كندا والاتحاد الأوروبي عضوية منتسبة تعيد صياغة مضمون الشراكة | الشرق للأخبار
خاص

كندا والاتحاد الأوروبي.. "عضوية منتسبة" قيد التعريف تعيد صياغة مضمون الشراكة

"القوانين المنظمة" و"العلاقات مع واشنطن" تضعان خطط بروكسل وأوتاوا تحت الاختبار

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في فرنسا. 16 سبتمبر 2026 - REUTERS
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في فرنسا. 16 سبتمبر 2026 - REUTERS

بين بروكسل وأوتاوا، لم يعد تعبير "العضوية المنتسبة" مجرد استعارة دبلوماسية. ففي لحظة يعيد فيها الطرفان حساباتهما الاستراتيجية تحت وطأة التوتر المتصاعد مع واشنطن، طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فتح الباب أمام كندا لتصبح "أول عضو منتسب" في الاتحاد الأوروبي. وهو اقتراح غير مسبوق، يختبر حدود الشراكة عبر الأطلسي وحدود البناء الأوروبي نفسه.

لكن الصفة المقترحة لا وجود لها بعد في قانون التكتل، ولا تمنح كندا طريقاً إلى العضوية الكاملة أو مقعداً في مؤسسات صنع القرار. وهي، في جوهرها، محاولة لصوغ إطار سياسي جديد يستند إلى تقليد أوروبي أقدم، يتمثل في "اتفاقات الانتساب" التي تجيزها المادة 217 من معاهدة عمل الاتحاد، وتقوم على حقوق والتزامات متبادلة وآليات تعاون خاصة.

وبذلك، ينتقل مصطلح "العضوية المنتسبة" من توصيف فضفاض إلى عنوان مبادرة رسمية تستهدف وصل ما هو قائم بين الطرفين في التجارة والأمن الاقتصادي والتكنولوجيا والدفاع، ضمن علاقة أوثق مع كندا من دون أن تصبح عضواً كاملاً في الاتحاد.

وللإحاطة بأبعاد هذا التحول، تحدثت "الشرق" مع خبراء وأكاديميين متخصصين في التجارة والعلاقات الكندية-الأميركية والسياسة الخارجية والعلاقات الدولية، من بينهم مسؤول سابق في منظمة التجارة العالمية وأكاديميون كنديون وباحث في العلاقات الدولية.

ويلتقي الخبراء في تشخيصهم لما يجري باعتباره "ليس مشروع توسع أوروبي"، ولا انقلاباً كندياً على الجوار الأميركي، بل "محاولة لإعادة توزيع المخاطر في عالم باتت فيه التبعية الاقتصادية أداة نفوذ سياسي".

لماذا الآن؟

يقول كيث روكويل، المتحدث الرسمي السابق ومدير قسم الإعلام والعلاقات الخارجية في منظمة التجارة العالمية WTO: "لولا الظروف الراهنة في هذه العلاقة الثنائية، لما برزت فكرة التقارب مع بروكسل بهذه القوة، ولا في هذا التوقيت".

ويشير روكويل في حديثه لـ"الشرق"، إلى أن الحديث عن تعزيز العلاقة بين كندا والاتحاد الأوروبي لا يمكن فصله عن التوترات التي تحيط بالعلاقة الكندية-الأميركية. لكنه يرفض قراءة هذا المسار بوصفه تحولاً معادياً لواشنطن، ويفضّل وصفه بأنه "سعي كندي مفهوم إلى توسيع الخيارات الاقتصادية والسياسية في مواجهة بيئة أميركية أقل قابلية للتنبؤ".

أما آسا مكيركر، الأكاديمي الكندي المتخصص في العلاقات الكندية-الأميركية، فيلجأ إلى صورة أقرب إلى الحياة اليومية، مستحضراً الرئيس الأميركي دونالد ترمب: "إذا كنت تبحث عن شريك جديد للرقص، ولا تستطيع أن ترقص مع ترمب، أو لا تريد أن ترقص معه، فهذا مفهوم. عندئذ تصبح أوروبا شريكاً جيداً. لقد وضعنا جميع استثماراتنا تقريباً في علاقتنا بالولايات المتحدة، ويبدو استمرار ذلك على هذا النحو أمراً غير قابل للاستدامة".

