
بعد سنوات من الصراع والانقسام وتعثّر مساعي إجراء الاستحقاقات الانتخابية، دخلت الأزمة في ليبيا مرحلة جديدة، بعد توصل الأطراف السياسية والمؤسسية في شرق البلاد وغربها إلى اتفاق بشأن تنفيذ خارطة الطريق التي تيسرها الأمم المتحدة، يتضمن إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً.
وأعلنت لجنة الحوار المصغر في ليبيا "4+4" رسمياً الأحد، توقيع "اتفاق الأطراف المشاركة في الاجتماع المصغر حول تنفيذ خارطة الطريق السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة"، في العاصمة طرابلس، بشأن القوانين الانتخابية ومجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وذلك بتيسير من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بحضور الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه.
وسبق أن وقّعت اللجنة، بالأحرف الأولى، اتفاقاً في تونس يوم 20 أغسطس الحالي، تضمن تفاهمات بارزة، تجاوز المشاركون بمقتضاها أبرز الخلافات التي كانت تعرقل الانتخابات، والمتعلقة أساساً بشروط الترشح.
وينص الاتفاق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ويوصي بتعيين ضو الهمالي رئيساً للمجلس، وسناء الليشاني نائباً له.
"ترشّح العسكريين ومزدوجي الجنسية"
وبخصوص إحدى أكثر نقاط الخلاف بشأن القواعد الانتخابية، يسمح الاتفاق لمزدوجي الجنسية بالترشح في الانتخابات الرئاسية، مع وضع ضمانات لتخلي المرشح الفائز عن الجنسية غير الليبية قبل حلف اليمين الدستورية. كما يسمح بمشاركة العسكريين في الانتخابات الرئاسية مرشحين وناخبين، وفق أطر قانونية وتنظيمية تضمن حياد المؤسسة العسكرية.
ويقترح الاتفاق معالجة قانونية تفضي إلى إعادة العملية الانتخابية في حال عدم تمكن المرشح الفائز من التخلي عن الجنسية غير الليبية قبل حلف اليمين الدستورية. كما ينص على اعتماد القانون رقم (10) لسنة 2014 إطاراً وأساساً لتنفيذ الانتخابات التشريعية.
وينص الاتفاق على إجراء الانتخابات في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، ويلغي إلزامية إجراء جولة ثانية في الانتخابات الرئاسية إذا حصل أحد المرشحين على الأغلبية المطلقة (50% + صوت واحد)، كما ينص على عدم الترابط بين نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالشكل الوارد حالياً في القانون رقم (28) لسنة 2023 والإطار الدستوري.
ورغم الآمال التي يثيرها الاتفاق بشأن إعادة توحيد المؤسسات والمضي إلى الانتخابات، فإن تنفيذه لا يزال يواجه تحديات سياسية، وسط مخاوف من أن يلقى مصير مبادرات سابقة تعثرت قبل الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي. وفي المقابل، رأى خبراء تحدثوا لـ"الشرق" أن الاتفاق يمثل نقلة مهمة نحو معالجة إحدى أبرز العقد التي عطّلت المسار الانتخابي سابقاً، والمتمثلة في الخلافات المتعلقة بالإطار الدستوري والقانوني للانتخابات.
لجنة 4+4.. والمسار الأممي
وفي تعريفه للجنة "الحوار المصغر"، التي تضم ممثلين عن شرق وغرب ليبيا، وتُسمى اختصاراً "4+4"، أشار المحلل السياسي الليبي الكيلاني بن ضو، إلى أنها تضم ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة، إلى جانب أعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة اختارهم الجانبان، لافتاً إلى أنها "ولدت في أبريل الماضي من رحم انسداد سياسي، وفي إطار مقاربة تهدف إلى تحديد سبل الخروج من الأزمة عبر معالجة ملف الانتخابات".
