
على مدى ما يقرب من تسعة عقود، حملت الانتخابات النصفية الأميركية في الغالب أخباراً سيئة لحزب الرئيس. فمنذ عام 1938، خسر الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض مقاعد في مجلس النواب في 20 من أصل 22 انتخابات نصفية، ولم يكسر هذه القاعدة سوى الرئيسين السابقين بيل كلينتون عام 1998 وجورج دبليو بوش عام 2002، فيما يسعى الرئيس الحالي دونالد ترمب إلى أن يصبح الثالث.
وقبل نحو 4 أسابيع من انتخابات التجديد النصفي، المقررة في 3 نوفمبر، اكتملت ملامح خطة ترمب لخوض الانتخابات.
وبدأت هذه الخطة منذ مدة، بتدخل ترمب لإعادة رسم الدوائر الانتخابية في غير موعدها المتعارف عليه، ثم مشاركته الفعّالة في عملية اختيار المرشحين الجمهوريين أثناء الانتخابات التمهيدية.
وجاءت خطوة ترمب الثالثة غير معتادة بعقد مؤتمر انتخابي قبل انتخابات التجديد النصفي، وهو حدث له سابقة واحدة في التاريخ السياسي في عام 1982.
وبدأ ترمب في الأسابيع الأخيرة جولة لدعم مرشحي الحزب الجمهوري في أنحاء الولايات، لكسر القاعدة التاريخية. فهل يستطيع تحويل نفوذه داخل الحزب وأدواته الانتخابية إلى استثناء آخر في تاريخ الانتخابات النصفية؟
قاعدة انتخابية تاريخية
خلال فعاليات المؤتمر الانتخابي النصفي الأول للحزب الجمهوري، في مدينة دالاس بولاية تكساس، ألقى ترمب خطاباً توقع فيه أن "الأغلبية الأميركية العظيمة ستنهض وتواصل العمل على جعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، مضيفاً: "سنُسمع أصواتنا، ربما كما لم يحدث من قبل".
يدرك ترمب وحزبه الجمهوري، أن التاريخ يخالفهم في الانتخابات النصفية لعام 2026، ومع ذلك يدفع بكل قوة للاحتفاظ بالكونجرس.
فخلال المؤتمر الذي عقد في 9 سبتمبر واستمر ليومين، أقر ترمب بحكم التاريخ، قائلاً: "ليس من المفترض أن يفوز الرئيس الحالي في انتخابات التجديد النصفي".
وعادة ما يخسر حزب الرئيس مقاعداً في الكونجرس خلال الانتخابات النصفية، لا سيما في مجلس النواب الذي تُطرح جميع مقاعده الـ435 في الانتخابات، فيما يُنتخب نحو ثلث أعضاء مجلس الشيوخ كل عامين، 35 مقعداً، ما يجعله أقل عرضة للتقلبات.
وأرجع أستاذ التاريخ السياسي في جامعة ويسكونسن، جوناثان كاسباريك، الخسارة إلى اضطرار حزب الرئيس للدفاع عن سجل الإدارة، "وهي مهمة غالباً ما تكون صعبة".
وقال كاسباريك في حديث مع "الشرق" إن الناخبين يميلون إلى المبالغة في تقدير ما سيحققه مرشحهم، "لذا فإن قدراً من الإحباط وخيبة الأمل يبدو أمراً حتمياً تقريباً، علاوة على ذلك، يكون أنصار حزب المعارضة دائماً متحمسين للتصويت ضد الحزب الحاكم".
وأشار إلى حالة استثنائية حدثت عام 1934، حين اكتسب الديمقراطيون مقاعد في الكونجرس بفضل الشعبية التي حظي بها تعامل الرئيس الديمقراطي السابق فرانكلين روزفلت مع أزمة الكساد الكبير.
وأشار كاسباريك إلى أن الناخبين ألقوا باللوم على الجمهوريين، الذين سيطروا تماماً على الحكومة منذ عام 1921، في التسبب بالأزمة، واستمر هذا الوضع حتى عام 1938، حين حقق الجمهوريون نتائج أفضل من الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي.
وفي عام 1998، خالف الديمقراطيون الاتجاه السائد مرة أخرى. واعتبر كاسباريك أن هذه المرة كانت بسبب عدم شعبية رئيس مجلس النواب الجمهوري حينها نيوت جينجريتش، وإقدام الجمهوريين في المجلس على إجراءات لعزل الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، "رغم أن شعبيته كانت مرتفعة لدى الناخبين".
واستطرد كاسباريك قائلاَ: "لو كانت شخصية جينجريتش أقل حدة وعدائية، لربما كان الجمهوريون قد كسبوا بضعة مقاعد".
والمرة الأخيرة كانت في عام 2002، في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، حين كان الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش في ذروة شعبيته.
ولا يرى كاسباريك أن أياً من تلك الظروف قائمة هذا العام، مضيفاً: "ستكون هذه الانتخابات بمثابة رد فعل عكسي أو عقاب سياسي".
ولا يستبعد أستاذ العلوم السياسية وعضو الأكاديمية الفخرية في "جامعة أوهايو"، بول بيك، التصويت العقابي في انتخابات التجديد النصفي 2026، معتبراً أن الجمهوريين متواطئون إلى حد كبير في "سوء إدارة ترمب للاقتصاد، والحرب التجارية، والتضخم، وحرب إيران".
وقال بيك في حديث مع "الشرق" إن حزب الرئيس يكسب مقاعد إضافية في انتخابات التجديد النصفي فقط عندما يكون أداء الاقتصاد جيداً، "وهو ليس كذلك اليوم".
