
مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" في نهاية 2026، يتصاعد النقاش حول مستقبل دورها في جنوب البلاد، بين تمسّك رسمي ببقائها، وخطط لانسحاب تدريجي، وسط ضغوط خارجية وإسرائيلية لإعادة صياغة طبيعة الوجود الدولي وآليات تنفيذ القرار 1701.
وبينما يبرز الجيش اللبناني كطرف أساسي في المرحلة المقبلة، يبقى شكل البديل وحدود الدور الأممي، موضع تجاذب بين القوى المعنية بالملف اللبناني.
في تصريحات لـ"الشرق"، قال المتحدث باسم "اليونيفيل"، داني الغفري، إن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790، الصادر في 28 أغسطس 2025، مدّد ولاية القوة الأممية للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر من العام الجاري، على أن تبدأ بعد ذلك انسحاباً تدريجياً وآمناً خلال عام 2027.
وأوضح الغفري أن اليونيفيل ملتزمة بتنفيذ قرارات مجلس الأمن، وأنها تعمل على وضع الخطط اللازمة لسحب جميع عناصرها، البالغ عددهم نحو 7 آلاف و500 عنصر، من منطقة عملياتها خلال عام 2027، ما لم يصدر عن مجلس الأمن قرار جديد يمدد الولاية أو يجددها أو يمنح القوة تفويضاً مختلفاً بقرار دولي جديد.
وأشار إلى أن الوضع في جنوب لبنان "لا يزال هشاً"، رغم تراجع مستوى العنف مقارنة بالفترة السابقة من العام، مؤكداً أن "اليونيفيل" ستواصل حتى نهاية العام الجاري مراقبة التطورات الميدانية، ورفع تقارير مفصلة عنها، والعمل مع الأطراف للمساعدة على منع المزيد من التصعيد واستعادة الاستقرار.
وفي ما يتعلق بمستقبل تنفيذ القرار 1701 بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل"، لفت الغفري إلى أن مجلس الأمن الدولي طلب من الأمين العام للأمم المتحدة، عبر القرار 2790، تقديم خيارات إلى المجلس بشأن كيفية الاستمرار بتنفيذ 1701 بعد انسحاب "اليونيفيل".
وأضاف المتحدث باسم "اليونيفيل"، أن الأمين العام وجّه رسالة إلى مجلس الأمن، في مطلع يونيو الماضي، تضمّنت "خيارات حول كيفية الاستمرار بتنفيذ القرار 1701 من خلال وجود أممي في جنوب لبنان لأغراض الرصد والمراقبة ومساعدة الجيش اللبناني"، لافتاً إلى أن الموضوع الآن هو في عهدة مجلس الأمن الذي يملك القرار لتبني أحد هذه الخيارات أو تعديلها أو تبني خيارات أخرى.
التمديد لـ"اليونيفيل"
من جانبه، أكد النائب اللبناني ملحم خلف، أن تمديد ولاية اليونيفيل" يعد "أولوية بالنسبة للدولة اللبنانية"، معتبراً أن وجودها "مظلة أممية" تشكل عامل استقرار في جنوب لبنان.
وفي حديثه لـ"الشرق"، أوضح خلف أن هذا الموقف عبّر عنه رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، كما ترجمته مبادرة نيابية حظيت بتأييد أكثر من 86 نائباً، معتبراً أن ذلك يعكس "قراراً وطنياً جامعاً بالتمسك بالشرعية الدولية وبوجود اليونيفيل".
وأشار إلى أن الأهداف الأساسية التي قامت عليها مهمة "اليونيفيل" منذ عام 1978، والمتمثلة في التحقق من الانسحاب الإسرائيلي، والحفاظ على الأمن والسلام الدوليين، ومساندة الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها "لا تزال قائمة حتى اليوم"، مشدداً على أن أي ملاحظات على أداء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "يجب أن تقود إلى تعزيز قدراتها وفاعلية مهمتها، وليس إلى إخلاء الجنوب منها"، لافتاً إلى ضرورة توفير الإمكانات اللازمة لتنفيذ القرار 1701 بصورة أكثر فاعلية.
وحول احتمالية تعذر تمديد ولاية "اليونيفيل"، اعتبر خلف أن أي صيغة بديلة يجب أن تبقى تحت مظلة الأمم المتحدة، حتى لو تغير اسم المهمة أو شكلها، محذراً من استبدالها بقوة متعددة الجنسيات دون إطار قانوني دولي واضح، واستند إلى تجربة عام 1982، عندما واجهت القوة متعددة الجنسيات ضغوطاً أدت إلى انسحابها.
وتابع: "القوات متعددة الجنسيات قد تكون أكثر عرضة لضغوط حكوماتها وشعوبها عند تعرض أفرادها للخطر، بينما يوفر الإطار الأممي مرجعية قانونية تقوم على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والشرعية الدولية. كما أن غياب اليونيفيل أو أي قوة بديلة تتمتع بمظلة دولية قد يترك الجنوب أمام "شريعة غاب، حيث سيزيد الفراغ الدولي مخاطر عدم الاستقرار ويؤثر في الأمن والسلم الدوليين".
