
سمحت المحكمة العليا الأميركية في قرار منقسم، الاثنين، بمواصلة أعمال بناء قاعة الاحتفالات الفاخرة التي يعتزم الرئيس الأميركي دونالد ترمب إقامتها في البيت الأبيض، وتتواصل أعمال تشييد القاعة لتحل محل الجناح الشرقي الذي هُدم الخريف الماضي ضمن المشروع، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز".
وقال القضاة إن دعاة الحفاظ على المباني التاريخية الذين اعترضوا على بناء القاعة، التي تبلغ مساحتها 90 ألف قدم مربع وتُقدّر تكلفتها بنحو 400 مليون دولار، لا يتمتعون بالصفة القانونية اللازمة لرفع الدعوى، لأنهم لم يتعرضوا لضرر مباشر جراء المشروع.
وأكدت أغلبية القضاة أن القرار لا يتناول قانونية المشروع نفسه، بل يقتصر على تحديد مَن يملك الصفة القانونية للطعن فيه. ووفق "نيويورك تايمز"، يمثل القرار عملياً انتكاسة كبيرة لأبرز طعن قانوني ضد المشروع، ما يرجح تمكّن ترمب من مواصلة أعمال البناء.
وفي انقسام غير معتاد، خالف رئيس المحكمة العليا جون روبرتس الابن والقضاة الليبراليون الثلاثة قرار الأغلبية. وكتب روبرتس في رأي مخالف مطوّل أن البيت الأبيض "مبنى أميركي أيقوني ترتبط رمزيته وتاريخه بهندسته المعمارية".
وألغى قرار الاثنين أحكاماً قضائية صادرة عن محاكم أقل درجة كانت تقضي بوقف أعمال البناء فوق سطح الأرض، بعدما خلصت المحاكم الأدنى إلى أن الإدارة تجاوزت صلاحياتها بالمضي قدماً في تغييرات كبيرة في مجمع البيت الأبيض من دون الحصول على موافقة الكونجرس.
مشروع يتجاوز قاعة الاحتفالات
وتُعد قاعة الاحتفالات، التي يتضمن مشروع إنشائها مخبأً عسكرياً محصناً تحتها، أحد المشاريع التي يعيد ترمب من خلالها تشكيل معالم واشنطن على نطاق واسع خلال ولايته الثانية، بحسب "نيويورك تايمز".
وكان الرئيس الأميركي قد اقترح بناء قوس نصر بارتفاع 250 قدماً بالقرب من واشنطن وأرلينجتون بولاية فرجينيا. كما ضغط حلفاؤه من أجل وضع اسمه على مركز جون إف. كينيدي للفنون المسرحية، حتى بعد أن أمر قاضٍ بإزالة اسمه من المبنى.
لكن قاعة الاحتفالات تحمل أهمية شخصية خاصة بالنسبة إلى ترمب، الذي طالما صرّح بأن البيت الأبيض بحاجة إلى مساحة أكبر لاستقبال الضيوف المهمين من دون الاضطرار إلى نصب خيمة في الحديقة الجنوبية.
المحكمة تتدخل مجدداً
ويمثل قرار المحكمة العليا المرة الثانية خلال أقل من أسبوعين التي تتدخل فيها المحكمة بشأن المشروع. ففي المرة الأولى، في 21 أغسطس الماضي، أصدر رئيس المحكمة روبرتس قراراً مؤقتاً من جملة واحدة، عُرف باسم "الوقف الإداري"، لإتاحة وقت إضافي لزملائه للنظر بصورة أكثر شمولاً في طلب الإدارة منع تنفيذ أحكام المحاكم الأدنى التي كانت ستعرقل مشروع الرئيس.
ويتولى رئيس المحكمة النظر في الطلبات العاجلة الواردة من محكمة الاستئناف الأميركية لدائرة مقاطعة كولومبيا، وقد أصدر القرار الأول بصورة منفردة ومن دون توضيح أسبابه، ما سمح بمواصلة أعمال البناء. أما القرار الجديد، فصدر عن هيئة المحكمة بكامل أعضائها التسعة.
وقد توسع نطاق المشروع خلال الأشهر الأخيرة، مع تركيز الرئيس ومحاميه بصورة متزايدة على اعتبارات الأمن القومي، وباتوا يشيرون إلى المشروع باسم "المجمع العسكري وقاعة الاحتفالات". ويتضمن المشروع تحديثاً كبيراً للمخبأ الموجود أسفل البيت الأبيض، والذي بُني خلال الحرب العالمية الثانية ويُعرف باسم مركز عمليات الطوارئ الرئاسي.
