بعد زيارة شي إلى مصر: 3 مسارات لإعادة تشكيل الشراكة مع الصين | الشرق للأخبار
خاص

3 مسارات تعيد رسم الشراكة.. ماذا بعد زيارة الرئيس الصيني إلى مصر؟

خبراء صينيون لـ"الشرق": الأمن الإقليمي والتكنولوجيا والمعادن الحيوية في صدارة التعاون

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينج في جولة داخل المتحف المصري الكبير بالجيزة. 2 سبتمبر 2026 - Reuters
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينج في جولة داخل المتحف المصري الكبير بالجيزة. 2 سبتمبر 2026 - Reuters
القاهرة-

أضافت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر زخماً جديداً إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، مع بروز الأمن الإقليمي والتقنيات الناشئة وسلاسل الإمداد الاستراتيجية باعتبارها مجالات رئيسية للتعاون، إلى جانب تعميق التبادلات الثقافية وتبادل الزيارات بين الشباب.

وكان الأمن الإقليمي محوراً رئيسياً في مباحثات شي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، في وقت تتزايد فيه أوجه الترابط بين الصراعات والتوترات في أنحاء الشرق الأوسط، وتسعى فيه القاهرة وبكين إلى تعزيز التنسيق بينهما.

وقال الرئيس الصيني إنه أجرى مباحثات معمقة بشأن الوضع في المنطقة مع نظيره المصري في القاهرة، الأربعاء، وشدد على أن بكين تدعم دول المنطقة في بناء بنية "أمنية جديدة للشرق الأوسط"، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء الصينية (شينخوا).

مبادئ شي الأربعة

وخلال الزيارة، طرح شي 4 مبادئ لبنية أمنية جديدة في الشرق الأوسط، تركز على تولي دول المنطقة زمام المبادرة، واعتماد حلول شاملة، وتحقيق الاستقرار القائم على التنمية، وتعزيز التنسيق الدولي.

وشدد الرئيس الصيني أيضاً على ضرورة عدم تهميش القضية الفلسطينية. ويعطي هذا الطرح أولوية أكبر لدور دول المنطقة في معالجة تحدياتها الأمنية، مع الجمع بين الحلول السياسية والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.

وقال وزير الخارجية الصيني وانج يي، بعد زيارة شي، إن المبادئ الأربعة تقدم حلاً صينياً لتحقيق السلام والاستقرار على المدى الطويل في المنطقة.

وتؤدي مصر تقليدياً دوراً مهماً في الدبلوماسية العربية والوساطة في النزاعات الإقليمية، ولا سيما في القضية الفلسطينية. كما أن موقعها الجغرافي، الذي يربط الشرق الأوسط وأفريقيا والبحر المتوسط، يمنح القاهرة مصلحة مباشرة في استقرار المنطقة.

وقال يو هونج جون، نائب وزير الدائرة الدولية السابق للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، لـ"الشرق" إن الصين ومصر تتمتعان بمكانة مهمة باعتبارهما "دولتين محوريتين" في آسيا والشرق الأوسط.

وأشار يو إلى أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط دخلت مرحلة بالغة التعقيد، مع وقوع أزمات متعددة في الوقت نفسه.

وأضاف: "لقد تحول الوضع الأمني في الشرق الأوسط من صراعات منفصلة إلى أزمات مترابطة ومتعددة الجبهات"، لافتاً إلى أن أي تصعيد في إحدى بؤر التوتر قد ينتشر سريعاً عبر أسعار الطاقة وتكاليف الشحن وحركة اللاجئين وغيرها من الشبكات الإقليمية. وقال إن هذا الترابط يجعل استقرار الدول الإقليمية الكبرى أكثر أهمية على نحو متزايد.

وبالنسبة إلى مصر، ترتبط القدرة على الصمود الاقتصادي والقدرات الأمنية والتطور التكنولوجي ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على أداء دور إقليمي في تحقيق الاستقرار. وقال يو إن مصر المستقرة، التي تتمتع باقتصاد قادر على الصمود وقدرات دفاعية قوية وإمكانات تكنولوجية متقدمة، يمكن أن تمثل قوة مهمة بحد ذاتها لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.

