كندا والولايات المتحدة تراهنان على تصعيد الحرب التجارية | الشرق للأخبار

مع دخول الرسوم حيز التنفيذ.. كندا والولايات المتحدة تراهنان على تصعيد الحرب التجارية

شاحنة تجارية تعبر الحدود بين الولايات المتحدة وكندا في ولاية ميشيجان الأميركية. 18 مارس 2020 - Reuters
شاحنة تجارية تعبر الحدود بين الولايات المتحدة وكندا في ولاية ميشيجان الأميركية. 18 مارس 2020 - Reuters

دخلت الرسوم الجمركية الكندية على مئات المنتجات الأميركية، والتي تتراوح بين 15% و50%، حيز التنفيذ، الثلاثاء، فيما يراهن رئيس الوزراء مارك كارني على أن مواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ستعزز في نهاية المطاف موقف أوتاوا التفاوضي مع أكبر شريك تجاري لها، وفق "بلومبرغ".

وبموجب قرارات حكومة كارني، فإن الرسوم الجمركية تشمل واردات العديد من منتجات الصلب الأميركية بنسبة تصل إلى 50% بدلاً من 25%، بالإضافة إلى مجموعة من السلع الاستهلاكية، من بينها الدراجات النارية، ومستحضرات التجميل، والأجبان، وغيرها.

وستلحق الإجراءات الكندية ضرراً بالغاً بالمصدرين الأميركيين، لا سيما في ولايتي ميشيجان وأوهايو، اللتين تربطهما علاقات تجارية وثيقة مع كندا، وتشهدان منافسة انتخابية محتدمة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر المقبل.

وتُعد هذه الخطوة، بحسب "بلومبرغ"، مخاطرة محسوبة بالنسبة إلى كارني، الذي ألغى قبل عام العديد من الرسوم الجمركية المضادة التي فرضها سلفه جاستن ترودو.

وقال مسؤولون في إدارة ترمب مراراً، إنهم لن يتسامحوا مع أي تدابير انتقامية، مشيرين إلى أن دولتين فقط، كندا والصين، لجأتا إلى فرض رسوم مضادة. غير أن المسؤولين رفضوا تحديد كيفية أو موعد رد ترمب المحتمل بإجراءات جديدة من جانبه.

وقال بريان كلاو، المستشار الكندي البارز لشؤون التجارة والعلاقات مع الولايات المتحدة في عهد ترودو، لـ"بلومبرغ": "تهدف الرسوم الانتقامية الكندية إلى جعل تكلفة هذه الحرب التجارية ملموسة بما يكفي بالنسبة إلى الشركات والمستهلكين الأميركيين، بحيث ترى واشنطن حافزاً واضحاً للعودة إلى طاولة المفاوضات".

وأضاف: "كندا لا تفرض هذه الرسوم لأنها تريد حرباً تجارية، بل تفرضها لأنها تريد إنهاء هذه الحرب".

انهيار مفاجئ للمفاوضات

وكان المفاوضون الأميركيون والكنديون قد سعوا لأسابيع إلى التوصل لاتفاق لخفض التوترات التجارية، وبدا أنهم اقتربوا من تسوية، إذ أعلن ترمب في 18 أغسطس الماضي أن الجانبين توصلا إلى اتفاق مبدئي، ومنحهما مُهلة ثلاثة أيام لتسوية التفاصيل، لكن الاتفاق انهار لاحقاً.

وأدى انهيار المحادثات إلى أسبوعين من الانتقادات المتبادلة والاتهامات بين الحكومتين، إذ حمّل كل طرف الآخر مسؤولية إفشال الاتفاق في لحظاته الأخيرة.

واستمرت المناوشات الكلامية خلال عطلة نهاية الأسبوع، إذ شبّه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت كندا، في مقابلة مع شبكة Fox News، بـ"كلب صغير كثير النباح" ينبح على كلب أكبر بكثير.

فيما وجّه ترمب تهديداً مبطناً آخر، الأحد، إذ كتب في منشور على منصة Truth Social: "اختلال سعر صرف الدولار الكندي مقابل نظيره الأميركي غير مقبول. كان الأمر كذلك لسنوات، لكن ذلك لن يستمر!". ورفض البيت الأبيض توضيح ما كان يقصده بهذه الكلمات.

