
أثارت تصريحات أخيرة لوزيرين في الحكومة الإسرائيلية، هما وزير الدفاع يسرائيل كاتس ووزير الأمن القومي إيتمار بن جفير، بشأن تهجير أهالي قطاع غزة، قلقاً واستنكاراً عالمياً، لكن مراقبين في إسرائيل، والمواطنين في فلسطين، يؤكدون أن منهج التهجير بات سياسة حكومية رسمية، وأنه أصبح، بعد هجوم 7 أكتوبر، مكوناً من مكونات الخطاب السياسي للتيار السياسي المركزي في إسرائيل.
وكتب الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية في معهد "ديان" الدكتور ميخائيل ميليشتاين، مؤخراً، مقالاً في صحيفة "يديعوت أحرونوت" حمل عنوان "خطر تطبيع فكرة التهجير" قائلاً: "منذ 7 أكتوبر، تغير موقف الإسرائيليين من فكرة التهجير بصورة دراماتيكية. وفي ظل الصدمة، انتقلت الفكرة إلى قلب الخطاب العام، وأصبحت جزءاً من أجندة أحزاب اليمين، في تطور يعكس استبدال التفكير المعقد والواقعي بالأوهام".
وأضاف: "كان خطاب التهجير حاضراً في الحركة الصهيونية منذ نشأتها. وبحث كبار قادتها مراراً إمكانية نقل السكان العرب من أرض إسرائيل، غالباً من خلال إغراءات اقتصادية، أو باتفاق مع دول قريبة وبعيدة. وكانت غزة، المرتبطة بقضية اللاجئين، تحتل دائماً مكانة مركزية في هذا النقاش، ولا سيما منذ أن سيطرت عليها إسرائيل عام 1967، حين جرى الدفع بمشاريع عديدة، وفاشلة، لتقليص عدد سكان القطاع أو إفراغه من سكانه".
خطة بن جفير
وطرح بن جفير مؤخراً، خطة تهدف إلى تهجير عدد كبير من سكان قطاع غزة، بما يشكل نسبة تتراوح بين 84% إلى 87% منهم، خلال فترة تصل إلى سبع سنوات، وتوفر تمويلاً كبيراً لتنفيذ هذه الخطة.
وأعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن أفكار مماثلة لما أسماه بـ "التهجير الطوعي" لسكان القطاع.
تقويض أسس الحياة في الضفة الغربية
وفي الضفة الغربية، تقوم الحكومة الإسرائيلية، منذ بدء الحرب على غزة، بتطبيق سياسية يرى المسؤولون والمراقبون على السواء، بأنها تهدف إلى تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من خلال جعل الحياة بالغة الصعوبة أو مستحيلة.
وتشمل هذه السياسية تقويض أسس الحياة والبقاء من خلال مصادرة وإغلاق الجزء الأكبر من الأراضي، ومنع العمال من العمل في إسرائيل، ووقف الإيرادات الجمركية التي تشكل حوالي 70% من ميزانية السلطة، وتوظيف ميليشيات للمستوطنين تقوم بطرد التجمعات السكانية الواقعة في أطراف المدن، والاستيلاء على مواشيهم وحقولهم، وإطلاق النار على كل من يقف في وجههم دون أن يتعرضوا لأي نوع من المساءلة.
قتل وتهجير
آخر ضحايا هجمات المستوطنين شابان قتلا في قرية المغير، شرق رام الله، الأسبوع الماضي. وقبلهم قتل المستوطنون شابين في هجمات مماثلة على قرية دير جرير، و3 آخرين في هجوم قرية أبو فلاح، وعدد آخر في هجمات على قرى قصرة وجالود وغيرها من القرى المحيطة بمدن رام الله ونابلس والخليل وبيت لحم.
وبينت تقارير مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية "أوتشا" أن المستوطنين قتلوا 40 فلسطينياً في الضفة الغربية، منذ بدء الحرب على غزة، وان الجنود قتلوا أكثر من ألف مواطن في عمليات اقتحام.
تهجير سكان المخيمات
وشملت الإجراءات الإسرائيلية تهجير سكان ثلاثة مخيمات في شمال الضفة، وتدمير غالبية المباني فيها، إضافة إلى أكثر من 118 تجمعاً سكانياً جرى تهجيرهم على أيدي المستوطنين.
قيود صارمة على الحركة
وأقام الجيش الإسرائيلي مئات الحواجز والبوابات على مداخل القرى والمدن، وقيد حركة المواطنين بصورة كبيرة، ما ترك آثاراً حادة على الاقتصاد وعلى الحياة الاجتماعية.
وشمل ذلك فرض قيود على السفر وعلى الحركة الخارجية، مثل تقليص ساعات العمل على المعبر الخارجي الوحيد للضفة الغربية وهو معبر "اللنبي" مع الأردن، ما خلق أزمة تنقل حادة أثناء الصيف.
صعوبات أمام الحركة اليومية
وأدت الإجراءات الإسرائيلية هذه إلى خلق صعوبات كبيرة أمام الحركة اليومية للمواطنين في عملهم وفي حياتهم الاجتماعية.