وقال سون ديجانج، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة "فودان"، لـ"الشرق" إن مبادئ شي الأربعة توضح رؤية الصين ونهجها لبناء بنية أمنية إقليمية جديدة. 

كما تجاوزت العلاقة الأمنية بين بكين والقاهرة نطاق التنسيق الدبلوماسي، إذ عزز البلدان التبادلات العسكرية والأمنية، فيما أصبح التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب والأمن جزءاً من الشراكة الثنائية الأوسع.

وبالنسبة إلى القاهرة، يوفر التنسيق الاستراتيجي الوثيق مع بكين قناة إضافية للتعاون مع قوة عالمية كبرى، ويدعم في الوقت نفسه دور مصر باعتبارها طرفاً إقليمياً مؤثراً. أما بالنسبة إلى بكين، فإن الثقل السياسي لمصر وموقعها الجغرافي يجعلان منها شريكاً مهماً في التعامل مع منطقة تتشابك فيها بشكل متزايد قضايا الأمن والطاقة والتجارة والنقل.

وأضاف سون أن البلدين يتشاركان خصائص عدة باعتبارهما قوتين صاعدتين، إذ تتيح مواقعهما لكل منهما فرصاً للتكامل مع الأخرى. ويعكس تعاونهما تطلعاً مشتركاً إلى أن تتمكن القوى الناشئة من أداء دور بنّاء في تطوير نظام دولي أكثر تعددية، والمساهمة في إرساء نظام عالمي أكثر توازناً.

من الرقائق إلى المعادن الحيوية

وعكست الأجندة الاقتصادية للزيارة مساعي البلدين إلى الارتقاء بشراكتهما إلى ما هو أبعد من البنية التحتية التقليدية والتجارة، لتشمل الصناعات كثيفة الاعتماد على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد الاستراتيجية.

وشهد الجانبان توقيع نحو 25 وثيقة تعاون تغطي مجالات من بينها "مبادرة الحزام والطريق"، والذكاء الاصطناعي، والتجارة، والصناعة، وسلاسل الإمداد.

ودعا البيان المشترك الصادر عن الصين ومصر خلال الزيارة إلى توسيع نطاق التعاون في مراكز البيانات وأشباه الموصلات وسلاسل إمداد المعادن الحيوية، إلى جانب الثقافة والسياحة.

ويأتي التركيز على البنية التحتية الرقمية في وقت تسعى فيه مصر إلى تسريع تحولها الرقمي وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتكنولوجيا والتصنيع والخدمات اللوجستية.

وتزداد أهمية مراكز البيانات والحوسبة السحابية في تطوير الذكاء الاصطناعي وغيره من الخدمات الرقمية، فيما يمكن للتعاون في مجالي الاتصالات والأمن السيبراني أن يعزز البنية التحتية الداعمة للاقتصاد الرقمي في مصر.

وأوضح تشاو جون، الأستاذ المشارك في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية، لـ"الشرق"، أن التعاون مع الصين في مجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتقنيات الجيل الخامس، والمعدات المتقدمة، يمكن أن يعزز القدرات التكنولوجية والصناعية لمصر.

وأضاف تشاو أن تعميق التعاون مع الصين يمكن أن يمنح مصر مساحة أكبر لتطوير قدراتها التكنولوجية والصناعية الخاصة، في ظل تزايد القيود على التكنولوجيا وتشتت سلاسل الإمداد العالمية، مشيراً إلى أن التركيز على أشباه الموصلات يعكس تحولاً محتملاً آخر في العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وبدلاً من التركيز على استيراد المنتجات النهائية فحسب، تسعى الصين ومصر إلى تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والقدرات الصناعية وتطوير المهارات.

ومن شأن بناء القدرات في القطاعات المرتبطة بأشباه الموصلات، رغم ما يتطلبه ذلك من استثمارات كبيرة وخبرات فنية، أن يساعد مصر على الانتقال إلى صناعات ذات قيمة مضافة أعلى.

وتمثل المعادن الحيوية ركيزة ناشئة أخرى في هذا التعاون، فقد اكتسبت المعادن اللازمة للسيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم أهمية استراتيجية، مع سعي الدول إلى تعزيز قدرة سلاسل إمدادها الصناعية على الصمود.

ومن خلال تحديد سلاسل إمداد المعادن الحيوية كمجال للتعاون، تفتح الصين ومصر المجال أمام فرص تعاون تمتد من تطوير الموارد ومعالجتها إلى التصنيع في المراحل النهائية.

