شي في واشنطن: اختبار للاستقرار الاستراتيجي بين الصين وأميركا | الشرق للأخبار
خاص

زيارة شي إلى واشنطن تختبر قدرة الصين وأميركا على إدارة المنافسة دون مواجهة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينج خلال مغادرتهما حديقة تشونجنانهاي في العاصمة بكين. 15 مايو 2026 - REUTERS
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينج خلال مغادرتهما حديقة تشونجنانهاي في العاصمة بكين. 15 مايو 2026 - REUTERS
بكين -

يبدأ الرئيس الصيني شي جين بينج زيارة دولة إلى الولايات المتحدة في 23 سبتمبر، تستمر حتى 25 منه، بدعوة من الرئيس دونالد ترمب، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية الصينية رسمياً، الاثنين، في أول تأكيد رسمي لموعد الزيارة، قبل يومين من بدئها.

وهذه أول زيارة دولة يقوم بها شي إلى الولايات المتحدة منذ 11 عاماً، كما تأتي في أعقاب زيارة الدولة التي قام بها ترمب إلى الصين في مايو، وستختبر ما إذا كان الإطار الجديد للعلاقة بين البلدين قادراً على توفير أساس عملي لإدارة المنافسة والخلافات.

اقرأ أيضاً

من الرسوم إلى الذكاء الاصطناعي.. ماذا يحمل ترمب وشي إلى القمة؟

يلتقي الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينج في واشنطن، وسط ملفات شائكة تشمل الرسوم الجمركية والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية والعناصر النادرة.

إدارة العلاقة دون تصعيد

تأتي زيارة شي بعد 4 أشهر من اتفاقه مع ترمب في بكين على بناء "علاقة بنّاءة للاستقرار الاستراتيجي" بين الصين والولايات المتحدة، ما أضفى إطاراً دبلوماسياً أكثر تحديداً على علاقة تتسم بالمنافسة، إلى جانب وجود مجالات للتعاون.

ولا تقدم بكين هذا الإطار باعتباره صيغة لحل جميع الخلافات بين البلدين، بل شدد المسؤولون الصينيون على تعزيز الحوار والتعاون، وإدارة الخلافات على نحو سليم، ومنع المنافسة من التصاعد إلى مواجهة.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جياكون، الاثنين، إن الزيارات المتبادلة بين رئيسي البلدين خلال 6 أشهر تحمل "أهمية تاريخية وفارقة"، وإن الصين مستعدة للعمل مع الولايات المتحدة لإثراء مضمون "العلاقة البنّاءة للاستقرار الاستراتيجي".

الحيلولة دون انزلاق إلى مواجهة

قال دا وي، مدير مركز الاستراتيجية والأمن الدولي في جامعة تسينجهوا، إن بكين لا تتوقع أن يؤدي هذا الإطار إلى إزالة معظم الخلافات أو منع ظهور احتكاكات جديدة، وإن هدفه الأكثر إلحاحاً يتمثل في مساعدة الجانبين على إدارة الخلافات بصورة أكثر فاعلية، والحيلولة دون وقوع الأسوأ، المتمثل في اندلاع صراع عسكري أو حرب باردة جديدة.

وتعكس هذه الصيغة أيضاً تحولاً في نهج بكين تجاه واشنطن، بعدما رفضت الأولى مراراً إطاراً أميركياً يتمحور حول "المنافسة الاستراتيجية". أما المفهوم الجديد، فيقر بدلاً من ذلك بأن المنافسة سمة مستمرة للعلاقة، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة إدارتها.

ويكتسب هذا التمييز أهمية بالنسبة إلى صنّاع السياسات، إذ إن الاستقرار الاستراتيجي لا يتطلب من الجانبين الاتفاق على كل قضية رئيسية، بل يتطلب سعيهما إلى الحفاظ على مستوى كافٍ من التواصل، ووضع حدود واضحة، ومنع النزاعات الفردية من أن تطغى على العلاقة الأوسع بين البلدين.