وقال أحد الموظفين العاملين في مدينة رام الله، إنه لم يتمكن من الوصول إلى عائلته في بلدة قرب جنين، شمال الضفة الغربية، منذ بدء الحرب، سوى ثلاث مرات، بسبب القلق من التعرض لهجمات المستوطنين، إضافة إلى الانتظار ساعات طويلة على الحواجز العسكرية.
وأضاف: "لدي زوجة وأطفال، ولا أستطيع المغامرة بتعريضهم لاعتداءات المستوطنين المميتة، ولا للاحتجاز ساعات طويلة أمام الحواجز العسكرية في حر الصيف أو في برد الشتاء".
أزمة اقتصادية حادة
وأدت الإجراءات الإسرائيلية من قيود ومصادرة واحتجاز أموال السلطة وطرد المزارعين من حقولهم وسرقة مواشيهم من قبل ميليشيات المستوطنين، إلى أزمة حادة في الاقتصاد الفلسطيني، بحيث ارتفعت نسبة البطالة إلى 30٪ وتضاعفت البطالة المقنعة وأصبحت نسبة كبيرة من المواطنين غير قادرة على توفير احتياجاتها الأساسية.
أحد الموظفين في مدينة رام الله، شرح تأثير هذه الإجراءات على عائلته قائلاً: "لدي 7 إخوة وأخوات يعيشون في البلدة، جميعهم يعملون في أعمال خاصة، هذا لديه محل ألبسة، وذاك محل أحذية، أو بقالة صغيرة وهكذا، جميعهم يعملون، لكن لا أحد قادر على توفير احتياجات عائلته والسبب أن حركة الأسواق تراجعت بصورة كبيرة جراء منع العمال من العمل وعدم قدرة السلطة على دفع رواتب موظفيها".
تكافل اجتماعي
ويعتمد كثير من الفلسطينيين في حياتهم على التكافل الاجتماعي، حيث يوفر العاملون في الخليج العربي أو في الولايات المتحدة وأوروبا وأميركا اللاتينية الدعم لأبناء عائلاتهم المتضررة في البلاد.
فشل التهجير في غزة
ووجه الجيش الإسرائيلي عدة دعوات لسكان قطاع غزة لمغادرته أثناء الحرب، لكن المواطنين كانوا يغادرون المناطق المستهدفة إلى مناطق أخرى داخل القطاع.
ولعبت مصر دوراً في منع تهجير سكان القطاع إلى أراضيها، خشية من تفريغه.
درس التاريخ
وقال رئيس الوزراء السابق الدكتور محمد اشتية، في مقابلة مع "الشرق"، إن "تجربة التهجير في العامين 1948 و1967 علمت الفلسطينيين درساً تاريخياً بعدم مغادرة أرضهم حتى لو أدى ذلك إلى الموت".
وأضاف: "مهما اشتدت الضغوط والجرائم الإسرائيلية لن تجد فلسطينياً واحداً يغادر البلد ليعيش في مخيم تقيمه الأمم المتحدة في الأردن أو مصر أو لبنان أو سوريا، فالفلسطينيون يعلمون ما ينتظرهم من بؤس وشقاء في مخيمات اللجوء خارج الوطن، لذلك لن يغادر أحد".
التحدي السكاني
ويرى الدكتور اشتية والكثير من السياسيين الفلسطينيين أن بقاء الفلسطينيين في أرضهم هو التحدي الأكبر للمشروع التهجيري الاستيطاني. وقال: "بعد كل مواجهة، يجد الإسرائيليون أن أمامهم عدداً من الفلسطينيين يساوي أو يزيد عن عدد اليهود، وبالتالي لا أحد قادر على نفي الآخر".
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت الدكتور علي الجرباوي لـ"الشرق"، إن "المشروع الصهيوني في فلسطين قام على تهجير الفلسطينيين وإحلال اليهود محلهم، لكنه فشل في ذلك، وأصبح عدد الفلسطينيين يساوي عدد اليهود، وهو ما جعل دولة إسرائيل مثل الذي بلع المنجل".
وأضاف: "أقاموا المستوطنات كي تجثم على صدور الفلسطينيين وتدفعهم للهجرة، لكن الفلسطينيين في ذات الوقت بقوا في أرضهم، يجثمون على الإسرائيليين، إلى أن يجدوا حلاً".
مصير الخطة الإسرائيلية
وحذر الدكتور ميخائيل ميليشتاين، في مقاله، الإسرائيليين، من التهجير، فكرة وممارسة، قائلاً إن "تطبيع التهجير، ناهيك عن الدفع بسبل تنفيذه، سيضر - بل بدأ بالفعل بالإضرار - بشرعية إسرائيل في العالم وبصورتها كدولة متزنة".
وأضاف: "يبدو أن معظم المواطنين الإسرائيليين لا يدركون ذلك ولا يفهمون تداعياته، وفي مقدمتها تصاعد الضغوط والعقوبات والعزلة".
واختتم تحذيره قائلاً: "لقد انهارت عبر التاريخ شعوب قادتها أوهام منفصلة عن الواقع وتصورات خلاصية، واليهود يعرفون ذلك جيداً، ولا سيما من تجربة خراب الهيكل الثاني".









