يقوم بها رئيس دولة أو حكومة روسية، إذ زارها ديمتري ميدفيديف أربع مرات، أولها كرئيس عام 2010، ثم كرئيس للوزراء أعوام 2012 و2015 و2019، بينما زارها رئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين عام 2021.
وتكتسب زيارة بوتين الأخيرة، أهمية سياسية واستراتيجية خاصة، إذ تأتي عشية ذكرى استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، وفي وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين تدهوراً متزايداً على خلفية الحرب في أوكرانيا والعقوبات اليابانية على موسكو.
وتعد ملكية جزر الكوريل، وهي سلسلة تضم 56 جزيرة تمتد بين اليابان وروسيا، من أبرز الملفات التي طبعت العلاقات بين البلدين لأكثر من 80 عاماً.
ونشرت وسائل إعلام روسية، الأربعاء، مقطع فيديو يظهر بوتين في جزيرة إيتوروب، التي تعرف في اليابان باسم "إيتوروفو"، وهو يتذوق الكافيار المحلي خلال زيارته مصنعاً لتصنيع الأسماك، في أول زيارة لرئيس روسي إلى الجزيرة منذ عام 2010.
واستدعت اليابان السفير الروسي لديها، نيكولاي نوزدريف، لتقديم "احتجاج شديد اللهجة" على الزيارة. وقالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إن الزيارة "تسيء إلى مشاعر الشعب الياباني وغير مقبولة على الإطلاق".
وفي غضون ساعات، رفضت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا التصريحات اليابانية، ووصفتها بأنها "تثير غضباً شديداً وغير مقبولة على الإطلاق".
جزر الكوريل
في عام 1956، وبعد أكثر من عقد على استسلام اليابان للحلفاء، وقعت طوكيو وموسكو البيان السوفيتي الياباني المشترك الذي أنهى رسمياً حالة الحرب وطبع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وأظهر الاتفاق أيضاً التزام الطرفين بمواصلة التفاوض على معاهدة سلام رسمية، تتعهد موسكو بعدها بنقل جزيرتين من جزر الكوريل إلى اليابان، وفق مركز الدراسات الدولية والإقليمية التابع لجامعة جورج تاون الأميركية.
وتقع جزر الكوريل بين جزيرة هوكايدو اليابانية وشبه جزيرة كامتشاتكا الروسية، وتفصل بين بحر أوخوتسك والمحيط الهادئ. وحتى عام 1945، عندما استولى السوفييت على كامل سلسلة الجزر، كانت اليابان تسيطر على الجزر الأربع الأقرب إلى هوكايدو.
ورغم تخلي اليابان عن جزر الكوريل بموجب معاهدة سان فرانسيسكو عام 1951، والاتفاق الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي عام 1956، رفضت طوكيو عرض موسكو إعادة جزيرتين من الجزر الأربع التي تطالب بها اليابان، باعتبار أن العرض لا يشمل سوى 7% من الأراضي المتنازع عليها. واستمر الخلاف حول وضع هذه الجزر لما يقرب من ثمانية عقود.
لماذا تحظى هذه الجزر بأهمية كبيرة؟
بالنسبة إلى اليابان، فإن السيطرة الروسية على ما تسميه "الأراضي الشمالية" تمثل خيانة لمعاهدة شيمودا لعام 1855، التي أقرت بأن جزر هابوماي وشيكوتان وكوناشيري وإيتوروفو جزء من الأراضي اليابانية، فضلاً عن "الطرد غير العادل" لآلاف المواطنين اليابانيين من منازلهم.
أما روسيا فتبرر مطالبتها بالجزر بالقول إن الحلفاء منحوا الاتحاد السوفيتي السيطرة على ما تسميه "جزر الكوريل الجنوبية" بموجب اتفاق يالطا، مقابل مشاركة السوفييت في الحرب ضد اليابان في المحيط الهادئ.
ويرى الكرملين أن أي تنازل عن هذه الجزر لليابان يمثل "إهانة لتضحيات الجنود السوفييت في الحرب العالمية الثانية".
كما تتمتع سلسلة الجزر بأهمية جيوسياسية واستراتيجية كبيرة للبلدين. فالممر البحري بين كوناشيري/كوناشير وإيتوروفو/إيتوروب لا يتجمد، ما يمنح الأسطول الروسي في المحيط الهادئ، المتمركز في فلاديفوستوك، وصولاً سهلاً إلى المحيط الهادئ حتى خلال فصل الشتاء.
وتوفر الجزر أيضاً لروسيا قدرة على إظهار القوة والسيطرة بدرجة كبيرة على حركة الملاحة البحرية في اتجاه القطب الشمالي، حيث أدى ذوبان الجليد البحري إلى فتح طرق أسرع للتجارة بين المحيطين الهادئ والأطلسي.
أما بالنسبة إلى اليابان، فقد تحمل الموارد الموجودة في المنطقة أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة. فقد اكتُشفت رواسب من الرينيوم، أحد أندر المعادن وأكثرها تشتتاً في العالم، في جزيرة إيتوروفو/إيتوروب، ويُستخدم هذا المعدن في توربينات محركات الطائرات، مثل تلك المستخدمة في مقاتلات F-15، ما يمثل فرصة مهمة لصناعة الدفاع اليابانية.
