الغاز الأميركي للبلقان يهدد مساعي الانضمام للاتحاد الأوروبي | الشرق للأخبار

تدفق الغاز الأميركي إلى البلقان يهدد مساعي انضمام دول المنطقة للاتحاد الأوروبي

تحذيرات أوروبية لألبانيا وكوسوفو والبوسنة والهرسك بشأن تقويض أهداف تغير المناخ

محطة عائمة للغاز الطبيعي المسال في كرواتيا بمنطقة البلقان. 25 أبريل 2023 - Getty Images
محطة عائمة للغاز الطبيعي المسال في كرواتيا بمنطقة البلقان. 25 أبريل 2023 - Getty Images

تثير مساعٍ تقودها شركات طاقة أميركية لتعزيز نفوذها في غرب البلقان، مخاوف أوروبية من أن تصبح المنطقة معتمدة على الوقود الأحفوري الأميركي، في وقت تحاول فيه تحقيق أهداف الطاقة النظيفة، ضمن مساعي انضمام دول تلك المنطقة إلى الاتحاد الأوروبي.

وأبدت ألبانيا وكوسوفو والبوسنة والهرسك، اهتماماً بشراء كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، أو ببناء بنية تحتية لدعم تدفقاته، وفق مجلة "بوليتيكو".

وتقول هذه الدول إن الغاز ضروري باعتباره "وقوداً انتقالياً"، فيما تعمل على خفض وارداتها من الوقود الروسي واستهلاك الفحم، والتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، وهي جميعاً عناصر أساسية في مساعي انضمام تلك الدول إلى الاتحاد الأوروبي.

لكن مسؤولين في الاتحاد الأوروبي يتساءلون عما إذا كانت المشروعات المطروحة ضرورية أو مرغوبة، في ظل طلب محلي محدود للغاية على الغاز في هذه الدول حالياً. ويحذرون من أن إغراق هذه الأسواق بالغاز قد يؤدي إلى ترسيخ اعتمادها عليه لفترات طويلة، وزيادة اعتمادها على الواردات الأجنبية.

ويلتزم الاتحاد الأوروبي بأهداف صارمة لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري إلى الصفر بحلول عام 2050، وزيادة استخدام الطاقة المتجددة، وهي أهداف سيتعين على الأعضاء الجدد في الاتحاد الالتزام بها. ويخشى مسؤولون أوروبيون من أن تؤدي زيادة واردات الغاز إلى تقويض هذه الأهداف.

لكن قطاع الغاز الأميركي يستغل التحول السريع للاتحاد الأوروبي بعيداً عن الغاز الروسي، والضغوط التي تواجه الأسواق العالمية نتيجة حرب إيران، لإبرام سلسلة من اتفاقات التوريد في المنطقة الأوسع، بما يتماشى مع العقيدة المعلنة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن "الهيمنة على الطاقة".

دول البلقان والاتحاد الأوروبي

وقال أندراس هوجبر، الذي يقود الدبلوماسية في مجال الطاقة التابعة للمفوضية الأوروبية في غرب البلقان، في منتدى عُقد في فيينا، رداً على سؤال من "بوليتيكو": "لقد تعهدت هذه الدول، في إطار طموحها الأوسع للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بخفض الانبعاثات الكربونية، ووضع مسار لذلك والالتزام به، وبالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري بشكل أساسي". وأضاف أن إدخال الغاز إلى المنطقة "يبدو أنه يتعارض مع هدف إزالة الكربون الحيوي هذا".

وقال إن الاتفاقات قد تتجاوز هدف الاستغناء عن الإمدادات الروسية، وأنها قد "تسهم في زيادة الاعتماد على الكربون في المنطقة. لا ينبغي أن نضع الغاز في أسواق لا تستخدمه".

وأشار إلى مثال على ذلك، وهو اتفاق مبدئي بين واشنطن والبوسنة والهرسك لتطوير خط أنابيب لنقل الغاز من جزيرة كرك في كرواتيا الواقعة على البحر الأدرياتيكي.

