الثقة في واشنطن تؤطر استفتاء آيسلندا بشأن الاتحاد الأوروبي | الشرق للأخبار

آيسلندا.. "تراجع الثقة في واشنطن" يؤطر استفتاء مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي

"تهديدات ترمب" بشأن جرينلاند المجاورة و"مخاوف السيادة" تدفع آراء الناخبين إلى تباين واسع

منظر عام لعاصمة آيسلندا ريكيافيك. 12 أغسطس 2026 - Reuters
منظر عام لعاصمة آيسلندا ريكيافيك. 12 أغسطس 2026 - Reuters

تتجه آيسلندا إلى استفتاء حاسم، السبت المقبل، بشأن استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في ظل مخاوف أمنية وجيوسياسية متزايدة، خصوصاً بعد تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه جرينلاند، الجزيرة ذاتية الحكم التابعة للدنمارك المجاورة، إلى جانب جدل داخلي بشأن السيادة ومصائد الأسماك. 

وكالة "أسوشيتد برس"، اعتبرت أن سكان آيسلندا كان لديهم كل الأسباب للقلق، عندما قال ترمب إنه يريد "قطعة من الجليد، باردة وسيئة الموقع"، في إشارة إلى جرينلاند. وأوضحت أن قلقهم لم يقتصر على أن المنطقة التي يرغب ترمب في السيطرة عليها هي أقرب الدول الكبيرة المجاورة لها، بل إنه كرر تسميتها آيسلندا، أربع مرات.

وقد يسهم هذا الخطأ، في الوقت الذي واصل فيه ترمب الضغط في وقت سابق من العام للسيطرة على جرينلاند، في دفع آيسلندا، المعروفة باستقلاليتها الشديدة، وسكانها البالغ عددهم 400 ألف نسمة، إلى الاقتراب أكثر من أوروبا، بينما يدلي الناخبون بأصواتهم، السبت المقبل، بشأن استئناف محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وقالت هيلدور كنوتسدوتير، وهي كاتبة متخصصة في أدب الرعب تعتزم التصويت لصالح عضوية الاتحاد الأوروبي، للوكالة: "لم يعد بإمكاننا حقاً الوثوق في الولايات المتحدة. لم يكن ترمب يمزح بشأن جرينلاند. كان هناك كثير من الخوف هنا في آيسلندا، لأنه إذا استولى على جرينلاند بالقوة، فمن المحتمل أن نكون نحن التاليين".

ويتمثل الخيار المطروح أمام آيسلندا، في مواصلة الاعتماد على نفسها بنجاح، والحفاظ على سيطرتها على موارد طبيعية ثمينة، مثل مصائد الأسماك المربحة والتي تُدار بكفاءة، أو تعزيز علاقاتها مع أوروبا لحماية البلاد بشكل أفضل من الاضطرابات الجيوسياسية، والاستفادة من مزايا اقتصادية، مثل استقرار عملة اليورو وانخفاض أسعار الفائدة والتضخم.

وآيسلندا عضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، كما تشارك بالفعل في السوق الأوروبية الموحدة من خلال المنطقة الاقتصادية الأوروبية، وهي أيضاً جزء من منطقة شنجن التي تتيح حرية التنقل.

السيادة.. جوهر الخلاف

وقالت هولدا ثوريسدوتير، أستاذة العلوم السياسية في جامعة آيسلندا، لـ"أسوشيتد برس"، إن "المسألة بالنسبة إلى طرفي النقاش تتعلق في جوهرها بالسيادة".

وأضافت أن المعارضين يرون أن الدولة التي نالت استقلالها عن الدنمارك في عام 1944، "تتمتع بكل مزايا التكامل الأوروبي دون سلبياته". وتساءلت: "لماذا تتخلى آيسلندا عن ذلك، وهي تحقق أداءً جيداً إلى هذا الحد؟".

وقال هارالدور أولافسون، أستاذ الفيزياء ورئيس مجموعة "هايمسين" المشككة في الاتحاد الأوروبي والمعارضة للعضوية، للوكالة: "استقلال آيسلندا هو أثمن مورد نملكه. القدرة على سن قوانيننا بأنفسنا وتحديد كيفية إدارة الأمور أمر أساسي".

لكن مؤيدي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ينظرون إلى المسألة من منظور عالم سريع التغير، تمثل فيه التحالفات المتبدلة خطراً أمنياً. وقالت ثوريسدوتير، إن بقاء آيسلندا خارج الاتحاد الأوروبي يجعلها عرضة للخطر، وهو ما يهدد سيادتها.

وقالت وزيرة الخارجية والدفاع، ثورجيردور كاترين جونارسدوتير، المؤيدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إنها عندما تسأل أشخاصاً من دول صغيرة مثل أيرلندا وفنلندا ولوكسمبورج، عما إذا كانوا يشعرون بأنهم فقدوا سيادتهم، "ينظرون إليها وكأنها امرأة مجنونة"، ويقولون إن العضوية جعلتهم أقوى.

فكرة قديمة

انتُخبت حكومة رئيسة الوزراء الآيسلندية، كريسترون فروستادوتير الائتلافية، المنتمية إلى يسار الوسط، في عام 2024 على برنامج يتضمن إجراء تصويت على عضوية الاتحاد الأوروبي.

