
وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند للمشاركة في قمة مجموعة "بريكس"، فيما تختبر حرب إيران والقتال في أوكرانيا مساعي التكتل لتعزيز نفوذه الاقتصادي ومنحه صوتاً أكبر في الشؤون العالمية، وفق "بلومبرغ".
وتُعد هذه أول مشاركة لبوتين حضورياً في قمة "بريكس" خارج روسيا، منذ اندلاع حرب أوكرانيا في فبراير 2022. كما سيشارك الرئيس الصيني شي جين بينج في القمة، في أول زيارة له إلى الهند منذ 7 سنوات.
وتجمع القمة، التي تستمر يومين وتنطلق السبت في نيودلهي، قادة بعض أكبر الاقتصادات الناشئة في العالم، في وقت تمنح فيه التوترات الجيوسياسية زخماً جديداً للجهود الرامية إلى تعزيز التجارة بالعملات المحلية، وتسهيل التبادل التجاري بين دول التكتل، وتعميق التعاون الاقتصادي داخله.
وتضم "بريكس"، وهي اختصار لأسماء البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، مجموعة من الدول التي تمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي للعالم ونحو نصف سكانه. ويضم التكتل حالياً 10 أعضاء كاملي العضوية، من بينهم بعض أكبر منتجي ومستهلكي الطاقة في العالم.
ومن المقرر أن يشارك في القمة أيضاً الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، ورئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس إندونيسيا برابوو سوبيانتو، إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش.
ويتضمن جدول أعمال الجمعة، منتدى أعمال "بريكس"، ومعرضاً تجارياً روسياً هندياً.
وأثار تنامي نفوذ التكتل الاقتصادي والسياسي، غضب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي هدد العام الماضي بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول التي تنضم إلى ما وصفه بـ"السياسات المناهضة لأميركا" التي يتبناها التكتل. وفي الوقت نفسه، وجد بعض أعضاء المجموعة أنفسهم في معسكرات متعارضة بشأن الحرب المستمرة في الشرق الأوسط.
محادثات ثنائية وتكتلات إقليمية
ومن المتوقع أيضاً أن يعقد بوتين مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي محادثات ثنائية، في وقت تسعى فيه روسيا إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع الهند، التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على قطاع الطاقة.
وقد برزت روسيا كواحدة من أكبر موردي النفط للهند منذ غزو أوكرانيا، ما دفع حجم التجارة بين البلدين إلى مستويات قياسية.
ومن المقرر أن يلتقي مودي أيضاً قادة الدول الـ21 المشاركة، إلى جانب ممثلين عن الأمم المتحدة وخمس تكتلات إقليمية هي مجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الإفريقي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، ومبادرة خليج البنغال للتعاون الاقتصادي والفني "بيمستيك"، ومجموعة دول أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
وتضم "آسيان" 11 دولة في جنوب شرق آسيا، بينما تجمع "بيمستيك" سبع دول لتعزيز التعاون الاقتصادي والفني في المنطقة المحيطة بخليج البنغال.
أبرز ملفات القمة
ومن المتوقع أن تركز قمة "بريكس" على تعزيز الأمن الغذائي وأمن الطاقة، وتطوير الأنظمة الصحية، والاستعداد للكوارث، وتأمين سلاسل الإمداد الحيوية، في وقت تسعى فيه الهند، الدولة المضيفة، إلى تقديم التكتل باعتباره مصدراً للاستقرار في عالم يزداد انقساماً.
وتنعقد القمة بينما يواجه الاقتصاد العالمي تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا، والأزمة في الشرق الأوسط، والمواجهات في مضيق هرمز، إلى جانب الرسوم الجمركية والسياسات التجارية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وقالت الهند، التي تتولى رئاسة المجموعة في الدورة الحالية، إن القمة ستركز على تعميق التعاون والتنسيق في السياسات بين الأعضاء، وتعزيز قدرتهم على التعامل مع حالة عدم اليقين العالمي، واضطرابات سلاسل الإمداد، والمخاطر المناخية، ومجموعة من التحديات الأخرى.