ويرى آدم تشابنيك، الأكاديمي الكندي والمحلل المتخصص في السياسة الخارجية الكندية، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن "هذا التمركز، وليس هوية الشريك وحدها، هو ما يثير القلق"، قائلاً: "نحو 70 % من تجارة أي دولة ينبغي ألا تذهب إلى شريك واحد، لا سيما إذا كان اقتصاد ذلك الشريك أكبر من اقتصادك بثلاثة عشر ضعفاً، لأن ذلك يمنحه قدراً هائلاً من النفوذ".

وعن العامل الذي عجّل تحرك أوتاوا نحو أوروبا، يقول تشابنيك: "أعتقد أن إدارة ترمب هي السبب الرئيسي الذي دفع كندا إلى تسريع أولويات طويلة الأمد لم نبذل جهداً كافياً لتحقيقها في السابق".

وتابع: "فالرسوم الجمركية برهنت أن الولايات المتحدة، في الوقت الراهن على الأقل، ليست شريكاً تجارياً موثوقاً، فيما تغيّرت المقاربة الأميركية لحلف الناتو عما كانت عليه في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن".

أما مكيركر، فيربط الأمر بترمب شخصياً، قائلاً: "لو لم يكن دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة، ولو لم يشن حرباً تجارية على كندا، لما كنا في هذا الموقف".

ويضيف أن حديث الرئيس الأميركي المتكرر عن جعل كندا "الولاية الـ51" تحول من مزاح ثقيل إلى عامل جدي في حسابات أوتاوا الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، وضع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (19-23 يناير 2026)، الانفتاح على أوروبا في إطار إعادة ترتيب الشراكات التجارية، داعياً القوى المتوسطة إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي من دون الانزلاق إلى "عالم القلاع". ويرى مكيركر أن خطاب كارني رسخ قناعة بأنه "لا عودة إلى الوراء في مسار تنويع العلاقات الكندية".

شراكة بلا عضوية كاملة

المصطلح ليس جديداً كلياً. فمنذ معاهدة روما في عام 1957، عرف المشروع الأوروبي "اتفاقات الانتساب" كإطار لتنظيم علاقات خاصة مع دول من خارج الاتحاد، وهي الاتفاقات التي تستند إلى المادة 217 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي.

وتمثل أوكرانيا أحد أبرز النماذج الحديثة لهذا النوع من الشراكات، إذ دخل اتفاق الشراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ بالكامل في سبتمبر 2017، متضمناً منطقة تجارة حرة عميقة وشاملة، حسبما أعلنت المفوضية الأوروبية.

ومن هذا السياق تطورت فكرة "العضوية المنتسبة"، وطُرحت بصيغ متعددة، من "الكونفدرالية الأوروبية" التي اقترحها الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، إلى "الشراكة المميزة" مع تركيا.

واستعادت الفكرة زخماً مع تسارع مسار التقارب الأوروبي مع أوكرانيا، التي حصلت على صفة الدولة المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي في يونيو 2022.

وفي سبتمبر 2023، قدم تقرير مجموعة العمل الفرنسية-الألمانية إحدى أبرز المحاولات لصياغة تصور لعلاقة أوسع بين الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية من خارج التكتل.

وفي مايو 2022، طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "الجماعة السياسية الأوروبية" كإطار للتعاون بين الدول الأوروبية يتجاوز حدود الاتحاد، لكنه يبقى منفصلاً عن مسار العضوية.

وقرر الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2023 فتح مفاوضات الانضمام مع أوكرانيا، قبل أن تواصل أوكرانيا مسارها نحو العضوية الكاملة، إذ بدأت مفاوضاتها رسمياً في يونيو 2024.