وهناك أيضاً تكهنات، لم يتم تأكيدها، بشأن وجود احتياطيات نفط وغاز بحرية قد تساعد اليابان على تعزيز أمن الطاقة، وفي الوقت نفسه تقلل من نفوذ روسيا. ومن شأن سيطرة اليابان على الجزر الأربع المتنازع عليها، في حال حدوثها، أن تغير بصورة كبيرة موازين القوى في منطقة المحيط الهادئ، وفق مركز الدراسات الدولية والإقليمية التابع لجامعة جورج تاون الأميركية.
دبلوماسية متعثرة
وفشلت اليابان وروسيا حتى الآن في التوصل إلى اتفاق سلام. وحاولت حكومات متعاقبة في البلدين فتح آفاق جديدة للمفاوضات، لكنها بقيت متمسكة إلى حد كبير بمواقفها بشأن وضع الجزر.
حتى بعد نهاية الحرب الباردة، عندما بدا أن الولايات المتحدة تتجه نحو مرحلة جديدة من الصداقة والتعاون مع روسيا، ظلت طوكيو وموسكو في حالة جمود، ولم تتمكنا من استغلال فرصة التوصل إلى اتفاق.
وعندما زار الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين اليابان عام 1993، لم يُبدِ سوى عدد قليل من المسؤولين اليابانيين تفاؤلاً حقيقياً بإمكانية تحقيق اختراق، رغم وجود مصلحة مشتركة لدى الحكومتين في تحسين العلاقات. كما واجه يلتسين ضغوطاً داخلية كبيرة، وكان تقديم تنازلات بشأن جزر الكوريل سيزيد من قوة خصومه ويعمق الأزمة السياسية في روسيا.
بعد عهد يلتسين، لم يتحسن الوضع، إذ أدت الاستفزازات المتبادلة إلى احتجاجات دبلوماسية عرقلت المفاوضات.
وفي عام 2004، تفقد رئيس الوزراء الياباني جونيشيرو كويزومي سلسلة الجزر من على متن سفينة لخفر السواحل، وذلك قبل عام واحد من زيارة كان من المقرر أن يقوم بها الرئيس بوتين إلى اليابان بمناسبة الذكرى الـ150 لمعاهدة شيمودا.
وفي عام 2006، اتخذ النزاع منعطفاً خطيراً عندما أطلق خفر السواحل الروسي النار على صياد ياباني وقتله بعد دخول قاربه إلى مياه متنازع عليها قرب جزر هابوماي، ما أثار إدانة قوية من وزير الخارجية الياباني آنذاك تارو آسو.
وفي عام 2012، زار الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف جزيرة كوناشيري/كوناشير، ما أثار غضب رئيس الوزراء الياباني ناوتو كان وحكومته.
محاولة تقارب فاشلة
بدأت العلاقات الروسية اليابانية تظهر مؤشرات على التحسن عام 2012، عندما عاد كل من الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء شينزو آبي إلى السلطة، ودخلا مرحلة من التقارب بدت في البداية جادة.
وزار آبي موسكو عام 2013، في أول محادثات رفيعة المستوى بين البلدين منذ عام 2005، وفتح مساراً جديداً للمصالحة وإحراز تقدم نحو معاهدة سلام رسمية.
وكانت اليابان، بعد كارثة محطة فوكوشيما النووية عام 2011، تبحث عن طرق لتنويع مصادر الطاقة، ما وفر لروسيا فرصة اقتصادية لتطوير البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال في مناطقها الشرقية.
كما رأى آبي أن روسيا عنصر أساسي في موازنة النفوذ الصيني المتزايد في المحيط الهادئ، في حين رأت موسكو، رغم علاقاتها السياسية الوثيقة مع بكين، فرصاً اقتصادية في تعزيز العلاقات مع اليابان.
لكن فشل جهود آبي أصبح واضحاً بحلول عام 2016، عندما انتهت قمة استمرت يومين مع بوتين من دون تقدم كبير في ملف جزر الكوريل. ورفض بوتين مقترحاً يقضي بنقل جزيرتين فقط من الجزر الأربع المتنازع عليها إلى اليابان.
وبحلول عام 2019، لم يكن هناك أي تقدم نحو اتفاق، وفي عام 2020 غادر آبي رئاسة الوزراء من دون أن يحقق هدفه بتوقيع معاهدة سلام رسمية مع روسيا واستعادة السيطرة على بعض الجزر المتنازع عليها أو جميعها.
وفي مارس 2022، أجرت روسيا مناورات بمشاركة أكثر من 3 آلاف جندي، ومئات من القطع العسكرية على جزر الكوريل، بعد أيام من استدعاء الخارجية اليابانية السفير الروسي لدى طوكيو، في أعقاب انسحاب موسكو من محادثات بشأن الجزر، رداً على الموقف الياباني من غزو أوكرانيا.










