
عكست زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى الولايات المتحدة، وهي أول زيارة دولة له إلى البيت الأبيض منذ 11 عاماً، توجهاً لدى بكين وواشنطن نحو إدارة المنافسة بينهما ومنعها من الخروج عن السيطرة، بدلاً من محاولة تجنبها كلياً.
ولا يزال الجانبان منقسمين بشأن التجارة والتكنولوجيا والأمن وقضايا استراتيجية أخرى، لكن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها خلال محادثات شي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى جانب تجدد قنوات الحوار والدبلوماسية الرمزية للغاية التي أحاطت بالزيارة، أشارت إلى محاولة إبقاء التنافس ضمن إطار من التواصل والاستقرار.
وعقب زيارة شي إلى واشنطن، كشفت الصين عن 8 تفاهمات توصل إليها الرئيسان خلال محادثاتهما، شملت الاستقرار الاستراتيجي، والعلاقات الاقتصادية والتجارية، والذكاء الاصطناعي، وإنفاذ القانون، والشؤون الدولية، والتبادلات الثقافية بين الشعبين.
أبرز تفاهمات قمة ترمب وشي
- اتفق الجانبان على بناء "علاقة صينية-أميركية بناءة من الاستقرار الاستراتيجي على أساس الاحترام والإنصاف والمعاملة بالمثل".
- تتبادل الصين والولايات المتحدة الدعم في استضافة اجتماع قادة اقتصادات منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC)، وقمة مجموعة العشرين G20 بنجاح. ويعتزم رئيسا الدولتين حضور اجتماعات كل منهما.
- اتفق الزعيمان على أن تلتزم إيران بتعهدها عدم تطوير أسلحة نووية، وعلى أنه لا يجوز السماح لأي دولة أو مؤسسة بفرض رسوم على الممرات المائية الدولية.
- أشار رئيسا الدولتين إلى أن الصين والولايات المتحدة كانتا حليفتين خلال الحرب العالمية الثانية، وقاتلتا جنباً إلى جنب للفوز بالحرب.
- أقرّ رئيسا الدولتين بالدور الإيجابي لآلية المشاورات الاقتصادية والتجارية بين الصين والولايات المتحدة، وأيدا نتائج المشاورات بين الفريقين الاقتصادي والتجاري، بما في ذلك إنشاء مجلس التجارة، وآليات أخرى والمضي قدماً فيها، والتوصل إلى تفاهم بشأن خفض متبادل للرسوم الجمركية على سلع تبلغ قيمتها 30 مليار دولار في كل اتجاه تجاري، وتمديد نتائج المشاورات الاقتصادية والتجارية في كوالالمبور، وأصدرا توجيهات بتنفيذها.
- أشار الجانبان إلى أن التعاون بين أجهزة مكافحة المخدرات وإنفاذ القانون في الصين والولايات المتحدة حقق نتائج ملموسة. وفي الآونة الأخيرة، تعاون الجانبان بشكل وثيق في كشف عدة قضايا تتعلق بالمواد ذات التأثير النفساني الجديدة (NPS)، والمواد الكيميائية الأولية، وألقيا القبض على عشرات المشتبه بهم ذوي الصلة في البلدين.
- اتفق الجانبان على إنشاء "الحوار الصيني- الأميركي بشأن الذكاء الاصطناعي" لتبادل وجهات النظر بشأن المخاطر والفوائد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وستُعقد الجولة التالية من الحوار في نوفمبر 2026. كما اتفقت الصين والولايات المتحدة على إنشاء قناة اتصال ثنائية بشأن حوادث الذكاء الاصطناعي.
- رحبت الولايات المتحدة بوصول دبّين من الباندا العملاقة، استأجرتهما الصين لحديقة حيوان أتلانتا.
علاقة بناءة تقوم على الاستقرار
تمثلت النتيجة السياسية الرئيسية للزيارة في مواصلة تطوير صيغة جديدة للعلاقات الصينية- الأميركية تتمحور حول "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء".