أما كندا، فلا ينطبق عليها مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إذ تقصر المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي طلب العضوية على الدول الأوروبية. لذلك، فإن صيغة "العضوية المنتسبة" المقترحة لكندا ستكون ترتيباً قائماً بذاته، لا مرحلة على طريق العضوية الكاملة.

مصطلح سياسي بلا تعريف قانوني

ويعتقد الأكاديمي الكندي تشابنيك، أن الفكرة تعني بالنسبة إلى الحكومة الكندية، "إقامة علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي مقارنة بما لدينا اليوم".

وتابع، خلال حديثه لـ"الشرق": "أظن أنه عندما أرادت رئيسة المفوضية الأوروبية، أو قيادة الاتحاد الأوروبي، أن تمنح وسائل الإعلام والجهات الأخرى تعبيراً مختصراً يعبّر عن طبيعة هذه العلاقة الأقوى، استخدمت تعبيراً من قبيل "تحالف جديد" أو "عضوية منتسبة". 

ومضى يقول: "لكنني أعتقد أننا بالغنا في التركيز على هذه العبارة، لأنها لا تحمل تعريفاً دقيقاً جداً، ولا أظن أنه كان المقصود منها أن تكون تعريفاً قانونياً محدداً أصلاً".

ويستبعد مكيركر، الباحث في الالعلاقات الأميركية الكندية، أن يشكل ذلك مدخلاً إلى العضوية الكاملة، قائلاً: "لا أعتقد أن الأوروبيين يريدون ذلك، ومن المؤكد أن الحكومة الكندية لا تريده كذلك".

ويتقاطع هذا التفسير مع ما يذهب إليه أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف، حسني عبيدي، الذي يشدد على أن صفة "الدولة المنتسبة" ليست صفة قانونية قائمة أصلاً، لكنها قد تشكل إطاراً سياسياً قابلاً للتطوير.

وأضاف خلال حديثه لـ"الشرق": "هذه الصفة غير موجودة قانونياً، لكن التغيير في البنية الفكرية داخل أوروبا بدأ بالفعل، وكذلك في كندا".

ويرى عبيدي أن بإمكان الأوروبيين ابتكار إطار قانوني ومؤسسي لهذه الصيغة، قائلاً: "الفكرة لا تزال مشروعاً، لكن الدول الأوروبية تستطيع، إذا أرادت، أن تجد الإخراج القانوني المناسب"، مشيراً إلى أن "أوروبا تملك القدرة على رسم هذا المسار، بما في ذلك عبر المؤسسات الأوروبية والبرلمان الأوروبي".

ما بعد "سيتا"

تشكل "سيتا"، الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة، قاعدة الشراكة التجارية بين كندا والاتحاد الأوروبي.

وُقعت الاتفاقية في عام 2016، ويُطبَّق معظم بنودها مؤقتاً منذ 2017، وأسهمت في إزالة أو خفض معظم الرسوم الجمركية.

وصادقت عليها 17 دولة من أعضاء الاتحاد الأوروبي، بينما لا تزال بانتظار التصديق الوطني في 10 دول أخرى، من بينها فرنسا وإيطاليا وبولندا، بحسب المفوضية الأوروبية.

وإلى جانب "سيتا"، يربط الطرفين اتفاق للشراكة الاستراتيجية يشمل التعاون في مجالات الأمن والمناخ والبحث العلمي.

لذلك، لا تعني "العضوية المنتسبة" وضعاً قانونياً جديداً أو مساراً للانضمام إلى الاتحاد، بل قد تكون مظلة سياسية تجمع هذه الأدوات ضمن شراكة أكثر تماسكاً، دون مشاركة كندا في مؤسسات صنع القرار الأوروبية.

ويصف روكويل المسؤول السابق في منظمة التجارة العالمية، العلاقة القائمة بين الطرفين بأنها "قاعدة متينة للبناء عليها"، مرجحاً أن تتصدر "التجارة الرقمية والخدمات والابتكار المرحلة التالية". أما تشابنيك، فيرى أن "المشكلة ليست ندرة الأدوات، بل ضعف الدفع السياسي اللازم لتفعيلها".