ومن المتوقع أن تحظى حالة عدم اليقين الاقتصادي باهتمام كبير خلال المناقشات، في ظل تأثير الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا على التجارة العالمية، وإسهامها في ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والمواد الغذائية.
كما يمثل تطور الذكاء الاصطناعي واحتمال تسببه في خسائر واسعة للوظائف قضية أخرى شائكة. وتتصدر الولايات المتحدة والصين جهود تطوير التكنولوجيا والبنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي، بينما تواجه العديد من الاقتصادات النامية خطر اتساع الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة.
ومن المتوقع أيضاً أن تكون أزمة المناخ المتفاقمة محوراً رئيسياً للنقاش، مع تزايد وتيرة الظواهر الجوية القاسية وارتفاع أضرارها، في حين تكون الدول النامية، التي تعد أكثر عرضة لهذه التداعيات، أقل امتلاكاً للموارد اللازمة للتكيف معها والتعافي منها.
هل يتفق أعضاء "بريكس" بشأن القضايا الكبرى؟
تتبنى دول التكتل مصالح متباينة على نطاق واسع، وأحياناً متعارضة، كما تختلف ظروفها الاقتصادية والسياسية بدرجة كبيرة. ويجعل ذلك التوصل إلى توافق بشأن مجموعة واسعة من القضايا الخلافية أمراً صعباً.
وتشكل الحرب في الشرق الأوسط مثالاً واضحاً على ذلك. فقد أدانت "بريكس" الضربات الجوية الأميركية على إيران في عام 2025 باعتبارها انتهاكاً للقانون الدولي، لكن المجموعة لم تصدر موقفاً موحداً بشأن حرب إيران الأخيرة التي اندلعت في فبراير الماضي.
وكشف الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي دخلت عامه الخامس، عن انقسامات داخل المجموعة. فقد صوتت مصر وإندونيسيا العام الماضي لصالح قرار الأمم المتحدة الذي دعا روسيا إلى سحب جميع قواتها من الأراضي الأوكرانية دون شروط والامتناع عن شن أي هجمات أخرى، بينما امتنعت دول أخرى في "بريكس" عن التصويت، أو صوتت ضد القرار.
وتشكل العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة اختباراً آخر للمجموعة. فمعظم دول "بريكس" تعارض السياسات الحمائية لإدارة ترمب ومحاولاتها استخدام الرسوم الجمركية كأداة للمساومة، لكن ردودها تفاوتت بشكل كبير.
واختارت بعض الدول نهجاً تصالحياً، متعهدة بزيادة استثماراتها في الولايات المتحدة وفتح أسواقها أمام الشركات الأميركية. في المقابل، تبنت دول أخرى، وعلى رأسها الصين، نهجاً أكثر تصادمية وردت بفرض رسوم مماثلة على الواردات الأميركية.
العلاقة مع ترمب
هاجم ترمب "بريكس"، مقدماً التكتل باعتباره تهديداً للمصالح الاقتصادية الأميركية. ووصفه بأنه "مجموعة صغيرة" وأنه "يتلاشى بسرعة"، كما قلل من أهمية محاولاته تقليص الاعتماد العالمي على الدولار، وحذر الدول التي تسعى إلى تقويض العملة الأميركية من احتمال تعرضها لرسوم جمركية إضافية.
وتشكل عضوية إيران في "بريكس" مصدراً آخر للتوتر. فقد سعى ترمب إلى عزل طهران اقتصادياً بشكل كامل في محاولة لإجبارها على الاستسلام في الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، بما يسمح باستئناف تدفق النفط والسلع الأخرى دون عوائق.
وأدى ذلك إلى وضع "بريكس" في مواجهة مع الولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه المجموعة إلى تعميق العلاقات وزيادة التجارة بين أعضائها. كما رفضت الصين ودول أخرى تهديد ترمب بفرض عقوبات على الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران.









