
بعد سلسلة خلافات بددت رهانها على إقامة صلات سياسية وثيقة معه، كشفت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن علاقتها بالرئيس الأميركي دونالد ترمب "دخلت مرحلة من الفتور"، مؤكدة في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" أنهما لم يتحدثا منذ عدة أسابيع.
وعند عودة ترمب إلى البيت الأبيض، كانت ميلوني القادمة من أقصى اليمين تُعتبر أقرب حلفائه المحتملين في أوروبا، فالزعيمان يتبنيان مواقف متقاربة بشأن الهجرة ومواجهة ما يصفانه بثقافة "الووك" (Woke)، وهي توجه فكري يركز على الوعي بالظلم والتمييز.
كما كان يُنظر إلى رئيسة الوزراء الإيطالية باعتبارها جسراً محتملاً بين الإدارة الأميركية والحكومات الأوروبية المتوجسة من سياسات ترمب، لكن ميلوني قالت، في المقابلة إن حساباتها لم تصمد أمام الواقع.
وأضافت: "من الواضح أنني كنت أعتقد أن الأمور ستكون أسهل مع دونالد ترمب، نظراً إلى تقاربنا بشأن الهجرة وثقافة الووك. لكن الأمور سارت على نحو مختلف".
نقطة التحول
الخلافات بين ميلوني وترمب بدأت تتراكم مع هجمات الأخير المتكررة على الاتحاد الأوروبي، وطرحه ضم جزيرة جرينلاند الدنماركية إلى الولايات المتحدة، وانتقاداته للحلفاء الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وبلغ الاستياء الإيطالي مستوى أكبر عندما قال الرئيس الأميركي إن الأوروبيين ظلوا "متراجعين قليلاً إلى الخلف" خلال الحرب في أفغانستان.
وأثارت تلك التصريحات غضباً في إيطاليا، التي فقدت 53 من جنودها في أفغانستان. وقال فابيو رامبيلي، نائب رئيس مجلس النواب الإيطالي وأحد المقربين من ميلوني، إن "إهانة إيطاليا كانت إساءة قاسية بعدما دفعنا ضريبة من الدم في أفغانستان".
أما نقطة التحول المباشرة، بحسب ميلوني، فجاءت في أبريل هذا العام، عندما هاجم ترمب بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، ووصفه بأنه "ضعيف في مواجهة الجريمة وسيئ في السياسة الخارجية"، على خلفية انتقادات البابا للحرب في الشرق الأوسط.
وردت ميلوني آنذاك بأن تصريحات ترمب "غير مقبولة"، ليرد الرئيس الأميركي بوصفها هي أيضاً بأنها "غير مقبولة". وكان ذلك خطاً أحمر بالنسبة إلى رئيسة حكومة بلد يحتضن الفاتيكان ويحتل فيه البابا مكانة دينية ورمزية خاصة.
وتفاقم الخلاف خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا خلال يونيو، بعدما زعم ترمب أن ميلوني "توسلت إليه" لالتقاط صورة معه. وردت رئيسة الوزراء الإيطالية بغضب قائلة: "إيطاليا وأنا لا نتوسل أبداً".
ولم يكن دمج ميلوني بين شخصها وبلادها في الرد مصادفة، إذ عكس هدفاً أوسع تتبناه منذ وصولها إلى السلطة: تغيير صورة إيطاليا من دولة تُعرف بجمالها ومشكلاتها الإدارية إلى قوة تتعامل بجدية وتطالب بموقع مؤثر في السياسة الدولية.
وقالت ميلوني للصحيفة الأميركية: "لا تعجبني فكرة إيطاليا الخاضعة، أو إيطاليا التي ترى نفسها أقل من الآخرين"، مضيفة أن هدفها هو تحقيق "أكبر ثورة يمكن أن تشهدها هذه الأمة: ثورة الكرامة والاعتزاز".
وتسعى ميلوني إلى منح إيطاليا، صاحبة ثامن أكبر اقتصاد في العالم، ثقلاً جيوسياسياً يتناسب مع حجمها الاقتصادي، وإنهاء موقعها التقليدي بوصفها الطرف الأقل نفوذاً بين القوى الغربية الكبرى.
ورغم تدهور علاقتها الشخصية بترمب، أكدت ميلوني أنها لا تندم على محاولتها بناء جسور معه، وقالت إن وحدة الغرب ما زالت أولوية أساسية بالنسبة إليها. وأضافت: "لا أحدد استراتيجية إيطاليا على أساس علاقاتي الشخصية".
لكن حين سُئلت عما إذا كانت ستتحدث مع ترمب بعد العطلة الصيفية، ترددت قبل أن تجيب: "سنرى".
فاتورة ترمب
وقبل تصاعد التوتر بين ميلوني وترمب، ذكرت مجلة "بوليتيكو" إن رئيسة الوزراء الإيطالية لم يعد بإمكانها محاولة إرضاء الرئيس الأميركي في الوقت الذي تستعد فيه لخوض معركة من أجل الفوز بإعادة انتخابها العام المقبل.
وأوضحت أن تداعيات حرب إيران، وضعف الاقتصاد يشكل تهديداً خطيراً لفرصها الانتخابية في عام 2027، إذ يلقي العديد من الناخبين الإيطاليين باللائمة على ترمب في ارتفاع تكاليف الطاقة التي تتحملها أسرهم، وثمة إجماع سياسي متزايد على أن مطالب الولايات المتحدة بزيادة الإنفاق العسكري هي ببساطة أمر لا تستطيع روما تحمله.
وفي مواجهة الواقع السياسي والاقتصادي لبلادها، بدأت الزعيمة الإيطالية بالفعل في النأي بنفسها عن ترمب، حيث انتقدته بشكل علني، ومنعت الطائرات الأميركية من الوصول إلى قاعدة جوية إيطالية.
ووفق المجلة تدرك ميلوني طبيعة ناخبيها، حيث أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "إبسوس" في مايو الماضي، أن 77% من الإيطاليين لديهم نظرة سلبية تجاه ترمب، فيما تذمر الرئيس المرفوض، قائلاً إنها (ميلوني) "لم تعد نفس الشخص".