وقد انعكس هذا الإطار بصورة متزايدة في الدبلوماسية رفيعة المستوى. ففي اتصال هاتفي جرى في 17 سبتمبر، ناقش وزير الخارجية الصيني وانج يي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو العلاقات الثنائية، فضلاً عن الاضطرابات في الشرق الأوسط، إذ دعا وانج إلى تعزيز التواصل والتعاون وإدارة الخلافات على نحو سليم.

وبالتالي، سيكون الاختبار الحقيقي لهذا الإطار عملياً، إذ ستعتمد مصداقيته بالدرجة الأولى على مدى قدرة بكين وواشنطن على منع خلافاتهما من التسبب في تصعيد يخرج عن السيطرة، وليس على قدرته على إنهاء تلك الخلافات أو تلاشيها.

التجارة والذكاء الاصطناعي

تظل العلاقات الاقتصادية والتجارية عنصراً مهماً في استقرار العلاقات الثنائية. فقبيل زيارة شي، ترأس نائب رئيس مجلس الدولة الصيني خه لي فنغ وفداً إلى نيويورك، حيث أجرى، الأحد، مشاورات اقتصادية وتجارية مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ومسؤولين أميركيين كبار، شملت أيضاً موضوع الذكاء الاصطناعي.

ووفرت هذه المشاورات قناة مهمة للجانبين لمعالجة التوترات التجارية، بالتزامن مع التحضير للقاء الرئيسين.

ولا تزال الصين والولايات المتحدة مرتبطتين اقتصادياً بصورة عميقة، حتى مع اكتساب الخلافات بشأن الرسوم الجمركية والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والوصول إلى الأسواق أبعاداً متزايدة تتعلق بالأمن القومي.

وبينما أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم مجالات هذه المنافسة، يسعى البلدان إلى تحقيق تفوق في الحوسبة المتقدمة وأشباه الموصلات ونماذج الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الصناعية، فيما يواجهان، في الوقت نفسه، مخاطر أمنية وتحديات في الحوكمة ناجمة عن التطور السريع للتكنولوجيا.

ومع ذلك، حافظت الحكومتان على قناة للحوار الرسمي. ففي مايو 2024، عقدت الصين والولايات المتحدة أول حوار حكومي دولي بينهما بشأن الذكاء الاصطناعي في جنيف، حيث ناقشتا المخاطر التكنولوجية والحوكمة العالمية وقضايا أخرى ذات اهتمام مشترك.

وقال سون تشنج هاو، الباحث المشارك في مركز الاستراتيجية والأمن بجامعة تسينغهوا، إن استمرار الحوار بشأن الذكاء الاصطناعي يُظهر أن المنافسة الشديدة لا تحول بالضرورة دون التعاون في المجالات التي يواجه فيها الجانبان مخاطر مشتركة.

ويتمثل التحدي المتزايد أمام صنّاع السياسات في الفصل بين المنافسة التكنولوجية والمجالات التي يمكن أن تؤدي فيها المنافسة غير المنضبطة إلى مخاطر استراتيجية أوسع.

ويبدو أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتحول إلى قضية اقتصادية واستراتيجية في آن واحد، واختبار لمدى قدرة البلدين على وضع قواعد لإدارة المنافسة في بيئة تكنولوجية سريعة التغير.

الذكاء الاصطناعي والأسلحة النووية

لا يتمثل السؤال الأكثر أهمية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري في مدى سرعة نشر هذه التكنولوجيا، وإنما في الحدود التي ينبغي أن تقف عندها صلاحياتها.

ويُستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة في التعرف على الأهداف، وتحليل المعلومات الاستخباراتية، والقيادة والسيطرة، ودعم اتخاذ القرار. كما يجري دمجه في الطائرات المسيّرة والمركبات البرية والأنظمة العاملة تحت الماء وغيرها من المنصات العسكرية، ما يغيّر الطريقة التي تجمع بها الجيوش الحديثة المعلومات وتنفذ بها العمليات.

وأثار هذا التوسع مخاوف بشأن غموض آليات عمل الخوارزميات، واحتمالات وقوع أخطاء، وإمكانية أن تؤدي الأنظمة المؤتمتة إلى تسريع وتيرة التصعيد خلال الأزمات.