"مصر 2030" و"الحزام والطريق"

واتفق البلدان أيضاً على تعزيز المواءمة بين "رؤية مصر 2030" و"مبادرة الحزام والطريق"، بما يشمل التعاون في مجالات الصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي.

وبالنسبة إلى مصر، تزداد أولوية جذب الاستثمارات، بالتوازي مع توسيع القدرات الإنتاجية المحلية، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص عمل للعمالة الماهرة.

أما بالنسبة إلى الصين، فإن تعزيز التكامل الاقتصادي مع مصر يوفر فرصاً لربط الشركات وشبكات الإنتاج الصينية بالأسواق في أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وتشير هذه الاتفاقات إلى تحول تدريجي في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مع ازدياد أهمية البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم وتحول الطاقة وسلاسل الإمداد الاستراتيجية، إلى جانب التعاون التقليدي في مجال البنية التحتية.

التبادل الثقافي

ويشكل التبادل الثقافي والتواصل بين الشعبين المسار الرئيسي الثالث للشراكة بين الصين ومصر، وقد زار شي والسيسي المتحف المصري الكبير، في خطوة سلّطت الضوء على الروابط بين الشعبين والتفاعل الحضاري المتبادل.

وقال يو هونج جون، لـ"الشرق"، إن أهمية العلاقات الصينية المصرية تتجاوز التعاون السياسي والاقتصادي، موضحاً أن بكين والقاهرة تمثلان حضارتين عريقتين حافظتا على تقاليدهما الثقافية المميزة، مع بقائهما منفتحتين على التبادل مع الحضارات الأخرى. وأضاف أن تفاعلهما يقدم مثالاً على كيفية تمكن الدول ذات التجارب التاريخية المختلفة من تعميق التفاهم المتبادل من خلال الحوار والتبادل الثقافي.

وأشار يو إلى أن تطور العلاقات الثنائية بين البلدين يظهر أن التعاون بين الدول لا ينبغي أن يقوم على المصالح الاقتصادية أو الاعتبارات الجيوسياسية فحسب، إذ إن الاحترام المتبادل والتعلم بين الحضارات يمكن أن يوفرا أيضاً أساساً مستداماً لعلاقات أوثق.

ولذلك، حملت زيارة المتحف المصري الكبير دلالة تتجاوز رمزيتها الثقافية، إذ عكست جهود البلدين لربط تراثهما الحضاري المشترك بالتعاون المعاصر في مجالات السياحة والتعليم والثقافة.

وقد دعا البيان المشترك بين الصين ومصر بشأن تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين إلى توسيع التعاون في مجالي الثقافة والسياحة، إلى جانب تعزيز التبادلات في مجالات التعليم والبحث العلمي وبرامج الشباب.

ويوفر قطاع السياحة إمكانات كبيرة، إذ يجعل التراث الأثري والثقافي مصر وجهةً دوليةً رئيسية، فيما يمثل الزوار الصينيون مصدراً محتملاً مهماً للنمو في قطاع السياحة المصري. ويسعى الجانبان أيضاً إلى توسيع التعاون في الخدمات المرتبطة بالسياحة وتعزيز التبادلات بين المؤسسات الثقافية والتعليمية.

كما تكتسب برامج التبادل الشبابي أهمية متزايدة مع توسع نطاق التعاون الثنائي ليشمل مجالات جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية والتصنيع المتقدم والتنمية المستدامة. ولا تتطلب هذه القطاعات رأس المال والبنية التحتية فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى مهنيين وباحثين ومهندسين من ذوي المهارات العالية. ومن ثم، فإن التركيز على تنمية الموارد البشرية في إطار التعاون الثنائي الأوسع يربط بين الأبعاد التكنولوجية والاقتصادية للشراكة ومجالات التعليم والتبادل بين الشعبين.

ولذا، فإن زيارة شي سلّطت الضوء على العلاقات الصينية المصرية، التي تتشكّل بصورة متزايدة حول ثلاث أولويات مترابطة هي الاستقرار الإقليمي، والتطور التكنولوجي والصناعي، وتعميق التبادل بين الشعبين.

تصنيفات

قصص قد تهمك