وفي حديثه لـ"الشرق"، قال بن ضو إن اللجنة التي جاءت ضمن المسار الأممي، تهدف أيضاً إلى تعبيد الطريق أمام المؤسسات الليبية لتنفيذ المرحلتين الأوليين من خارطة الطريق التي أعلنتها هانا تيتيه في أغسطس 2025، والمبنية على 3 ركائز، الأولى تتمثل في تطبيق إطار انتخابي يقود نحو إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.
وأضاف: "أما الركيزة الثانية، فتتمثل في توحيد المؤسسات من خلال تشكيل حكومة موحدة جديدة، في حين تنص الثالثة على عقد حوار مهيكل يشمل شرائح واسعة من الليبيين".
ويسعى المسار الأممي برمته، وفقاً لبن ضو، إلى تيسير وصول الأطراف المتنازعة في ليبيا نحو انتخابات تنبثق عنها مؤسسات دائمة وموحدة تضع حداً لسنوات طويلة من الصراع بين حكومتين: واحدة في طرابلس يقودها عبد الحميد الدبيبة، وتدير المناطق الغربية، وحكومة ثانية عينها مجلس النواب مطلع 2022، ويقودها حالياً أسامة حماد ومقرها مدينة بنغازي وتدير منها كامل شرق البلاد ومعظم مدن الجنوب.
كما أوصى المجتمعون بتسمية 6 أعضاء في المجلس الجديد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا، وهم علي الطايع عبد الجواد، وهيثم علي الطابولي، وعلي أبو صلاح، ممثلين عن مجلس النواب، في حين تمت تسمية سناء الليشاني، وبيدوي محمد بيدوي وعلي مفتاح المبروك، ممثلين عن المجلس الأعلى للدولة.
تحديات التنفيذ
وتنص الوثيقة في مادتها الخامسة على أن تعمل الأطراف، بدعم أممي، على اعتماد الاتفاق وطنياً عبر آلية واسعة التمثيل تكفي لإضفاء صفة الوثيقة الدستورية عليه، ودولياً عبر مجلس الأمن، بما يضمن التزام جميع الأطراف بأحكامه، وذلك إذا لم يتمكن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة من الموافقة عليه بصيغته الموقعة خلال شهر من تاريخ توقيعه.
وجاء في الوثيقة أن يضع أعضاء الاجتماع المصغر، بالتعاون مع البعثة الأممية، إطار عمل لمتابعة تنفيذ الاتفاق في غضون شهرين من توقيعه، يشمل متابعة المسائل المتعلقة بالتنفيذ واستكمال التدابير الواجب اتخاذها.
ولم يقتصر هذا التقييد الزمني على الجزئية المذكورة فحسب، بل ذكرت الوثيقة أنه في حال تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، في مدة أقصاها 24 شهراً، في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، تتعاون الأطراف مع بعثة الأمم المتحدة للوصول إلى آلية تفضي إلى الاستحقاق الانتخابي.
ويعتمد الاتفاق القانون رقم (28) لسنة 2023 أساساً لإجراء الانتخابات الرئاسية، مع إدخال تعديلات على الإطار الدستوري والقانوني المنظم لها.
كما حدد الاتفاق عدد التزكيات المطلوبة للترشح للانتخابات الرئاسية بـ20 ألف تزكية من الناخبين المسجلين من جميع أنحاء ليبيا.
وينص الاتفاق كذلك على تخويل البرلمان المنتخب معالجة مسائل الدستور الدائم، بما في ذلك اعتماده.
كما يقر الاتفاق بحق الأحزاب السياسية في المشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية عبر مرشحين أفراد في جميع الدوائر الانتخابية.
وتنص الوثيقة على أن جلسات مجلس النواب المنتخب والسلطة التنفيذية تُعقد دورياً وفق ترتيب ثابت بين طرابلس وبنغازي وسبها.
كما جاء في الوثيقة أن الأحكام الختامية تنص على أن أحكام الاتفاق تحل محل ما يتعارض معها من أحكام واردة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات.