وبعد عودة الرئيس شي إلى بكين، قال وزير الخارجية الصيني وانج يي إن المحادثات عززت مضمون الصيغة الجديدة التي اتفق عليها الرئيسان، وقدمت توجيهاً استراتيجياً أوضح للبلدين في استكشاف كيفية تعايش القوى الكبرى. وهذه الصيغة تشدد على الاحترام والإنصاف والمعاملة بالمثل، وتستند إلى التفاهم الذي توصل إليه شي وترمب خلال اجتماعهما في مايو الماضي.
وقال دياو دامينج، نائب عميد الأكاديمية الوطنية للتنمية والاستراتيجية في جامعة "رينمين" الصينية، وهو باحث يرتبط بعلاقات وثيقة مع وزارة الخارجية الصينية لـ"الشرق" إن الزيارة عززت مضمون الصيغة الجديدة التي اتفق عليها الزعيمان في مايو.
وأضاف أن التأكيد على الاحترام والإنصاف والمعاملة بالمثل يتماشى مع المبادئ التي طالما دافعت عنها الصين في إدارة العلاقات الثنائية، كما يعكس محاولة استخلاص دروس من تاريخ العلاقات الصينية- الأميركية.
وخلال قمة واشنطن، شدد الرئيس الصيني على ضرورة أن "يتمسك الجانبان بالخطوط الحمراء" لضمان "عدم اندلاع صراع أو مواجهة بيننا"، مؤكداً أهمية إدارة المنافسة بين البلدين والحيلولة دون تصاعد الخلافات إلى مواجهة.
وقال دا وي، مدير مركز الدراسات الدولية والأمنية في جامعة "تسينجهوا" لـ"الشرق" إن نهج الصين تجاه العلاقات مع الولايات المتحدة يتغير.
وأوضح أن هذا النهج "تغيّر من رفض التصوّر الأميركي لعلاقتنا باعتبارها علاقة تنافس إلى الاستعداد للإقرار بأن جوهر العلاقات الصينية-الأميركية هو التنافس".
بدوره، قال تشاو مينجهاو، الأستاذ في معهد الدراسات الدولية بجامعة "فودان"، والمتخصص في الدراسات الأميركية، لـ"الشرق" إن "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء" يعني أكثر من مجرد تجنب الصراع.
وأضاف أن الأمر يتطلب أيضاً أن يستكشف البلدان مجالات للتعاون، وأن يطورا "علاقة اقتصادية أكثر قابلية للإدارة" تتعامل مع المخاوف الصناعية والتكنولوجية والأمنية، مع توفير قدر أكبر من الثقة للشركات.
التجارة محور إدارة العلاقات الاقتصادية
تظل التجارة أحد أبرز المجالات التي ستُختبر فيها الصيغة الجديدة للعلاقات بين البلدين، إذ استندت النتائج الاقتصادية التي أقرها شي وترمب إلى الجولة الثامنة من المشاورات الاقتصادية والتجارية بين الصين والولايات المتحدة، التي عُقدت على الأراضي الأميركية قبل قمة الرئيسين.
وأيد الجانبان نتائج تلك المشاورات، بما في ذلك إنشاء "مجلس التجارة"، وآليات أخرى والمضي قدماً فيها، والتوصل إلى تفاهم بشأن خفض متبادل للرسوم الجمركية على سلع تبلغ قيمتها 30 مليار دولار في كل اتجاه تجاري، وتمديد نتائج المشاورات الاقتصادية والتجارية السابقة في كوالالمبور. وأصدر الرئيسان تعليمات إلى فريقيهما الاقتصادي والتجاري بتنفيذ الاتفاقات.
وقال شون ستاين، رئيس مجلس الأعمال الأميركي-الصيني، لـ"الشرق"، إن تبادل الزيارات بين شي وترمب خلال أقل من 6 أشهر يمكن أن يسهم في تعزيز الزخم نحو علاقات ثنائية مستقرة، ويرسل إشارة إيجابية إلى مجتمع الأعمال.