وأثار المشروع جدلاً منذ أن أقر البرلمان البوسني في وقت سابق من العام قانوناً لتثبيت شركة AAFS، وهي شركة صغيرة يديرها مقربون من الرئيس الأميركي ترمب، مشغلاً رئيسياً لخط الأنابيب. وأدى ذلك إلى اتهامات بالفساد، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بإزالة الكربون.

تحذيرات أوروبية

وحذر مسؤولون في الاتحاد الأوروبي أيضاً من أن المشروع قد يهدد مساعي البوسنة والهرسك للانضمام إلى الاتحاد، حسبما نقلت صحيفة "الجارديان".

وقال هوجبر، الثلاثاء الماضي: "كتب سفيرنا رسائل وأشار إلى القضايا التي نرى أن هذا المشروع قد يثيرها". وأضاف أن المفوضية تعتزم "المتابعة على أساس ذلك بالطريقة المناسبة"، من دون تحديد نوع الإجراءات التي قد تتخذها.

وتعكس مراسلات داخلية للمفوضية، اطلعت عليها "بوليتيكو"، هذه المخاوف أيضاً، إذ تلفت الانتباه إلى غياب الشفافية بشأن عقد AAFS، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بإدخال الغاز إلى المنطقة.

وأثارت خطوة سراييفو كذلك استياء قيادة "مجموعة الطاقة"، وهي مبادرة يقودها الاتحاد الأوروبي لمساعدة الدول الساعية إلى الانضمام إلى التكتل، ومنها البوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفو، إلى جانب صربيا وجورجيا ومولدوفا والجبل الأسود ومقدونيا، على مواءمة قواعدها مع قواعد الاتحاد، وهي عملية يهدد تعاظم المشاركة الأميركية في المنطقة بتعطيلها.

وقال أرتور لوركوفسكي، مدير "مجموعة الطاقة"، في مقابلة على هامش الفعالية في فيينا: "هذه هي رسالتنا إلى البوسنة والهرسك: تشريعات الاتحاد الأوروبي التي نروج لها لا تحدد، بحكم تعريفها، من يجب أن يكون المورد، لكن العنصر الأساسي هو ضمان تكافؤ الفرص هنا من حيث الإطار التنظيمي".

وأضاف أنه من الضروري وجود المنافسة والعدالة والشفافية، وأن "تُطبق قواعد متساوية على جميع المنافسين".

وقال: "بعبارة أخرى، لا نريد أن تكون البوسنة والهرسك مستثناة، أو تتمتع بوصول مميز إلى السوق. هذا ما ينبغي تجنبه، لأنه لن يكون متماشياً مع تشريعات الاتحاد الأوروبي".

ولم يتم التصديق على أي من الاتفاقين بعد. فما زال مشروع خط الربط البوسني يحتاج إلى موافقة المشرعين في مجلس النواب الأعلى بالبلاد، بينما لا يزال الاتفاق الألباني، الذي يُتصور أن يكون اتفاقاً لتوريد الغاز لمدة 20 عاماً بالتعاون مع اليونان وشركة "فينشر جلوبال" الأميركية، في صورة مذكرة تفاهم فقط، في انتظار نتائج دراسة جدوى. كما لم يصدر قرار نهائي من كوسوفو. ومن المقرر أيضاً أن تحصل صربيا ومقدونيا الشمالية على الغاز الطبيعي المسال الأميركي عبر خط ربط مخطط له مع اليونان.

ولم يرد متحدث باسم وزارة الطاقة الأميركية مباشرة على أسئلة بشأن شفافية الاتفاقات المحتملة، أو خطر ترسيخ الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال، لكنه قال إن التعاون "سيعزز الاستقرار في المنطقة، ويخفض أسعار الطاقة، ويدعم التجارة والازدهار".

وأضاف المتحدث أن المشروعات التجارية ستساعد ألبانيا والبوسنة والهرسك، على "تقليل الاعتماد على الغاز الروسي" من خلال استبداله بالغاز الطبيعي المسال الأميركي.