ولم يصوت الآيسلنديون على قرار التقدم بطلب عضوية الاتحاد الأوروبي في عام 2009، بعد انهيار القطاع المصرفي المثقل بالديون في البلاد خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008. وعُلقت مفاوضات الانضمام في عام 2013 بعد وصول حكومة من يمين الوسط إلى السلطة، ثم انتهت رسمياً في عام 2015.

ويمثل الاستفتاء خطوة أولى نحو احتمال انضمام آيسلندا إلى التكتل المؤلف من 27 دولة. وسيجيب الناخبون بقبول أو رفض استئناف آيسلندا مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي حال رفض الناخبين المقترح، فسيُطوى الملف. أما التصويت بنعم فسيفتح الباب أمام عملية تفاوض تستمر سنوات، تتولى خلالها المفوضية الأوروبية تقييم 35 مجموعة من المعايير، بدءاً من الأنظمة المالية وصولاً إلى مصائد الأسماك وشبكات النقل والقوانين المنظمة للزراعة، إضافة إلى حريات مثل حرية التعبير والدين.

وسيحتاج أي اتفاق إلى موافقة جميع الدول الأعضاء الحالية في الاتحاد الأوروبي، ثم سيكون للناخبين في آيسلندا الكلمة الأخيرة بشأن الانضمام.

عقبة حاسمة

اعتمد أحفاد الفايكنج الذين استقروا في آيسلندا على البحر في معيشتهم لقرون، على صيد الأسماك، ولا يزال ذلك جزءاً من الهوية الثقافية للبلاد. وقد خاضوا ما يُعرف بـ"حروب سمك القد" مع بريطانيا للفوز بالسيطرة على مناطق الصيد الخاصة بهم في سبعينيات القرن الماضي.

وكانت مناطق الصيد الغنية في شمال الأطلسي دائماً، نقطة خلاف رئيسية أمام انضمام آيسلندا إلى الاتحاد الأوروبي، بسبب المخاوف من اضطرارها إلى الانضمام إلى السياسة المشتركة لمصائد الأسماك، التي قد تسمح لسفن صيد إسبانية وهولندية وغيرها بدخول مياهها.

ويُنظر إلى أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي لا يحمي حقوق آيسلندا في الصيد، على أنه محكوم عليه بالفشل، لكن جونارسدوتير ومسؤولين آخرين، واثقون من أن أي اتفاق سيمنح قطاع الصيد الآيسلندي استثناءً.

وقالت: "نحن قوة عظمى عندما يتعلق الأمر بمصائد الأسماك. ولن نوقع أي اتفاق لا يؤكد سيادتنا وسيطرتنا الكاملة على مصائد الأسماك لدينا".

وقالت هيدرون لين مارتيينسدوتير، الرئيسة التنفيذية لمنظمة "مصايد آيسلندا" للوكالة، إن المنظمة التجارية للمأكولات البحرية لا تعارض الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إذا حصلت آيسلندا على إعفاء دائم من سياسة مصائد الأسماك، لكنها أشارت إلى أن مثل هذا الاستثناء سيكون سابقة غير معهودة.

وأضافت: "أعتقد أننا بحاجة إلى أن نكون واقعيين جداً بشأن عملية التفاوض وما يمكننا الحصول عليه من المفاوضات. وبصراحة، أعتقد أننا نرفع سقف طموحاتنا كثيراً".

ويبدي آخرون في القطاع، تشككاً أكبر في إمكانية استمرار أي حماية لمصائد الأسماك الآيسلندية، خصوصاً بالنسبة إلى الأنواع التي تعيش في المياه المفتوحة، مثل الرنجة والكبلين والماكريل، والتي تنتقل بين مناطق صيد مختلفة. وقال إينار سيجوردسون، رئيس شركة "إيسفيلاج" للصيد، للوكالة: "سنرى سفن صيد أوروبية هنا في آيسلندا".

"هوس" ترمب بجرينلاند

كانت الحكومة الآيسلندية تعتزم إجراء التصويت بحلول العام المقبل، لكنها قدمت موعده بعد محاولات ترمب المتكررة للاستحواذ على جرينلاند، وهي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي تابع للدنمارك، الحليف القديم للولايات المتحدة.

وقالت جونارسدوتير، وزيرة الخارجية، إن وزارة الخارجية الأميركية طمأنت المسؤولين الآيسلنديين إلى أن ترمب كان يقصد جرينلاند خلال زلات لسانه المتكررة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا.

ولم يساعد في تهدئة تلك المخاوف، أن السفير الأميركي الجديد لدى ريكيافيك، وليام لونج، مازح ذات مرة قائلاً إن آيسلندا ستصبح الولاية الأميركية الـ52 وإنه سيكون حاكمها. واعتذر لاحقاً، لكن تصريحاته دفعت آلاف الآيسلنديين إلى توقيع عريضة تطالب رئيس الوزراء برفض تعيينه.

وقالت جونارسدوتير، إن تلويح ترمب باستخدام القوة أكد أهمية تجمع الاتحاد الأوروبي، بما يضمه من دول صغيرة وكبيرة، ووقوفه ككتلة واحدة إلى جانب جرينلاند والدنمارك.

وأضافت: "من المهم جداً بالنسبة إلينا أن نرى مجموعة من الدول التي تتشارك الأفكار نفسها تقف معاً دفاعاً عن المبادئ والقيم. وهذا أيضاً ما أراه عندما أنظر إلى الاتحاد الأوروبي في هذا العالم المضطرب".

تصنيفات

قصص قد تهمك