وأضاف أن الاتفاقات توفر قنوات إضافية لإدارة الخلافات الاقتصادية بعد سنوات من الرسوم الجمركية، والقيود التي شملت التقنيات الاستراتيجية، بينما تمنح الشركات رؤية أوضح بشأن كيفية التعامل مع النزاعات التجارية.
الذكاء الاصطناعي قناة جديدة للحوار
يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم مجالات المنافسة والتعاون المحتمل بين الصين والولايات المتحدة.
واتفق الجانبان على إنشاء "الحوار الصيني-الأميركي بشأن الذكاء الاصطناعي" لتبادل وجهات النظر بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي وفوائده، إلى جانب قناة اتصال ثنائية بشأن حوادث الذكاء الاصطناعي. ومن المقرر إجراء الجولة التالية من الحوار في نوفمبر 2026، فيما أطلق البيت الأبيض على الآلية اسم الحوار الأميركي الصيني بشأن الذكاء الفائق.
ولم تكن قناة الحوار بشأن الذكاء الاصطناعي منفصلة عن المناقشات الاقتصادية، إذ عقدت الصين والولايات المتحدة أول حوار بينهما في هذا المجال خلال الجولة الثامنة من المشاورات الاقتصادية والتجارية التي استضافتها الولايات المتحدة مؤخراً، وفقاً للمتحدث باسم وزارة التجارة الصينية خه يادونج، الذي أعلن ذلك خلال مؤتمر صحافي في 24 سبتمبر.
ويأتي هذا التطوّر في الوقت الذي يسرّع فيه البلدان استثماراتهما في أنظمة الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للحوسبة والتقنيات ذات الصلة، بينما أصبحت المنافسة على التكنولوجيا المتقدمة مرتبطة بشكل متزايد بالمخاوف الاقتصادية والأمنية الوطنية.
وقال تشاو مينجهاو لـ"الشرق"، إن الصين والولايات المتحدة بحاجة إلى إدارة المخاطر الناشئة عن التطور السريع للذكاء الاصطناعي بشكل مشترك، مع الحفاظ على مساحة للتطور التكنولوجي والتعاون.
وأضاف أن الحوار الذي أُنشئ حديثاً يمكن أن يوفر قناة للجانبين للتواصل بشأن المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ومنع تحول المنافسة التكنولوجية إلى مصدر لعدم استقرار أوسع.
بكين تتمسك بموقفها بشأن تايوان
كانت قضية تايوان من بين الملفات التي ناقشها شي وترمب في البيت الأبيض، إذ أعرب الرئيس الصيني عن أمله في أن يلتزم الجانب الأميركي بما وصفه بـ"الموقف الصحيح" المتمثل في معارضة "استقلال تايوان"، وأن يتعامل مع القضية بحذر، بما يرسخ أساساً متيناً للتعاون الاستراتيجي الثنائي وتطوير العلاقات الصينية-الأميركية. وأكد شي أن موقف بلاده بشأن حماية وحدتها الوطنية وسلامة أراضيها واضح تماماً.
وقال تشونج هوتاو، الأستاذ المشارك في كلية الأمن القومي بجامعة "العلاقات الدولية"، والخبير في شؤون تايوان، لـ"الشرق"، إن التعامل السليم مع القضية ومعارضة "استقلال تايوان" أمران مهمان للحفاظ على الأساس السياسي للعلاقات الصينية-الأميركية، وتهيئة الظروف للتعاون الاستراتيجي.
وأشار تشونج إلى أنه في عام 2003، عندما دفعت السلطات التي قادها "الحزب الديمقراطي التقدمي" (DPP) في تايبيه باتجاه خطوات نحو "استقلال تايوان"، عارض البر الرئيسي الصيني بشدة الأنشطة الانفصالية، فيما عارض الجانب الأميركي التحركات أحادية الجانب التي يمكن أن تغير الوضع القائم عبر مضيق تايوان.
مراسم استثنائية
أضفت مراسم استقبال شي بُعداً رمزياً قوياً على نحو غير معتاد إلى القمة. وفي خروج عن بروتوكول معمول به منذ نحو 60 عاماً وفقاً لـ"فاينانشيال تايمز"، توجه ترمب شخصياً إلى المطار رفقة السيدة الأولى ميلانيا ترمب، للترحيب بالرئيس الصيني في مراسم رسمية على السجادة الحمراء. وشكلت هذه الخطوة سابقة لافتة في تاريخ الزيارات الرئاسية.