ودخلت رسوم جمركية أميركية بنسبة 50% على سلع كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار حيز التنفيذ في 22 أغسطس الماضي. وأعلن مسؤولون كنديون تفاصيل رسومهم المضادة بعد ثلاثة أيام، مستهدفين سلعاً أميركية تعادل قيمتها تقريباً قيمة السلع الكندية الخاضعة للرسوم.

اقرأ أيضاً

واشنطن تصعّد وكندا ترد.. هل دخل الحلف الاقتصادي بين البلدين مرحلة جديدة؟

تدخل العلاقات الأميركية الكندية مرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعد انهيار المفاوضات التجارية وفرض واشنطن رسوماً بنسبة 50% على سلع كندية، ورد أوتاوا برسوم مماثلة.

وهددت إدارة ترمب بالرد عبر اتخاذ تدابير إضافية ضد كندا، ما يمهد لاحتمال تصاعد النزاع التجاري بصورة أكبر، وفق "بلومبرغ".

وأشار الممثل التجاري الأميركي جيميسون جرير، إلى أن فرض مزيد من الرسوم، بل وحتى حظر استيراد سلع معينة من كندا بشكل كامل، يظل من الاحتمالات المطروحة، لكن موعد اتخاذ هذه الخطوات لا يزال غير واضح.

وفي غضون ذلك، وقّع ترمب أمراً بإعادة تسمية بحيرة أونتاريو إلى "بحيرة أميركا" على الخرائط الأميركية، ونشر العديد من الرسائل على وسائل التواصل الاجتماعي التي تنتقص من شأن كندا. كما اتهم مسؤولوه كارني علناً بتخريب المفاوضات.

وقال وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك، في مقابلة مع "بلومبرغ": "لقد قرروا، لأسباب سياسية داخلية، أنهم يفضلون خوض مواجهة مع دونالد ترمب، حتى لو كان ذلك يضر بالاقتصاد الكندي".

وقال مسؤول كندي، تحدث شريطة عدم كشف هويته، إنه حتى بعد ظهر الأحد، لم تكن هناك أي اجتماعات جديدة مقررة مع الإدارة الأميركية. 

دعم سياسي لخطط التصعيد

وقال كارني إن البيت الأبيض قدّم مطالب "غير مقبولة" كانت ستنتهك السيادة الكندية وتضر بصناعاتها، بما في ذلك قطاع الشاحنات الثقيلة.

كما انتقد رئيس الوزراء الكندي، استعداد إدارة ترمب للتخلي عن اتفاقيات التجارة أو تجاهلها، مثل اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. وقال: "أدركنا أن التوقيع عليها كان يُكتب أحياناً بقلم رصاص".

وأظهرت استطلاعات للرأي، دعماً لقرار كارني الانسحاب من المفاوضات والرد بفرض رسوم جمركية مضادة، إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Nanos Research، الأسبوع الماضي، أن ما يقرب من ثلاثة أرباع المشاركين قيّموا أداءه في إدارة ملف التجارة بأنه "جيد" أو "جيد جداً".

وعلى الرغم من انهيار المحادثات بصورة مفاجئة، فقد أشارت الحكومتان منذ ذلك الحين إلى حل بعض نقاط الخلاف.

ورفض الجانب الأميركي تصريحات كارني بأن قضية حماية اللغة الفرنسية تشكّل عقبة أمام التوصل إلى اتفاق، فيما أكد الكنديون علناً أن هذه المسألة حُلّت بالفعل.

وفيما ألمح كارني للصحافيين الأسبوع الماضي إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لتوسيع الإعفاء من الرسوم الجمركية على السيارات ليشمل المركبات المتوسطة والثقيلة، وصف مسؤول أميركي، تحدث شريطة عدم كشف هويته، هذا الادعاء بأنه غير صحيح.

ضغوط على الاقتصاد الكندي

وحتى مع بقاء مسائل أخرى دون حل، هناك أسباب تدفع كندا إلى محاولة التفاوض على هدنة وتهدئة التوترات.

ويأتي ذلك في وقت يتسم فيه أداء الاقتصاد الكندي بالتفاوت. فبعد فترة من الركود، عاود النمو الارتفاع في الربع الثاني من العام، فيما ارتفع معدل تسريح العمال في الصناعات التي تعتمد على الطلب الأميركي على صادراتها، وفق بيانات هيئة الإحصاء الكندية.