وتنص المادة السابعة أيضاً على أن الأطراف تلتزم بحل أي خلاف يتعلق بأحكام الاتفاق عبر حوار مباشر وبحسن نية، مع إمكان دعوة البعثة الأممية إلى عقد لقاء لمناقشة المسائل ذات الصلة بناءً على طلب أحد الأطراف.
كما يشير الاتفاق إلى مراجعة الأحكام المنظمة للطعون الانتخابية بما يضمن اتساقها مع أحكامه المتعلقة بالإطار الانتخابي.
وجاءت الوثيقة موقعة من كل من: عن حكومة الوحدة الوطنية: وليد عمار اللافي، ومصطفى محمد علي المانع، وعن القيادة العامة: الشيباني أبو همود، وعبد الرحمن موسى العبار، وعضوي المجلس الأعلى للدولة عبد الجليل الشاوش وعلي عبد العزيز عبد السلام، وعضوي مجلس النواب زائد هدية عطية وآدم صالح أبو صخرة، وذلك بحضور الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه.
دعم دولي
وفي بيان مشترك صدر الأربعاء، أعلنت فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان ومالطا وهولندا وإسبانيا وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، دعمها للاتفاق الموقع بالأحرف الأولى، في موقف فسّره مراقبون على أن هذه البلدان تنظر للتفاهمات على أنها قاعدة يمكن البناء عليها لتجاوز حالة الجمود واستعادة المسار السياسي.
وفي تصريحات لـ"الشرق"، أعرب سعد بن شرادة عضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، عن تأييده لهذا الطرح، وقال إن لجنة "4+4" ستكون مدعومة محلياً ودولياً، معتبراً أن "ما ظهر من البيان المشترك للدول الغربية يُعد مؤشراً على أن مخرجات اللجنة ستنال قبولاً".
بدوره، جدّد عصام الجهاني عضو مجلس النواب في ليبيا تأييده للتوافق "منذ اليوم الأول لهذين المسارين (اللجنة المصغرة والمبادرة الأميركية)"، خصوصاً، وفق قوله، "في ظل مشاركة الولايات المتحدة، ما يعني أن الملف يحظى بأهمية كبيرة".
وأيد الجهاني، خلال حديثه لـ"الشرق"، كل ما ورد في الاتفاق مما يمكن أن يوحد هذه الدولة ومؤسساتها، باستثناء "ما يُشكل تدخلاً في السيادة الليبية، لأن هذا فقط ما أعتبره خطاً أحمر".
تحفظات ومخاوف أحزاب ليبية
وكانت الأحزاب قد أعلنت، قبل التوقيع النهائي، تحفظاتها على مسودة الاتفاق، مطالبة بتوضيحات بخصوص نقاط متعلقة بالترشح الفردي للانتخابات (من بنود الاتفاق)، وبالنشر العاجل للاتفاق وجميع الترتيبات والقوانين الانتخابية المرتبطة به.
وقال سامي الصيد، رئيس حزب "المستقلين الديمقراطي"، أحد التيارات الموقعة على البيان، إن حزبه "لا يعتبر تفاهمات اللجنة نهائية للمسار السياسي، بل نؤكد أن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل الدولة والقواعد الانتخابية يجب أن تقوم على توافق وطني واسع ولا تفرض عبر تفاهمات مغلقة أو خارج المؤسسات والآليات المتوافق عليها".
وفي حديثه لـ"الشرق"، أكد الصيد أن لديهم "تحفظات واضحة، أبرزها غياب دور حقيقي للأحزاب السياسية في ليبيا والقوى الوطنية، والتخوف من العودة إلى نظام انتخابي يعيد الإنتاج الفردي، وهو قانون رقم 10 لسنة 2014، وهذا القانون قطع فيه البرلمان شوطاً كبيراً بوصوله إلى لجنة 6+6 ومخرجاتها، واعتمد القانون رقم 27 لسنة 2023 كإطار قانوني للانتخابات القادمة".