وقد أرست الصين والولايات المتحدة بالفعل مبدأ مهماً في هذا المجال. ففي نوفمبر 2024، أكد شي والرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن ضرورة الحفاظ على السيطرة البشرية على القرارات المتعلقة باستخدام الأسلحة النووية. وأرسى هذا التفاهم حداً واضحاً أمام أحد أخطر الاستخدامات العسكرية المحتملة للذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى صنّاع السياسات، يتجاوز هذا المبدأ المسألة التقنية المتعلقة بالأتمتة، إذ يتعلق بما إذا كان ينبغي تفويض قرارات قد تترتب عليها عواقب استراتيجية لا رجعة فيها إلى آلات قد لا تكون آليات اتخاذها للقرارات شفافة أو قابلة للتنبؤ على نحو كافٍ.

ويقول سون تشنج هاو، الباحث المشارك في مركز الاستراتيجية والأمن الدولي، الذي تشمل أبحاثه العلاقات الصينية-الأميركية والذكاء الاصطناعي وحوكمة الأمن الدولي، إن بلاده والولايات المتحدة يمكنهما البناء على حوارهما الحكومي القائم بشأن الذكاء الاصطناعي لاستكشاف ضمانات إضافية تتعلق بالتكنولوجيات العسكرية الناشئة.

وكانت الصين قد وسّعت نطاق اهتمامها بالذكاء الاصطناعي في إطار النقاش الدولي الأوسع بشأن الحد من التسلح. وتضمن الكتاب الأبيض الصيني لعام 2025 بشأن الحد من التسلح ونزع السلاح وعدم الانتشار نقاشاً مخصصاً للمجالات الأمنية الناشئة، بما في ذلك الفضاء الخارجي والفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي.

وقد يشكل مبدأ عدم السماح للآلات باتخاذ القرار النهائي بصورة مستقلة بشأن استخدام الأسلحة النووية أحد أوضح الخطوط الفاصلة بين المنافسة التكنولوجية والمخاطر الاستراتيجية.

ومع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي، من المرجح أن يظل الحفاظ على سيطرة بشرية فعلية على اتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام الأسلحة النووية قضية محورية في الحوار الأمني بين الصين والولايات المتحدة.

تايوان.. الاختبار الرئيسي للاستقرار الاستراتيجي

تظل قضية تايوان المسألة الأكثر حساسية في العلاقات الصينية الأميركية، وأحد أوضح الاختبارات لمدى إمكانية احتواء المنافسة الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، يقول تسوي تيان كاي، الذي شغل منصب سفير الصين لدى الولايات المتحدة لسنوات، لـ"الشرق" إن موقف بكين من قضية تايوان ظل ثابتاً.

وقال تسوي، على هامش الدورة الثالثة عشرة لمنتدى بكين شيانجشان، إن هذه القضية هي "الخط الأحمر أمام كل الخطوط الحمراء"، واصفاً إياها بأنها تمس المصالح الجوهرية لبلاده.

وأضاف أن بكين لا تتوقع حل القضية بسهولة، مؤكداً أن إعادة التوحيد في نهاية المطاف من شأنها، من وجهة نظر الصين، أن تحسمها.

كما أثير الموضوع خلال لقاء شي مع ترمب في بكين في مايو، عندما حث شي واشنطن على توخي حذر خاص في التعامل مع قضية تايوان.

وقال دياو دا مينج، نائب مدير الأكاديمية الوطنية للتنمية والاستراتيجية في جامعة رنمين الصينية، وهو خبير تربطه علاقات وثيقة بوزارة الخارجية الصينية، إن قضية تايوان تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الصينية الأميركية.

ورأى أن مراعاة واشنطن لموقف بكين في هذا الشأن من شأنها أن تساعد في الحفاظ على المسار العام نحو استقرار استراتيجي بنّاء.

وبالنسبة إلى بكين، فإن قضية تايوان ليست مجرد بند آخر على جدول أعمال العلاقات الثنائية، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الجوهرية للصين، وبالمسألة الأوسع المتمثلة في كيفية إدارة البلدين للمنافسة الاستراتيجية.

