
وصل الرئيس الصيني شي جين بينج إلى واشنطن في زيارة دولة تستمر 3 أيام، بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أول زيارة له إلى العاصمة الأميركية منذ عام 2015، وسط مساعٍ من بكين وواشنطن لتثبيت "هدنة تجارية هشة" بين أكبر اقتصادين في العالم، وإدارة ملفات خلافية تشمل التجارة والرسوم الجمركية، والمعادن الحيوية، والذكاء الاصطناعي، وتايوان.
واستقبل ترمب نظيره الصيني في قاعدة أندروز الجوية، في مراسم "غير معتادة" شملت سجادة حمراء واستعراض حرس الشرف وإطلاق 21 طلقة مدفعية وعزف النشيدين الوطنيين وتحليقاً عسكرياً، في إشارة بروتوكولية إلى أهمية الزيارة التي تأتي في ظل محاولة الطرفين الانتقال من حرب الرسوم الجمركية إلى صيغة أكثر استقراراً لإدارة المنافسة بينهما.
في كلمة مكتوبة عقب وصوله إلى واشنطن، قال شي إن الصين والولايات المتحدة "ينبغي أن تكونا شريكين لا خصمين"، معتبراً أن تحقيق "النهضة العظيمة للأمة الصينية" و"جعل أميركا عظيمة مجدداً" يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب، وأن البلدين قادران على مساعدة كل منهما الآخر بما يخدم العالم.
وأشار الرئيس الصيني إلى أن ترمب اتفق معه خلال زيارته إلى الصين في مايو الماضي، على بناء علاقة صينية أميركية قائمة على "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء"، معتبراً أن هذا التوافق يوفر توجيهاً للعلاقات في المرحلة المقبلة.
واعتبر الرئيس الصيني، في كلمته، أنه على البلدين "العمل في الاتجاه نفسه" لبناء علاقة مستقرة يكون التعاون أساساً لها، والمنافسة فيها معتدلة، والخلافات قابلة للإدارة، والسلام ممكناً، مضيفاً أن تغير العالم والعصر لا يبدل "المنطق التاريخي للتعايش السلمي" بين الصين والولايات المتحدة.
وأكد أنه يتطلع إلى "نقاش معمق" مع ترمب بشأن القضايا الكبرى المرتبطة بالعلاقات الثنائية والأوضاع العالمية، وتوسيع مجالات التعاون، معرباً عن ثقته بأن الزيارة ستسفر عن "نتائج مثمرة" بفضل جهود الطرفين.
4 خطوط حمراء صينية
حذرت بكين الولايات المتحدة من تجاوز ما وصفته بـ"4 خطوط حمراء" في العلاقات الثنائية.
وحدد السفير الصيني لدى الولايات المتحدة شيه فنج هذه التحذيرات في مقال نشرته صحيفة "الشعب اليومية" الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، بالتزامن مع زيارة شي.
وقال شيه إن سيادة الصين وأمنها ومصالحها التنموية "لا يمكن انتهاكها"، كما لا يمكن تحدي 4 خطوط حمراء، هي قضية تايوان، والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومسارات التنمية والأنظمة، وحقوق التنمية".
4 خطوط حمراء صينية
- قضية تايوان.
- الديمقراطية وحقوق الإنسان.
- مسارات التنمية والأنظمة.
- حقوق التنمية.
كما دعا واشنطن إلى التوقف عن "اختلاق ذرائع"، مثل الأمن القومي والاختلالات الاقتصادية والعمل القسري، بهدف تقييد الصين. وقال شيه إن البلدين يمكن أن يستفيدا من التعاون، بينما سيؤدي التصعيد والمواجهة إلى الإضرار بالطرفين.
تمديد الهدنة التجارية
يتصدر الملف الاقتصادي جدول أعمال القمة، خصوصاً مستقبل "الهدنة التجارية" التي أوقفت جانباً من التصعيد الجمركي بين البلدين.
وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الأربعاء، أن الولايات المتحدة والصين اتفقتا على تمديد "اتفاق بوسان" التجاري حتى 10 يناير المقبل.
وأضاف بيسنت، خلال مقابلة مع برنامج Special Report على شبكة "فوكس نيوز"، أن الاتفاق جاء عقب محادثات أجراها مع نائب رئيس مجلس الدولة الصيني خه لي فنج، سبقت القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جين بينج.
وقال: "اجتمعنا اليوم لمعرفة ما إذا كان بإمكاننا التوصل إلى اتفاق أكبر، بدلاً من الاكتفاء بسلسلة من التفاهمات الأصغر. واتفقنا على تمديد ما نسميه اتفاق بوسان"، موضحاً أن التمديد سيستمر حتى 10 يناير 2027.
وتوصل ترمب وشي إلى الاتفاق في مدينة بوسان الكورية الجنوبية في أكتوبر 2025، بهدف خفض حدة الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.
وبموجب التفاهمات، خفضت واشنطن الرسوم المرتبطة بتدفق المواد المستخدمة في تصنيع الفنتانيل من 20% إلى 10%، وعلقت توسيع قيود التصدير التي كان من شأنها منع آلاف الشركات الصينية من الحصول على التكنولوجيا الأميركية.
في المقابل، علقت بكين قيوداً جديدة على صادرات المعادن الأرضية النادرة، واستأنفت شراء فول الصويا ومنتجات زراعية أميركية، كما وافقت على اتخاذ إجراءات للحد من تدفق المواد الكيميائية المستخدمة في إنتاج الفنتانيل.
