
استجابت السلطة الفلسطينية، مؤخراً، للكثير من الشروط الأميركية "الصعبة"، آملة أن يؤدي ذلك إلى عودة الحياة إلى العلاقة بين الجانبين، بما يسهم، على الأقل، في تخفيف الضغوط والقيود الإسرائيلية عليها.
لكن هذه الآمال تبددت مع منع الرئيس محمود عباس من دخول الأراضي الأميركية، للسنة الثانية على التوالي، لإلقاء خطاب فلسطين في الدورة الجديدة للأمم المتحدة.
قرارات صعبة
وكشف مسؤولون فلسطينيون لـ"الشرق"، أن السلطة اتخذت "قرارات صعبة" من أجل تحسين العلاقة مع الإدارة الأميركية التي تعد الدولة الأكثر تأثيراً على الحكومة الإسرائيلية التي تمارس بدورها ضغوطاً بالغة الشدة على السلطة، أدت إلى انهيارات واسعة في دورها وخدماتها وتهددها بالشلل التام، وربما الانهيار.
وقال أحد المسؤولين: "أوقفت السلطة الفلسطينية دفع المخصصات المالية لأسر الأسرى والشهداء والجرحى، وجاءت شركة تدقيق أميركية خاصة، وفحصت كل الوثائق والأرقام المالية للسلطة، وقدمت تقريرها للإدارة الأميركية، لكن هذه الإدارة لم تقم بأي تغيير في سياستها تجاهنا".
وأضاف: "كنا نتوقع أن تقوم الإدارة الأميركية بتقديم تقرير للكونجرس، بعد أن قمنا بهذه الخطوة، كي يوقف، بدوره، العمل في قانون تايلور فورس، لكن ذلك لم يتحقق".
قانون تايلور فورس
وأقر الكونجرس الأميركي قانون "تايلور فورس آكت" (Taylor Force Act) في مارس 2018، وهو قانون قيد العلاقة، خاصة المالية، الأميركية-الفلسطينية، وربطها بتغيير سياسة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير المتعلقة بالمدفوعات للأسرى وعائلاتهم.
وحمل القانون اسم ضابط أميركي سابق في الجيش الأميركي، تيلور فورس، الذي سقط في هجوم في تل أبيب عام 2016. ووقعه الرئيس دونالد ترمب في ولايته الأولى، ودخل حيز التنفيذ مطلع عام 2018.
واشترط القانون على السلطة الفلسطينية القيام بخطوات من أجل الحصول على المساعدات، خاصة "خطوات موثوقة لإنهاء أعمال العنف ضد الإسرائيليين والأميركيين، وإدانة أعمال العنف والتعاون في التحقيقات المتعلقة بها".
وقال مسؤولون فلسطينيون لـ"الشرق"، إن القانون المذكور تحول إلى عامل محوري في العلاقة الفلسطينية-الأميركية، خاصة في عهد إدارة الرئيس ترمب، التي وسعت تطبيقاته لتشمل الخطوات السياسية للسلطة الفلسطينية، مثل التوجه إلى دول العالم للحصول على الاعتراف بدولة فلسطين، ومقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية وغيرها.
قواعد العلاقة
وقامت إدارة ترمب الأولى والثانية بسلسلة إجراءات غيرت قواعد العلاقة الأميركية-الفلسطينية، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، ووقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وعدم منح حملة جوازات السفر الفلسطينية تأشيرات دخول لأميركا.
مجلس السلام
وشمل التغيير أيضاً تأسيس مجلس السلام الدولي لتطبيق خطة الرئيس دونالد ترمب في غزة، التي تحولت إلى قرار دولي يحمل الرقم 2803، وتشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة القطاع تحت إشراف المجلس الذي ترأسه ترمب.
خفض مستوى العلاقة
وقال مسؤولون لـ"الشرق"، إن الإدارة الأميركية خفضت مستوى العلاقة مع السلطة الفلسطينية إلى حدود دنيا.
وقال أحد المسؤولين: "الإدارة الأميركية تتحدث معنا بما يخدم سياستها، فقد طالبتنا بعدم الوقوف في وجه لجنة التكنوقراط التي قامت بتشكيلها لإدارة قطاع غزة، ووعدت، مقابل ذلك، بالضغط على إسرائيل للإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة، البالغة حوالي 6 مليارات دولار، والتي أدى احتجازها إلى إصابة الخدمات الحكومية الأساسية من صحة وتعليم وغيره بالشلل، لكن ذلك لم يحدث".