ويختصر مكيركر الأمر قائلاً: "لقد وُقعت الاتفاقية، لكن كما يحدث مع كثير من الاتفاقات الدبلوماسية، تتراجع قوة الدفع وتتوقف العجلة".

ومن هذا المنظور، قال: "لا تكمن قيمة الصفة المقترحة في اسمها، بل في دورها المحتمل كمظلة سياسية تسرّع التعاون في مجالات مثل المعادن الحرجة والتكنولوجيا الرقمية وسلاسل الإمداد".

حدود ومصالح

لكن الخطوط الحمراء لـ"العضوية المنتسبة" بدأت تتضح. فأوتاوا لا تريد ترتيباً يمس سيادتها التنظيمية. ويقول تشابنيك: "الحكومة الكندية واضحة نسبياً في أنها لا تريد أن تخضع لجميع قواعد ولوائح الاتحاد الأوروبي، وهذا سيحد من مدى تعميق التكامل الاقتصادي فعلاً".

ويُعد ملف الهجرة حساساً بشكل خاص. فالحديث عن انضمام كندا إلى فضاء "شينجن"، بحسب مكيركر، "غير واقعي في ضوء حساسية الهجرة في كندا وعدد من الدول الغربية".

ويبقى قطاع الزراعة أيضاً خارج أكثر دوائر التقارب قابلية للتوسع، بسبب الخلافات حول نظام إدارة العرض الكندي في قطاعي الألبان والدواجن، إلى جانب مسألة التمويل المرتبطة بأي مشاركة كندية في البرامج الأوروبية.

لكن خارج هذه القيود، يحدد تشابنيك ثلاث ساحات يمكن أن تدفع الشراكة إلى الأمام: "المعادن الحرجة، والبنية التحتية الحيوية، والتكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج". وتتقاطع هذه المجالات مع ما يسميه مكيركر "السيادة الرقمية"، أي بناء قدرات مستقلة في البيانات والبنى المالية بعيداً عن الاعتماد الحصري على الشركات الأميركية.

ويقول مكيركر إن "الأوروبيين مهتمون بالموارد الكندية، والمعرفة والخبرات الكندية. كندا مكان آمن ومستقر ويمكن الاعتماد عليه، ولا أعتقد أنه يمكن بالضرورة قول الشيء نفسه عن الولايات المتحدة في ظل قيادتها الحالية".

ويشارك عبيدي هذه القراءة من زاوية أخرى، إذ يعتبر أن "كندا حالة خاصة نظراً لقربها من الولايات المتحدة وتقاطعها القيمي مع أوروبا في آن، لكنها لا تستطيع واقعياً التخلي عن علاقتها بواشنطن. كندا ستبقى مرتبطة بالولايات المتحدة، لأن هناك تشابكاً كبيراً بين الاقتصادين، وفي كثير من الحالات يصعب الفصل بين المصالح الكندية والأميركية".

ومع ذلك، يرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف، حسني عبيدي، أن أوروبا "وجدت في الحالة الكندية شريكاً مهماً يمكن أن تستند إليه في علاقتها مع الولايات المتحدة، كما أنها تجد فيها حالة مهمة في ملف أوكرانيا. ورئيس الوزراء الكندي من أكثر المتحمسين لمواصلة دعم أوكرانيا".

ويضيف أن "ما يميز هذا التقارب هو بحث مشترك عن حلفاء يلتزمون بمنظومة قيم، ونحن في مرحلة يبحث فيها كل طرف عن تحالفات وحلفاء جدد بين الدول التي تؤمن بالتعددية، وبالدولة والمؤسسات، وبالاقتصاد الحر، وبالديمقراطية، وبالابتعاد عن سياسة الصفقات والعقوبات الاقتصادية".