وتشير تقارير صينية إلى أن الطرفين يبحثان أيضاً ترتيبات تتعلق بالتجارة في السلع غير الحساسة، فيما تظل مسألة الرسوم الجمركية نقطة أساسية في أي تفاهم اقتصادي جديد. ومن المتوقع أن يحاول ترمب الحصول على التزامات صينية إضافية بشأن شراء السلع الأميركية، في حين تسعى بكين إلى ضمان استمرار الوصول إلى الأسواق وتقليص القيود الأميركية على التكنولوجيا، وفق صحيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست".
وتأتي المحادثات فيما ارتفعت فيه الصادرات الصينية بقوة، ما يمنح بكين أوراقاً تفاوضية إضافية، بينما تحاول واشنطن تقليص الاختلالات التجارية وتعزيز وصول الشركات الأميركية إلى السوق الصينية.
كما تمثل المعادن النادرة والحيوية أحد أكثر الملفات حساسية، إذ تهيمن الصين على جانب كبير من عمليات تكرير ومعالجة هذه المواد الضرورية لصناعات التكنولوجيا والطاقة والدفاع.
وتريد واشنطن ضمان تدفق مستقر للمعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، بينما تسعى بكين إلى الحصول على ضمانات بألا تستخدم الولايات المتحدة قيود التصدير والتكنولوجيا كأداة للضغط عليها.
وتعد ضوابط تصدير المعادن النادرة من أبرز أدوات النفوذ الاقتصادي التي استخدمتها بكين خلال التوترات التجارية، ولذلك يمكن لأي تفاهم بشأن الإمدادات والتراخيص المستقبلية أن يساهم في تثبيت الهدنة التجارية الأوسع.
أبعاد أمنية في سباق الذكاء الاصطناعي
وتحتل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي موقعاً متقدماً في المحادثات، مع اشتداد المنافسة "الأميركية-الصينية" على أشباه الموصلات والأنظمة المتقدمة والتطبيقات العسكرية والاقتصادية للذكاء الاصطناعي.
وكان الطرفان قد ناقشا إنشاء قنوات للحوار بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، لكن التنافس التكنولوجي استمر بالتوازي مع ذلك، خصوصاً حول تصدير الرقائق المتقدمة والتكنولوجيا الأميركية إلى الصين.
وشهدت الولايات المتحدة خلال الأسابيع الماضية تصاعد المخاوف من أن يتقدم الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من اللازم، بالتوازي مع الدعوات إلى ضرورة أن تحافظ واشنطن على تفوقها على الصين في التكنولوجيا المتقدمة.
لكن ترمب عارض بقوة الدعوات إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، وقال مؤخراً: "نحن نتقدم على الصين في الذكاء الاصطناعي"، مضيفاً: "وبصراحة، أريد أن يبقى الأمر كذلك، لأن من يفوز بالذكاء الاصطناعي يفوز".
وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اقترح خلال محادثات مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنج، إنشاء آلية مشتركة للسلامة في مجال الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين.
وتسعى واشنطن إلى الحفاظ على تفوقها التكنولوجي، بينما تعارض بكين القيود التي تحد من وصولها إلى التكنولوجيا الأميركية المتقدمة. ولذلك، يُرجح أن يتركز النقاش على إدارة مخاطر المنافسة أكثر من تحقيق تعاون واسع في قطاع التكنولوجيا.
تايوان.. الملف الأكثر حساسية
تبقى تايوان من أكثر القضايا حساسية في القمة، إذ تعتبر بكين الجزيرة جزءاً من أراضيها، وتعارض أي دعم أميركي تعتبره تعزيزاً لاستقلالها.
وفي المقابل، تواصل واشنطن دعم تايوان عسكرياً، فيما أصبحت مبيعات الأسلحة الأميركية للجزيرة نقطة احتكاك مباشرة مع بكين.
وكانت تقارير قد أشارت إلى أن الولايات المتحدة تدرس تأجيل بعض مبيعات الأسلحة إلى تايوان قبيل زيارة شي، ما يزيد أهمية الملف خلال المحادثات.
وتزامناً مع الزيارة، قالت وزارة الدفاع الصينية إن العلاقات العسكرية بين البلدين ينبغي أن تبقى "مستقرة وسليمة ومستدامة"، فيما دعت واشنطن إلى توخي "أقصى درجات الحذر" في التعامل مع قضية تايوان.
إيران.. ملف جيوسياسي على طاولة القمة
لا تقتصر أجندة القمة على الملفات الثنائية، إذ من المتوقع أن تحضر حرب إيران والتوترات في الشرق الأوسط في المحادثات، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها على أسواق الطاقة والممرات البحرية.
وتسعى واشنطن إلى بحث الدور الاقتصادي للصين في دعم إيران، بما في ذلك مشتريات النفط والالتفاف على العقوبات الأميركية، في وقت تحرص فيه بكين على الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع طهران.
ويربط محللون هذا الملف بمحاولة واشنطن وبكين إدارة ملفات التنافس العالمي بالتوازي مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، خصوصاً أن الأزمة في الشرق الأوسط باتت تتقاطع مع مصالح البلدين في الطاقة والتجارة والأمن، وفق "ساوث تشاينا مورنينج بوست".
ومن الملفات الجيوسياسية الأخرى المطروحة الحرب الروسية الأوكرانية، في ظل علاقة الصين الوثيقة بموسكو ومساعي واشنطن إلى ممارسة ضغوط على بكين بشأن علاقاتها الاقتصادية مع روسيا.
وتشير أجندة القمة الأوسع إلى أن ترمب وشي قد يناقشان الحرب ضمن ملفات الأمن الدولي، إلى جانب قضايا الشرق الأوسط والتنافس العسكري والتكنولوجي.