وبالتالي، يتمثل التحدي أمام الحكومتين في إدارة المخاطر، وليس في التوصل إلى حل فوري. ومع استمرار المنافسة الاستراتيجية بين الصين والولايات المتحدة، يظل مضيق تايوان منطقة يمكن أن تؤدي فيها أي حسابات خاطئة إلى تداعيات تتجاوز بكثير الأطراف المعنية مباشرة.

ومن ثم، فإن الحفاظ على إشارات واضحة وقنوات اتصال بشأن قضية تايوان يُعد أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على الإطار الأوسع للاستقرار الاستراتيجي، ومنع أي خلاف من التحول إلى أزمة أوسع في العلاقات الصينية الأميركية.

احتواء التوتر في الشرق الأوسط

يمثل الشرق الأوسط اختباراً آخر لمدى قدرة الصين والولايات المتحدة على الحفاظ على التواصل الاستراتيجي في خضم الأزمات الدولية الكبرى، واحتواء التداعيات الناجمة عن الاضطرابات الإقليمية.

وناقش وانج يي وروبيو الشرق الأوسط خلال اتصالهما الهاتفي في 17 سبتمبر، إلى جانب التحضيرات للتبادلات رفيعة المستوى بين البلدين. وتعكس هذه المناقشة الأهمية المتزايدة للتواصل بين بكين وواشنطن في أوقات الأزمات، في وقت باتت فيه الصراعات في المنطقة تخلّف تداعيات تتجاوز ساحاتها المباشرة.

وقال وانج جين، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة نورث ويسترن الصينية، إن التواصل بين الصين والولايات المتحدة يظل مهماً، لأن الصراعات الإقليمية والأزمات الإنسانية يمكن أن تؤثر في أمن الطاقة والأمن البحري والنظام الإقليمي الأوسع.

ولا تتبنى بكين وواشنطن بالضرورة التقييم نفسه لصراعات الشرق الأوسط، كما لا تتطابق أولوياتهما السياسية، لكن بوصفهما قوتين ذواتي نفوذ عالمي، فإن قدرتهما على الحفاظ على التواصل يمكن أن تساعد في الحد من خطر امتداد عدم الاستقرار الإقليمي إلى توترات جيوسياسية أوسع.

وبالتالي، فإن الحفاظ على الحوار بشأن الشرق الأوسط لا يتعلق، بالنسبة إلى الصين والولايات المتحدة، بمواءمة سياساتهما الإقليمية، وإنما بإدارة الخلافات والحد من مخاطر سوء التقدير واحتواء التداعيات الأمنية والاقتصادية الأوسع للاضطرابات الإقليمية.

ويتسق هذا المنطق مع المفهوم الأوسع للاستقرار الاستراتيجي البنّاء. فهذا الإطار لا يتطلب من بكين وواشنطن تبني مواقف متطابقة تجاه كل أزمة دولية، بل يركز على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بما يتيح إدارة الخلافات واحتواء التصعيد.

وستضع زيارة الدولة التي يجريها شي في الفترة من 23 إلى 25 سبتمبر هذا الإطار أمام سلسلة من الاختبارات العملية.

فموضوعا التجارة والذكاء الاصطناعي سيختبران مدى إمكانية تعايش المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية مع التعاون، فيما ستختبر الضوابط المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال النووي قدرة البلدين على وضع حدود للمخاطر الاستراتيجية الناشئة. وستظل قضية تايوان مقياساً حاسماً لإدارة الأزمات، بينما سيختبر الشرق الأوسط مدى قدرة بكين وواشنطن على مواصلة التواصل واحتواء تداعيات الاضطرابات الإقليمية عندما تتباين مصالحهما وتقييماتهما.

ولا يتمثل الهدف المباشر في التوصل إلى تسوية شاملة للخلافات التي تفصل بين القوتين، وإنما في معرفة ما إذا كان من الممكن الحفاظ على قدر كافٍ من الاستقرار في العلاقة، بما يسمح بإدارة هذه الخلافات بدلاً من تركها تطغى على العلاقة برمتها.

تصنيفات

قصص قد تهمك