وأظهرت مشاركة الرئيس الأميركي والسيدة الأولى شخصياً في استقبال رئيس دولة أجنبية بالمطار مستوى الاهتمام الاستثنائي الذي أحيطت به الزيارة.
وذكر ترمب في وقت لاحق زيارته إلى الصين في مايو، وحفاوة الاستقبال التي حظي بها هناك، قائلاً إنه أراد رد تلك الحفاوة.
وشملت مراسم الاستقبال الرسمية تحية عسكرية، وعزف النشيدين الوطنيين، واستعراضاً عسكرياً، وتحليقاً لمقاتلات، فيما ضم حرس الشرف التابع للقوات المسلحة الأميركية ممثلين عن الجيش والبحرية والقوات الجوية ومشاة البحرية وخفر السواحل.
وأمضت فرق العمل الصينية والأميركية أسابيع في تنسيق مراسم الاستقبال وتفاصيلها، ما يؤكد الأهمية التي أُوليت للبروتوكول الدبلوماسي والاحترام المتبادل.
كما حملت مأدبة عشاء الدولة رسالة تاريخية مماثلة، إذ شهدت مراسم التحية الافتتاحية تقديم نبيذ "بلان دو نوار" الفوار من إنتاج "شرامسبيرج"، والذي اختير لاستحضار "نخب السلام" التاريخي الذي جرى عام 1972 بين الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، ورئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي في بكين.
كما استذكر الزعيمان أن الصين والولايات المتحدة قاتلتا جنباً إلى جنب كحليفتين خلال الحرب العالمية الثانية.
وأضاف وصول دبّين من الباندا العملاقة، استأجرتهما الصين لحديقة حيوان أتلانتا، بعداً ثقافياً آخر إلى الزيارة.
من رمزية القمة إلى التواصل المستدام
وإلى جانب التجارة والذكاء الاصطناعي، اتفق الجانبان على تعزيز التعاون في مكافحة المخدرات وإنفاذ القانون، فيما من المتوقع أن يتوصل جيشا البلدين إلى مذكرة تفاهم بشأن الاتصالات وإدارة الأزمات والوقاية منها في أقرب وقت ممكن، ومواصلة التعاون في البحث عن رفات العسكريين الأميركيين المفقودين في الصين.
كما اتفقا على دعم بعضهما في استضافة اجتماع قادة اقتصادات منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، وقمة مجموعة العشرين، مع اعتزام شي وترمب حضور اجتماعات كل منهما.
وتطرّق الزعيمان أيضاً إلى قضايا دولية، من بينها التزام إيران بعدم تطوير أسلحة نووية، ومبدأ عدم السماح لأي دولة أو مؤسسة بفرض رسوم على الممرات المائية الدولية.
وفي مجملها، تفتح نتائج القمة قنوات إضافية للتواصل بشأن قضايا اقتصادية وتكنولوجية وأمنية، في حين تترك الخلافات الأساسية بشأن التجارة والتكنولوجيا المتقدمة، والأمن القومي وقضية تايوان لإدارتها من خلال الحوار المستمر.
وسينتقل التركيز الفوري الآن إلى التنفيذ. فالزيارة لم تُنهِ المنافسة الاستراتيجية بين بكين وواشنطن، كما لم يلمّح أي من الجانبين إلى إمكانية إنهاء هذه المنافسة.
وبدلاً من ذلك، أشارت القمة إلى الجهود المبذولة لضمان إبقاء المنافسة تحت السيطرة، والحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، ومنع الخلافات من دفع العلاقة الأوسع إلى نقطة يصعب معها احتواؤها.
وستعتمد استدامة إطار "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء" الجديد على مدى قدرة الآليات التي جرى الاتفاق عليها خلال الزيارة على مواصلة العمل بعد انتهاء دبلوماسية القمة.