التقارب الأمني والدفاعي

يُعد الجانب الأمني والدفاعي المسار الأسرع تقدماً على المستوى التنفيذي. ففي القمة الثنائية التي عُقدت في بروكسل في عام 2025، وقع الطرفان شراكة في مجال الأمن والدفاع.

واكتسب هذا المسار مضموناً عملياً مع انضمام كندا إلى أداة "العمل الأمني من أجل أوروبا" SAFE، البالغة قيمتها 150 مليار يورو، لتصبح أول دولة من خارج أوروبا تنضم إلى البرنامج المخصص للمشتريات الدفاعية المشتركة.

ويقول مكيركر إن "هذه الخطوة تمنح الشراكة بعداً ملموساً، فهي لم تعد مقتصرة على اتفاقات تجارية عامة، بل باتت تشمل الصناعات العسكرية وسلاسل التوريد والقدرات الدفاعية". ويرى أن اتجاه أوتاوا نحو الغواصات الألمانية يمثل "إشارة رمزية وعملية إلى التحول نحو أوروبا في المسائل الأمنية".

أوكرانيا وحدود الاستقلال الأوروبي

يضع عبيدي الحرب في أوكرانيا في صلب النقاش حول الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، قائلاً إن "أوكرانيا، من حيث لا تدري، جعلت أوروبا أسيرة لسياستها تجاهها. فمن أجل ألا تُسهّل المهمة على روسيا، تبدو أوروبا مستعدة أحياناً للتنازل عن عدد من المبادئ في إدارتها لعلاقتها مع الولايات المتحدة".

ويضيف أن "إدارة ترمب لا تنظر بإيجابية إلى تكتل أوروبي قوي. ترمب لا يؤمن كثيراً بالتكتلات الجماعية، ويخشى أي تكتل اقتصادي يمكن أن يقف في وجه الولايات المتحدة".

ويذهب عبيدي أبعد في انتقاده للأداء الأوروبي، قائلاً: "حتى الآن، لم تكن لدى أوروبا الجرأة الكافية لاستخدام قوتها الاقتصادية كي تقول للولايات المتحدة: كفى".

عائق أوروبي وتنويع محدود

الحماسة الكندية، كما يقرأها عبيدي، تصطدم ببطء البنية الأوروبية قائلاً: "صحيح أن كندا دولة واحدة وليست 27 دولة، وبالتالي فإن الموقف الأوروبي أكثر صعوبة وتعقيداً. لكن المقاربة الكندية تبدو أكثر جرأة، فهي لم تقبل بسياسات الضغط الاقتصادي، بل لوّحت أيضاً بإجراءات مضادة في مواجهة الولايات المتحدة".

ويصف عبيدي، خلال حديثه لـ"الشرق"، هذا العائق، بأنه "نفسي" قبل أن يكون قانونياً، وتابع حديثه: "هناك حاجز نفسي، للأسف، لدى بعض الدول الأوروبية التي تعتقد أن عدم اتخاذ قرار أقل كلفة من اتخاذ قرار قد يثير غضب الولايات المتحدة".

ويذهب عبيدي إلى أن العائق سياسي بالدرجة الأولى موضحاً: "المشكلة أن أوروبا لا تزال تجد صعوبة في أن تكون أكثر إبداعاً في سياستها الخارجية، وأن تتحول من تكتل تجاري واقتصادي إلى تكتل يملك قدرة سياسية واستقلالاً في القرار السياسي والعسكري".

وأضاف أن المسألة ليست مستحيلة من الناحية القانونية أو المؤسساتية، لكنها تتطلب إرادة سياسية حقيقية، مشيراً إلى أن المفوضية الأوروبية الحالية، في تقديره، ليست في الوضع الذي يسمح لها بإطلاق مبادرة من هذا النوع.

ويرى أن هذه الصيغة، إن تطورت، قد تصبح نموذجاً لدول أخرى، قائلاً: "بريطانيا مرشحة لأن تلعب دوراً مهماً في هذه المقاربة".