وشدّد على أن "تعديلات القوانين الانتخابية واضحة ومتوافق عليها، ويجب ألا تتحول إلى وسيلة لإطالة أمد المرحلة الانتقالية".
ونجحت اللجنة المشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة المعروفة باسم "6+6" في إعداد قوانين انتخابية، لكنها لم تستطع في النهاية الوصول إلى إجراء انتخابات، وهذه الفجوة، بحسب خبراء، تحاول لجنة "4+4" تلافيها من خلال تحقيق الخطوة الأصعب، المتمثلة في خلق توافق واسع حول الجهة المنفذة لضمان عدم الوقوف عند نقطة صياغة النصوص.
والتحفظ نفسه أبداه عبد السلام القريتلي، الناطق باسم حزب "صوت الشعب" وأحد الموقعين على البيان، إذ قال لـ"الشرق" إن من أبرز أسباب تحفظ الأحزاب استبعادها من العملية الانتخابية، معتبراً أن ذلك "يناقض الإعلان الدستوري وتفاهمات 6+6 في 2023 التي نصت على أن يكون للأحزاب دور سياسي".
من جانبه، لفت عضو مجلس الدولة الليبي سعد بن شرادة إلى أن لجنة "4+4" جاءت بعد "عجز المجلسين (النواب والأعلى للدولة) عن تطبيق خارطة الطريق (الأممية) المعتمدة في أغسطس 2025، وطبعاً هذه اللجنة جاءت للتطبيق على الأرض".
أما بشأن الأحزاب الرافضة للمخرجات، فرأى بن شرادة أنه "لن يكون لها تأثير في المشهد الراهن، حيث كما يعلم الجميع، الأحزاب في ليبيا لا تزال غير منظمة بدرجة تسمح بأن يكون لها تأثير في الشارع".
بدوره، اعتبر النائب عصام الجهاني أن تحفظات الأحزاب الليبية "تعكس رأيها وتوجهاتها الخاصة، ولا بد أن ندرك أنه ليس كل ما يتم التوافق عليه سيكون بالضرورة على مقاس معين، فالأمر في النهاية يتعلق بعملية توافق تتطلب تنازلات من هنا وهناك من أجل التوصل لخارطة تقود نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية".
هل يُنهي الاتفاق الصراع على السلطة؟
وفي طرحه لتحفظات الأحزاب، قال سامي الصيد، إن الحل "يكمن في حوار سياسي شامل تشارك فيه الأحزاب والتكتلات ومؤسسات الدولة والقوى الاجتماعية، بناء على مخرجات لجنة 6+6، بدلاً من فتح مسار مواز".
ورأى أن المسار الموازي "سيدخلنا في نقاشات لا أول لها ولا آخر"، معتبراً أن "مخرجات لجنة 4+4 أقصت الجميع وكأنها هي الجهة التشريعية والتنفيذية وصاحبة القرار الأول والأخير، وفي الوقت نفسه، فإن البعثة الأممية مساند فني لا غير لمساعدة الليبيين على الخروج من هذه الأزمة ومن الجمود السياسي وإنهاء المراحل الانتقالية".
واستدرك الصيد مضيفاً: "اليوم نرى أن البعثة الأممية هي صاحبة القرار، وهذا ما يظهره الإنذار الأممي لمجلسي النواب والدولة بأنه في حال عدم توافقهما على الاتفاق، سيتم اللجوء إلى مجلس الأمن، هنا يمكن أن نقول إننا أيضا سنتوجه -كأحزاب سياسية- لهذا المجلس لنتقدم بشكوى ضد البعثة بأنها حصلت على اختصاصات ليست من شأنها، لأن هذا الأمر يظل من اختصاص السلطتين التشريعية والتنفيذية في ليبيا".