وقد تساعد الرسوم الجمركية المضادة التي تفرضها كندا في حماية بعض الشركات المصنعة المحلية، لكنها ستؤدي إلى زيادة التكاليف وإلحاق الضرر بالعديد من قطاعاتها الصناعية، وفق تقرير أعدته مؤسسة Oxford Economics.

وتشير التقديرات إلى أن التأثير المشترك للرسوم الأميركية والرد الكندي وبرامج الدعم الفيدرالية ذات الصلة سيؤدي إلى خفض الناتج بنحو 0.3% مقارنة بالتوقعات الأساسية.

وبعد انهيار المحادثات، الشهر الماضي، أعلن ترمب أنه سيرفع الرسوم على السيارات إلى 50% بدلاً من 25% حالياً، كما سيفرض رسوماً بنسبة 50% على قطع السيارات، على أن يدخل القراران حيز التنفيذ في الأول من يناير المقبل.

ولم يتخذ الرئيس الأميركي بعد أي خطوات رسمية لتنفيذ هذه الرسوم، وليس واضحاً ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل الانتقام الذي توعد به رداً على الرسوم التي فرضها كارني.

وقال كارني الأسبوع الماضي، إن حكومته تسعى إلى التوصل إلى اتفاق "دائم"، مضيفاً: "نحن مستعدون للجلوس والتوصل إلى هذا الاتفاق عندما يكون الأميركيون مستعدين"، مجدداً التأكيد أنه لن يوقّع أي اتفاق ما لم يضمن حفاظ قطاعات السيارات والصلب والألومنيوم الكندية على قدرتها التنافسية.

كما دعا رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون، إلى استئناف المفاوضات، قائلاً: "أعتقد أن الجميع يريدون حدوث ذلك. نحتاج إلى أن تأتي كندا إلى طاولة المفاوضات، وأن تتعامل بحُسن نية، وأن تعمل على حل هذه المسألة، لأنها مهمة جداً لكلا البلدين، وأعضاء هذا المجلس يؤمنون بذلك، وأعتقد أن معظم الكنديين يؤمنون بذلك أيضاً".

تصعيد يعقد خيارات التهدئة

صحيفة "نيويورك تايمز"، أشارت إلى دخول الرسوم الجمركية الكندية الجديدة على واردات أميركية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، حيز التنفيذ، الثلاثاء، في أحدث تصعيد للحرب التجارية بين البلدين.

وتشمل الرسوم سلعاً أميركية واسعة، بينها الملابس والجبن وقطع المعادن والمنتجات الخشبية، ورغم محدودية التأثير الاقتصادي المباشر للرسوم الجديدة، تتزايد المخاوف من تحول المواجهة إلى سلسلة من الإجراءات الانتقامية المتبادلة، ترفع كلفة التجارة وتضر بالأسر والشركات على جانبي الحدود.

وفي كندا، سعى رئيس الوزراء مارك كارني إلى تأكيد موقف بلاده في مواجهة ضغوط واشنطن، واصفاً كندا بأنها "في حالة حرب"، بينما تعهد مسؤولون بالرد "دولاراً مقابل دولار" على أي رسوم أميركية جديدة.

في المقابل، صعّد ترمب هجومه على كندا قبل ساعات من دخول الرسوم الجديدة حيز التنفيذ، مهدداً بفرض رسوم إضافية على السيارات الكندية، ومشيراً إلى إمكانية وقف التجارة الثنائية بالكامل.

واستهدف الرئيس الأميركي أيضاً شركة الطائرات الكندية "بومباردييه"، معلناً أنه لن يكون هناك "مزيد من بيع بومباردييه في الولايات المتحدة"، كما اتهم كندا بمنع البنوك والشركات الأميركية من العمل داخل أراضيها.

ودعا ترمب الأميركيين إلى مقاطعة بعض المنتجات الكندية وشراء السلع المحلية، قائلاً: "اشتروا المنتجات الأميركية. سافروا على متن الطائرات الأميركية"، في تصعيد جديد للهجته تجاه أوتاوا.

وحذّر براد وود، المدير الأول لشؤون التجارة والابتكار في المجلس الوطني للتجارة الخارجية، من أن الإجراءات الانتقامية ستضر بالشركات والمستهلكين في البلدين، مشيراً إلى أن كل تصعيد "يضيف حواجز جديدة يصعب على الجانبين تفكيكها لاحقاً".

تصنيفات

قصص قد تهمك