تنويع مصادر الطاقة

رغم اعتراض مسؤولين في الاتحاد الأوروبي، قال مسؤولون من دول البلقان، خلال اجتماع الثلاثاء الماضي، إن الاتفاقات المحتملة مع الولايات المتحدة ضرورية للتوافق مع التحول الأخضر للاتحاد الأوروبي، الذي سيتطلب كميات كبيرة من الغاز لتوفير طاقة أساسية موثوقة عندما تتراجع مصادر الطاقة الأكثر تقلباً، وكذلك مع التخلص التدريجي من الفحم.

وفي ألبانيا، أصبحت الطاقة الكهرومائية، التي تهيمن على مزيج الطاقة، أقل موثوقية بشكل متزايد مع تسبب حالات الجفاف المرتبطة بتغير المناخ في انخفاض تدفق الأنهار، وفقاً لمسؤول حكومي ألباني تحدث لـ"بوليتيكو"، شريطة عدم كشف هويته.

ويؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على الغاز الطبيعي، الذي يقدمه مؤيدوه باعتباره "وقوداً انتقالياً" يمكنه دعم شبكات الكهرباء بينما يجري تطوير قدرات الطاقة المتجددة. ولا يمثل الغاز حالياً سوى 1.8% من مزيج الطاقة في البلاد.

وقال المسؤول إن تطوير البنية التحتية للغاز، أمر حيوي لتنويع مصادر الطاقة وضمان الإمدادات، فضلاً عن دعم خطط ألبانيا لإنشاء مركز إقليمي للغاز في مدينة فلوره الجنوبية.

وفي الوقت نفسه، أدى الابتعاد عن الغاز الروسي، إذ يُطلب من الدول المتقدمة بطلبات الانضمام أيضاً مواءمة سياساتها مع الحظر التدريجي الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي على الغاز، إلى خلق فجوة في السوق؛ فالبوسنة والهرسك، على سبيل المثال، لديها خط أنابيب واحد فقط يمدها بالغاز الروسي، ما يعني عدم وجود بديل في حالات الطوارئ.

وقالت متحدثة باسم وزارة الطاقة والتعدين والصناعة الاتحادية في البوسنة والهرسك: "خط الربط الجنوبي لا يتعلق بإبقاء البوسنة والهرسك معتمدة على الغاز. بل يتعلق بإنهاء اعتمادنا على مسار إمداد واحد ومصدر واحد، وتعزيز أمن الطاقة في البلاد".

وقود انتقالي

وأضافت أن الغاز الطبيعي وقود انتقالي، وليس "الوجهة النهائية لسياستنا في مجال الطاقة".

ووفق "بوليتيكو"، فإن خلاصة الأمر أن دول غرب البلقان الساعية إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تسعى بشدة إلى تأمين مصادر بديلة للطاقة، لا يستطيع الاتحاد الأوروبي نفسه توفيرها أو لا يرغب في توفيرها؛ فالتكتل ينتج كميات ضئيلة من الغاز، ويرفض تمويل بنية تحتية جديدة للغاز في المنطقة، فيما يعتمد هو نفسه، على نحو متزايد، على الغاز الطبيعي المسال الأميركي.

ومن المفارقات، بحسب المجلة في نسختها الأوروبية، أن إحدى الفوائد الرئيسية للتكامل الأوثق مع الاتحاد الأوروبي الذي تسعى إليه الدول الأعضاء في "مجموعة الطاقة" تتمثل في زيادة وصولها إلى المنتج الأميركي.

وقال لوركوفسكي: "لهذا السبب نريد أن تكون لدينا في البوسنة والهرسك القواعد نفسها المطبقة في الاتحاد الأوروبي، بحيث يكون تدفق الغاز من الاتحاد الأوروبي سلساً". وأضاف: "سيكون غازاً أميركياً، لأنه لا يوجد غاز يُنتج في الاتحاد الأوروبي". وقال إن هذا هو "سبب تسميتهم إياها عقيدة الهيمنة الاستراتيجية".

وأضاف: "لا يمكنك أن تلوم شخصاً على استغلال الفرصة لبيع ما لديه. لا أرى أن الاتحاد الأوروبي قادر على توفير الغاز".

تصنيفات

قصص قد تهمك