وتابع: "لذلك نحن نريد انتخابات حقيقية تنهي المراحل الانتقالية، وتفضي لتأسيس دولة مدنية موحدة ومؤسسات مستقرة، وهذا لن يتحقق بالإقصاء أو الصفقات المغلقة بل بتوافق وطني يضمن مشاركة الجميع ويحترم إرادة الشعب الليبي".
وتظل صياغة النصوص ووضع خرائط الطريق للحل في ليبيا أمراً نظرياً إلى حد ما، وفق المحلل السياسي بن ضو، الذي أكد أن الاختبار الأصعب بعد تفاهمات اللجنة المصغرة يكمن في تحديد الشرعية القانونية وآليات التنفيذ.
واعتبر أن "اللجنة تنتقل بالخلاف من مرحلة التفاوض على القاعدة الانتخابية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتطلب الإجابة على سؤال كيف نجري الانتخابات؟ وهل نحن قادرون فعلاً على تحويل هذا التوافق إلى إطار قانوني نافذ؟ والأهم من ذلك كيف نضمن قبول الأطراف بنتائج الانتخابات في مرحلة ما بعد الاقتراع؟".
ويخلص بن ضو إلى أنه "لا يمكن إنكار أن الاتفاق يأتي كاختراق لحالة الجمود السياسي الذي عطل التوافق بين مجلسي النواب والدولة، لكنه يظل مع ذلك نجاحاً جزئياً، بانتظار الكثير من الجهد والخطوات العملية والضمانات".
تقاطعات اتفاق "4+4" ومبادرة بولس
اتفاق اللجنة الليبية المصغرة فتح النقاش حول مدى انسجام خارطة الطريق التي تطرحها مع المبادرة الأميركية لتسوية الأزمة في ليبيا، والتي يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس.
وتراهن المقاربة الأميركية على خطوات اقتصادية وأمنية تدريجية تعتقد إدارة الرئيس دونالد ترمب أنها تهيئ الأرضية لإنهاء الانقسام في ليبيا وتوحيد مؤسسات الدولة، بدلاً من البدء بحسم الخلافات الدستورية والانتخابية.
ويرى المحلل السياسي الليبي محمد امطيريد أنه "لا ينبغي النظر إلى (مسودة 4+4) والمبادرة الأميركية كمسارين منفصلين أو متنافسين، بل كوجهتين لمقاربة واحدة للحل في ليبيا".
وفي حديثه لـ"الشرق"، قال امطيريد إن الاتفاق يعالج الجانب المتعلق بالقوانين الانتخابية والقاعدة التي يمكن أن تنطلق منها العملية الانتخابية، بينما تتحرك المبادرة الأميركية في اتجاه معالجة شكل السلطة وترتيب مراكز النفوذ والمرحلة السياسية التي تسبق الانتخابات.
وأضاف: "بالتالي، فإن قيمة المسودة لا تكمن فقط في حل الخلاف حول القوانين الانتخابية، إنما في كونها يمكن أن تُشكل إحدى الركائز الأساسية للوصول إلى اتفاق سياسي شامل ينهي حالة الانسداد التي استمرت لسنوات".
ويعتقد امطيريد أن "الحديث عن حل نهائي للأزمة لم يعد مرتبطاً فقط بإجراء الانتخابات، لكن بقدرة هذه المسارات مجتمعة على معالجة جذور الصراع وترتيب السلطة وضمان قبول الأطراف بنتائج العملية السياسية".
وتابع: "لذلك، الاختبار الحقيقي الآن ليس في إنتاج اتفاق جديد، بل في تحويل هذه التفاهمات إلى مسار تنفيذي واحد تكون نهايته واضحة، وهي إنهاء المرحلة الانتقالية والوصول إلى تسوية سياسية تقود إلى انتخابات ومؤسسات شرعية ومستقرة".