إصلاحات
واشترطت الإدارة الأميركية على السلطة الفلسطينية القيام بإصلاحات تؤهلها لتولي إدارة قطاع غزة بعد الفترة الانتقالية لمجلس السلام، ومدتها عامان.
وفي مقدمة هذه الشروط التوقف عن دفع مخصصات مالية لأسر الأسرى والشهداء والجرحى، التي تقول الإدارة، ومعها إسرائيل، إنها "تشجع الفلسطينيين على القيام بهجمات ضد الإسرائيليين".
وقال مسؤولون في السلطة إنهم استجابوا للشروط، آملين أن تقوم الإدارة الأميركية بالضغط على إسرائيل للإفراج عن الأموال المحتجزة، وقبول عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة.
تدخل في الشؤون الفلسطينية
ويرى مراقبون أن الإدارة الأميركية تستخدم موضوع الإصلاحات كأداة ضغط سياسية على السلطة الفلسطينية، مثل الطلب منها تخصيص جزء من الأموال الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل لصالح مجلس السلام، وعدم عقد لقاءات مع حركة "حماس"، خشية أن تفضي هذه اللقاءات إلى تفاهمات تضعف دور مجلس السلام في غزة وغيرها.
خفض مستوى الاتصال
وقال المسؤولون إن الإدارة الأميركية خفضت مستوى الاتصالات مع السلطة الفلسطينية. وقال أحد المسؤولين: "عندما يريدون منا شيئاً يتصل بنا المبعوث الرئاسي جاريد كوشنر، وأحياناً عضو مجلس السلام توني بلير ومعه موظف صغير من الجانب الأميركي".
منع الرئيس عباس من دخول أميركا
وأعلنت الإدارة الأميركية، الخميس، رفضها منح الرئيس محمود عباس تأشيرة دخول للمشاركة في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة للعام التي من المقرر أن تبدأ، على مستوى قادة الدول، الأسبوع المقبل.
وقالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان لها: "قررت إدارة ترمب تمديد قيود التأشيرات التي تمنع مسؤولين في السلطة الفلسطينية وأعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية من دخول الولايات المتحدة"، رافضة منح الرئيس محمود عباس والوفد المرافق له تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع المقبل.
وعزا البيان الأميركي القرار إلى ما تعتبره واشنطن "عدم تنفيذ السلطة الفلسطينية إصلاحات والتزامات سابقة تجاه الولايات المتحدة، وبـ"أنشطة تقوض آفاق السلام".
وذكرت الخارجية تحديداً: "استمرار السلطة الفلسطينية في اتخاذ إجراءات قانونية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، والسعي نحو الاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية"، وكذلك، استمرار نظام المدفوعات لعائلات فلسطينيين تصفهم الولايات المتحدة بأنهم مدانون في هجمات ضد إسرائيليين، وعدم تنفيذ الإصلاحات التي تقول واشنطن إن السلطة تعهدت بها.
وكشف مسؤولون في السلطة الفلسطينية لـ"الشرق"، في وقت سابق، أنهم تلقوا جواباً سلبياً بشأن طلب الحصول على تأشيرات للوفد الرسمي الفلسطيني، بما فيه الرئيس محمود عباس، للدخول إلى الأراضي الأميركية للمشاركة في الاجتماعات.
وكانت الإدارة الأميركية منعت الرئيس عباس من المشاركة في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي.
خطاب عبر الفيديو
وألقى الرئيس محمود عباس، العام الماضي، خطابه الموجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة عن بُعد، عبر الفيديو، من مكتبه في مدينة رام الله في الضفة الغربية. وقال المسؤولون إن الرئيس سيوجه خطابه إلى الأمم المتحدة بالطريقة ذاتها هذا العام أيضاً.
وصوتت الجمعية العامة في تلك الدورة بأغلبية 145 دولة مقابل 5 دول على السماح للرئيس محمود عباس بإلقاء كلمته في الاجتماع عبر الفيديو.
وافتتحت الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 سبتمبر الجاري، وتبدأ مشاركة الرؤساء من 18 وحتى 28 سبتمبر.