وعلى المستوى الداخلي الكندي، يحظى المشروع بتأييد واسع. ويشير مكيركر إلى أن "نحو 80% من الكنديين يؤيدون نفس وجهة نظره". لكنه لا يتجاهل أن لدى ترمب "وجهة نظر بشأن اعتماد كندا على السوق الأميركية، إذ إن الشركات الكندية اتسمت بالكسل لأنها لم تضطر إلى الابتكار" في موضوع الشراكات.

ويحذر مكيركر، في تعبير مجازي، من أن "نقل كل بيضنا من السلة الأميركية ووضعه في السلة الأوروبية" قد لا يكون الخيار الأكثر حكمة.

ويؤكد عبيدي أن الارتباط بالولايات المتحدة سيبقى قائماً بحكم "التشابك الكبير بين الاقتصادين الجارين".

ومن هنا، يرسم تشابنيك هدفاً أكثر واقعية: "خفض حصة التجارة مع أميركا من نحو 70 إلى قرابة 50 %، شرط ألا يُفهم بوصفه انتقالاً من تبعية إلى تبعية أخرى. هذا لن يحدث".

اختبار التنفيذ

ويرفض تشابنيك تحويل الحالة الكندية إلى قالب جاهز، لأن "الديمقراطيات الليبرالية تحتاج إلى تقليل اعتمادها على دول منفردة، وخصوصاً على القوى المهيمنة".

ويشدد على أن الإعلان السياسي وحده "لن يغير شيئاً في حد ذاته، ولن يساعد الاقتصاد الكندي على النمو، ولن يجعل كندا أكثر أمناً"، وما تبحث عنه أوتاوا هو نتائج ملموسة "من دون استفزاز جارتنا الجنوبية (أميركا) أو الإضرار بالعلاقة معها".

ويحدد مكيركر مؤشرات أكثر قابلية للقياس، مثل "زيادة الاستثمار المتبادل، وارتفاع تبادل الطلاب.. المطلوب هو الانتقال من الأوراق والاتفاقات المكتوبة إلى أشياء ذات أثر فعلي".

وحول ما إذا كان كل هذا سينتهي بانتهاء ولاية ترمب، يجيب عبيدي بالنفي: "حتى وإن غادر، فهذا لا يعني أن العلاقات ستعود إلى ما كانت عليه. لسنا متأكدين أيضاً ممن قد يأتي بعده، ولا سيما في ظل الانقسام والضعف داخل الحزب الديمقراطي. ترمب قد يذهب، لكن الترمبية لا تزال موجودة".

ويرى عبيدي أن السنوات المتبقية من الولاية الحالية لـ(دونالد ترمب)"ستكون مرحلة مهمة ودقيقة وحرجة، لأنها ستحدد عدداً من المسارات في السياسة الخارجية الأوروبية، وفي سياسات دول أخرى مثل بريطانيا وكندا".

ويوافقه تشابنيك بتحفظ، قائلاً إن استمرار هذا التوجه سيعتمد جزئياً، لا كلياً، على الوضع في الولايات المتحدة، لأن من مصلحة كندا ألا تعتمد على دولة واحدة في كل شيء.

ويضيف تشابنيك: "فالاختبار الحقيقي لن يكون في الاسم الذي تمنحه بروكسل لهذه الشراكة، بل في قدرتها على تحويل "العضوية المنتسبة" من عنوان سياسي إلى ترتيبات ملموسة وقابلة للقياس، تشمل وصولاً أوسع للشركات الكندية إلى سلاسل الإمداد الأوروبية، وتعاوناً فعلياً في المعادن الحرجة والتكنولوجيا، ومشاركة منظمة في الصناعات الدفاعية".

واختتم تشابنيك حديثه: "عندها سيتضح ما إذا كانت "العضوية المنتسبة" ابتكاراً سياسياً قابلاً للحياة، أم مجرد عنوان أنيق لعلاقة لا تزال تبحث عن مضمونها".

تصنيفات

قصص قد تهمك