لكن للمسؤول الحزبي الليبي عبد السلام القريتلي رأي مختلف، إذ اعتبر أنه لا تفاصيل حتى الآن لمبادرة بولس، مشيراً إلى أن حزبه يتبنى رؤية مغايرة تشمل "تشكيل حكومة ليبية بضمانات دولية ومدة ولايتها لا تتجاوز عام ونصف على أن يكون هناك استفتاء على هوية الدولة والدستور".
من جهته، اعتبر يوسف الفارسي، أستاذ العلوم السياسية في ليبيا، أنه يمكن اعتبار تفاهمات "4+4" عنصراً مكملاً للمسار الأميركي، وليس بالضرورة مساراً منافساً له، خصوصاً أن المسارين يلتقيان عند هدف أساسي هو كسر حالة الجمود السياسي، وتوحيد مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات".
وفي حديث لـ"الشرق"، لفت الفارسي إلى أن اللجنة المصغرة كانت قد توصلت إلى مسودة تفاهم تتعلق بالإطار القانوني والانتخابي، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي قضايا كانت تمثل إحدى أبرز نقاط التعطيل. وطرح الفارسي 3 مسارات متوازية ومتكاملة لحل الأزمة، هي:
3 مسارات متوازية ومتكاملة لحل الأزمة الليبية
- المسار الأميركي: يركز بصورة أكبر على توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات الاقتصادية والأمنية، وخلق تفاهم بين القوى الفاعلة شرقاً وغرباً، وقد شملت الجهود الأميركية بالفعل ملفات مثل الميزانية الموحدة والتعاون العسكري والأمني.
- مسار (4+4): يعالج العقدة الانتخابية والتشريعية، أي توفير الإطار الذي يمكن أن يسمح بإجراء الانتخابات، ومعالجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية والمفوضية.
- المسار الأممي: يوفر المظلة الدولية والشرعية السياسية، ضمن خارطة طريق أوسع تشمل الانتخابات، وتوحيد المؤسسات، والحوار حول قضايا الحكم والمصالحة.
وأضاف المحلل السياسي الليبي أن "الأهمية الحقيقية لا تكمن في الاتفاق بحد ذاته، إنما في قدرته على إزالة إحدى أهم العقبات أمام الانتخابات. فإذا نجحت اللجنة في تحويل تفاهماتها إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، فإنها قد تنقل الملف الليبي من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء المسار الانتخابي".
وتابع الفارسي: "لكن نجاحها سيعتمد على القدرة على تحويل التفاهمات من وثائق سياسية إلى التزامات ملزمة، وعلى قبول الأطراف الرئيسية بنتائج المرحلة الانتقالية والانتخابات. وهذا هو الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة".
ردود الفعل على الاتفاق
في وقت أبدت تيارات سياسية ليبية تحفظات على اتفاق "4+4"، رحّبت القوى الموقعة عليه بما اعتبرته خطوة مهمة في طريق حل القضايا العالقة في البلاد.
وقد وصفت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه الاتفاق بأنه "محطة مهمة" على طريق تحقيق الاستقرار والوحدة الوطنية في ليبيا، مؤكدة أنه "يدعم الجهود الجماعية الرامية إلى تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الوطنية وتوحيد المؤسسات".
ودعت المبعوثة الأممية، في كلمتها خلال مراسم التوقيع "جميع أصحاب المصلحة إلى العمل على تنفيذ أحكام الاتفاق ضمن الإطار الزمني المحدد"، لافتة إلى أن نجاح الاتفاق جاء "ثمرة النقاشات التي بدأت في العاصمة الإيطالية روما في 29 أبريل، واستمرت عبر 7 جولات من المحادثات في مقر البعثة في تونس".