وشدّد النائب اللبناني على أن وجود "اليونيفيل" يُمثل "عامل استقرار ودعم" للجيش اللبناني وحماية لسيادة البلاد، إضافة إلى أن الاستقرار الذي توفره القوة الدولية ضروري لإنجاح أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية، بما فيها اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل".
دور الجيش اللبناني لـ"ملء الفراغ"
وحول الدور الذي ستلعبه المؤسسة العسكرية اللبنانية في ظل المتغيرات الجديدة، قال الخبير العسكري طلال حجازي، إن الجيش اللبناني هو "الجهة الأساسية المعنية بالأمن في جنوب لبنان، لكنه لا يزال بحاجة إلى دعم دولي في المرحلة الحالية، خصوصاً في ظل استمرار التوتر على الحدود".
وفي حديث لـ"الشرق"، رأى حجازي أن "التحدي لا يقتصر على الانتشار العسكري، بل يشمل مراقبة الخط الأزرق، وتوثيق الخروقات، والحفاظ على قنوات الاتصال بين الأطراف، وهي أدوار يوفرها وجود اليونيفيل".
وأشار إلى أن انتهاء ولاية القوة الدولية دون ترتيبات انتقالية واضحة، قد يؤدي إلى "فجوة أمنية يصعب على الجيش اللبناني معالجتها بمفرده"، لافتاً إلى أن البديل، في حال تعذر التمديد، قد يكون إعادة صياغة الدور الدولي بدلاً من إنهائه بالكامل.
بدوره، اعتبر المحلل السياسي محمد فخري، أن انتهاء ولاية "اليونيفيل" لا يعني بالضرورة انتهاء الدور الدولي في جنوب لبنان، بل قد يشكل "انتقالاً إلى صيغة جديدة أكثر ارتباطاً بالضغط السياسي والدبلوماسي على كافة الأطراف".
وقال إن "الدول المؤثرة، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا، ستسعى إلى ضمان استمرار آليات مراقبة تنفيذ القرار 1701، مع تعزيز دور الجيش اللبناني".
وأضاف فخري، في حديثه لـ"الشرق": "قد يتحول انسحاب اليونيفيل إلى ورقة ضغط دولية لإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي في الجنوب، لكن تظل إسرائيل عاملاً ضاغطاً فيما يتعلق بقبولها أو عرقلتها للدول التي يمكن أن تشارك نتيجة التوتر السياسي معها، إذ لا يناسبها حالياً وجود عسكري تركي، ولا تفضل وجوداً فرنسياً أيضاً".
ترتيبات ما بعد "اليونيفيل"
وفي وقت سابق الجمعة، بحث الرئيس اللبناني جوزاف عون مع قائد الجيش رودولف هيكل، الأوضاع الأمنية في البلاد وترتيبات المرحلة التي ستعقب انتهاء مهمة "اليونيفيل".
وقالت الرئاسة اللبنانية، في بيان، إن عون اطلع خلال اللقاء على نتائج زيارة هيكل إلى إيطاليا، والمحادثات التي أجراها مع المسؤولين هناك، والتي تناول جانب منها مرحلة ما بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل".
وكان قائد الجيش اللبناني بحث، خلال زيارته الرسمية إلى إيطاليا من الاثنين إلى الأربعاء، مع نظيره الإيطالي لوتشيانو بورتولانو، ترتيبات مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، إلى جانب سبل تعزيز التعاون بين جيشي البلدين.
وتأتي المباحثات في وقت يشهد جنوب لبنان تطورات أمنية متسارعة، مع استمرار الهجمات الإسرائيلية على قرى وبلدات جنوبية، بالتزامن مع نقاشات بشأن الترتيبات الأمنية المقبلة في المنطقة.
ويتزامن ذلك مع مساعٍ لتنفيذ الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في "صيغة الإطار" الموقعة بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو الماضي، والتي تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من الأراضي اللبنانية مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها ونزع سلاح الجماعات المسلحة.
وتواصل إسرائيل شن هجمات في جنوب لبنان، فيما لا تزال تسيطر على مناطق داخل الأراضي اللبنانية، وسط جهود دبلوماسية وأمنية لتثبيت الترتيبات المتفق عليها.
وكان متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية أبلغ "الشرق"، بأن واشنطن لا تؤيد تمديد ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بعد 31 ديسمبر 2026، معتبراً أنها "فشلت" في أداء مهمتها.
وقال المتحدث الأميركي: "شهدت فترة عمل اليونيفيل 7 جولات من الصراع، وبنى (حزب الله) بنية تحتية عسكرية ضخمة في محيط مواقعها مباشرة، وفي بعض الأحيان استغل وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الجوار لحماية بنيته التحتية أو عملياته".