طعن على المشروع
ورفعت منظمة "National Trust for Historic Preservation" دعوى للطعن في المشروع، وهي منظمة غير ربحية أنشأها الكونجرس لحماية المباني العامة.
وقالت المنظمة إن إحدى العضوات القديمات في المنظمة، وهي أليسون ك. هوجلاند، من سكان مقاطعة كولومبيا ومؤرخة معمارية، تعرضت لضرر شخصي ومهني جراء هدم أحد أبرز المباني العامة في الولايات المتحدة، والذي كانت تمر بجواره بانتظام وتتناوله بالدراسة والتحليل في عملها.
وفي مذكرة قدّمها محامو المنظمة إلى المحكمة، قال دعاة الحفاظ على التراث إن تصرفات الرئيس الأميركي انتهكت الدستور والقوانين الفيدرالية، التي منحت الكونجرس سلطة البت في طبيعة المنشآت المسموح بإقامتها على الأراضي الفيدرالية في واشنطن. وأكدوا للقضاة أن الإدارة تسعى عملياً إلى تجاوز المحاكم من خلال تسريع وتيرة أعمال بناء القاعة.
وكتب محامو المنظمة أن "محاولات إحباط المراجعة القضائية والاستيلاء على صلاحيات الكونجرس الحصرية لا ينبغي مكافأتها بقرار من المحكمة يسمح للإدارة باستكمال قاعة الاحتفالات لم تكن تملك أي صلاحية لبدء بنائها من الأساس".
واقترحت المنظمة أن توقف المحكمة أعمال البناء فوق سطح الأرض، وأن تحدد موعداً لجلسات مرافعة شفهية عاجلة في أكتوبر أو نوفمبر المقبلين للنظر في القضية بصورة معمقة، وذلك عبر المسار القضائي المعتاد، بدلاً من إصدار حكم فوري باعتبار القضية مسألة طارئة مؤقتة.
أحكام سابقة أوقفت البناء
وفي مارس الماضي، أصدر القاضي ريتشارد جي. ليون، الذي ينظر في القضايا أمام المحكمة الجزئية في واشنطن، قراراً أولياً بوقف أعمال البناء، لكنه علّق تنفيذ القرار مؤقتاً لإتاحة المجال أمام الإدارة للاستئناف.
وكتب القاضي: "في حين آخذ على محمل الجد مخاوف الحكومة بشأن سلامة وأمن أراضي البيت الأبيض والرئيس نفسه، فإن وجود حفرة كبيرة بجوار البيت الأبيض يمثل، بطبيعة الحال، مشكلة من صنع الرئيس نفسه".
وفي أغسطس، أصدرت محكمة الاستئناف في واشنطن حكماً بأغلبية اثنين مقابل واحد ضد الرئيس، في رأي مطول قال إن الكونجرس يملك سلطة التحكم في الممتلكات الفيدرالية، وإنه لم يتنازل عن صلاحياته للرئيس لإعادة تصميم "بيت الشعب" بصورة جذرية بما "يتناسب مع رغبات رئيس بعينه".
وسرعان ما طلبت إدارة ترمب من المحكمة العليا التدخل، قائلة للقضاة إن الوقت قد فات عملياً لوقف المشروع، وإن القيام بذلك سيعرّض الرئيس وأسرته للخطر. ووفقاً للوثائق التي قدمتها الحكومة إلى المحكمة، واصل فريق يضم 250 عاملاً أعمال البناء على مدار 20 ساعة يومياً، طوال أيام الأسبوع، وقد اكتمل المشروع بنسبة 65%.
تمويل حكومي
وأشارت الصحيفة إلى أن ترمب كان قد روّج لتمويل قاعة الاحتفالات الفاخرة من خلال تبرعات خاصة، غير أن الإدارة حوّلت في يونيو الماضي نحو 350 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب إلى جهاز الخدمة السرية لتمويل "تعزيزات أمنية" للقاعة والمخبأ.
وأعلن جهاز الخدمة السرية أنه يخطط لإنفاق 220 مليون دولار لـ"تحصين" القاعة التي لا تزال قيد الإنشاء، ضد الهجمات، بما يشمل تركيب زجاج مضاد للرصاص، وتكنولوجيا لرصد الطائرات المسيّرة، وأنظمة للكشف عن التهديدات الكيميائية وغيرها والتعامل معها. كما تشمل أعمال التحديث الممولة من أموال دافعي الضرائب منشأة لفحص الزوار بتكلفة 180 مليون دولار، بحسب "نيويورك تايمز".