من جانبه، شدد وليد اللافي رئيس وفد حكومة "الوحدة الوطنية" في طرابلس بلجنة 4+4، على أن "كل الحلول منقوصة ومؤقتة ما لم تتوجه نحو الانتخابات"
وبدوره، أكد الشيباني أبو همود، رئيس وفد سلطات الشرق باللجنة، أن توقيع الاتفاق يشكل "ثمرة تضافر الأطراف الرئيسية والقوى الفاعلة"، معتبراً أن "الانتخابات هي الوسيلة الأقل تكلفة والمتاحة أمامنا لتجديد شرعية مؤسساتنا".
ورحّب رئيس حكومة "الوحدة الوطنية" في طرابلس عبد الحميد الدبيبة بالاتفاق، معتبراً أنه "خطوة مهمة" نحو إنهاء المراحل الانتقالية والذهاب إلى الانتخابات، ومؤكداً أن رؤيته تقوم على أن يكون القرار للشعب الليبي عبر استحقاق ينهي الانقسام ويمنح المؤسسات شرعيتها، بعيداً عن أي ترتيبات تعيد إنتاج الأجسام القائمة، معرباً عن أمله في أن يفتح الاتفاق الطريق أمام استحقاق وطني يقود ليبيا نحو الاستقرار والبناء.
وفي الشرق، لم يتأخر رد فعل السلطات على توقيع الاتفاق، حيث رحّب قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر بالتقدم الذي قال إنه جاء "بعد أشهر من المناقشات والمحادثات البناءة التي انخرطت فيها القيادة العامة، سعياً لإنهاء حالة الانسداد السياسي بالبلاد".
وبحسب بيان نشرته القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية عبر "فيسبوك"، أكد "القائد العام أن توقيع الأطراف الليبية على مخرجات الاجتماع المصغّر يمثل تقدما في معالجة قضايا تعثّرت معالجتها منذ سنوات، وتسببت في عرقلة إرادة الليبيين في التقدم نحو إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية".
كما أعرب عن تأييد القيادة العامة لنتائج الاجتماع المصغر، والتزامها "بالعمل لتوحيد دولة ليبيا، والدفاع عن مطالب الشعب الليبي في إنهاء حالة الفوضى والانقسام".
وفي شرق ليبيا أيضاً، أصدر مجلس النواب بياناً أكد فيه دعمه لـ"كل المبادرات والمساعي التي تقود إلى تسوية سياسية شاملة، وتعامله مع جميع المبادرات من منطلق الحرص على المصلحة الوطنية".
وشدد المجلس في بيانه على استعداده للتعاطي الإيجابي مع كل ما من شأنه أن يساهم في إنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي، والخروج من الأزمة الراهنة، والوصول إلى تفاهمات وتوافقات تُفضي إلى تكوين سلطة موحدة وتوحيد مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف الملائمة للمضي قدماً نحو الاستحقاقات الانتخابية.
غياب مؤسسات بارزة
لكن الاتفاق الذي وصفته الأمم المتحدة بأنه "محطة مهمة" على طريق توحيد المؤسسات والاستحقاق الانتخابي، وحظي بتأييد القوى المشاركة فيه، غابت عن مراسم توقيعه مؤسسات ليبية رئيسية، في مقدمتها المجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي.
ويأتي غياب المجلسين في أعقاب تحفظات أبداها كلاهما قبل التوقيع، حيث طالب رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بالاطلاع على النص الكامل للاتفاق قبل اتخاذ قرار بحضور مراسم التوقيع. وفي المقابل، اعتذر المجلس الأعلى للدولة رسمياً عن المشاركة عبر رسالتين منفصلتين وجههما إلى تيتيه خلال الأيام الماضية.
وعلى الرغم من أن رئيس المجلس محمد تكالة أكد دعمه لإجراء الانتخابات، فإنه اعتبر أنه "لا يمكن حسم القضايا الجوهرية في المسار السياسي من خلال مسار محدود التمثيل، ولم يكن المجلس شريكاً في صياغة مخرجاته".
ولم تعلق البعثة الأممية في ليبيا حتى الآن على موقفي المجلسين.