من جانبه، يستبعد أستاذ العلوم السياسية في مركز الدراسات السياسية (CPS) ومركز أبحاث المسح (SRC) في جامعة ميشيجان، مايكل تراجوت، أن يملك ترمب أي فرصة لتكرار نجاح بوش وكلينتون خلال انتخابات التجديد النصفي الخاصة بهما.
وقال تراجوت لـ"الشرق" إن في أول انتخابات تجديد نصفي لترمب عام 2018، خسر الجمهوريون 40 مقعداً، "ولن يكون أداء الجمهوريين أفضل حالاً هذا العام".
استفتاء على ترمب
في المؤتمر الانتخابي في دالاس، شجّع ترمب الناخبين على الإدلاء بأصواتهم كما لو كان موجوداً على بطاقة الاقتراع، قائلاً: "تظاهروا بأنني مرشح في الانتخابات".
ويدرك ترمب أنه يتمتع بجاذبية كبيرة لدى أنصاره، وأن تواجده على ورقة الاقتراع يمكن أن يحقق له نتائج أفضل، وهو ما يدفعه إلى تحويل الانتخابات النصفية إلى استفتاء على شخصه.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بول بيك أن تلك الاستراتيجية قد تنجح في تحفيز الجمهوريين خلال الانتخابات العامة، "لكن من المرجح ألا يكون ذلك كافياً للتغلب على حماس الحزب الديمقراطي، لا سيما في ظل النظرة السلبية للغاية التي يحظى بها ترمب".
يتمتع ترمب بمعدلات تأييد منخفضة بلغت 32% وفق آخر استطلاع لـ"رويترز" نشر في 5 أكتوبر الجاري، في حين تجاوز إقبال الناخبين الديمقراطيين، إقبال الجمهوريين في العديد من الولايات الرئيسية، منذ بدء الانتخابات التمهيدية الأولى في مارس.
ويعتقد كاسباريك أن استراتيجية ترمب قد تحفز قاعدته الانتخابية، "لكن تلك القاعدة كانت أصلاً تمثل شريحة صغيرة من الناخبين على عكس أولئك الذين صوتوا له على مضض، وهي آخذة في التقلص".
ورغم تأكيده على وجود ناخبين متحمسين للتصويت دعماً للرئيس، فإن كاسباريك أشار إلى الأرقام واستطلاعات الرأي ونسب المشاركة في الانتخابات التمهيدية التي تؤكد أن الديمقراطيين أكثر حماساً بكثير مقارنة بالحزب الجمهوري، مضيفاً: "كلما زاد نشاط ترمب في الحملات الانتخابية، زاد حماسهم لذلك".
استراتيجية كسر القاعدة
إذا خسر الجمهوريون السيطرة على أي من غرفتي الكونجرس في عام 2026، فإن المرحلة التشريعية من رئاسة ترمب ستواجه عراقيل، وستضع إدارته في موقف دفاعي أمام جلسات الاستماع الرقابية، وهو ما يخشاه الجمهوريون.
وعبّر رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن قلقه، حين قال في خطابه أمام أحد أكبر التجمعات السياسية للمحافظين والمسيحيين الإنجيليين "مؤتمر تحالف الإيمان والحرية": "إذا فاز الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي ستستهدف لجان الملاحقة نصف الموجودين في هذه الغرفة".
ويتمسك ترمب بالفوز في انتخابات التجديد النصفي، ومحاولة كسر القاعدة الانتخابية التاريخية.
وفي سعيه إلى ذلك، وعد ترمب قبل أن يختتم خطابه في المؤتمر الجمهوري الانتخابي، بمنح 5 آلاف دولار لكل أميركي بالغ في حال فوز حزبه، وذلك، بعد أن فتح الباب لما عرف بـ"حرب إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية".
وكان المشرعون الجمهوريون طالبوا بإعادة تقسيم الدوائر في تكساس بهدف الحصول على مقاعد إضافية لصالح الجمهوريين.
وعلى الرغم من أن هذه العملية تُجرى كل 10 سنوات، إلا أن تكساس قررت تعديل الخرائط في منتصف العقد، ونتيجة لذلك، قامت ولايات أخرى مثل كاليفورنيا وإلينوي وماريلاند وفرجينيا بخطوات مماثلة.
وكان من المفترض أن يكسب الجمهوريون بفضل هذه العملية وحدها ما يصل إلى 19 مقعداً، لكن المقاومة القانونية فشلت في تمرير الخرائط الجديدة في كل الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون.
كما دعّم ترمب عدداً من المرشحين الجمهوريين في الانتخابات التمهيدية، وخاض جولات انتخابية لمساعدتهم على الفوز.
وبدأت مجموعة مرتبطة به في إنفاق عشرات الملايين على دعاية تلفزيونية لدعم مرشحيه.
مخاطر الدوائر الانتخابية
واعتبر العميد المؤسس لـ"كلية شار للسياسة والحكومة" في جامعة جورج ميسون، مارك روزيل، أن تدخل ترمب في الدوائر الانتخابية التي تُعد معاقل راسخة للحزب الجمهوري، لا يعني سوى استبدال عضو جمهوري بآخر في الكونجرس.
وتوقع روزيل، في حديثه لـ"الشرق"، أن يتسبب تدخل ترمب في الدوائر التي تشهد منافسة محتدمة في خسارة الحزب الجمهوري لمقعد كان من المرجح أن يفوز به، مضيفاً: "ونظراً لأن معدلات تأييد الرئيس تقل عن 30% في بعض استطلاعات الرأي، فإن حصول المرشح على دعم ترمب في تلك الدوائر التنافسية يُعد عامل ضعف لا ميزة".
وكان عدد من المرشحين المدعومين بقوة من ترمب قد حققوا انتصارات كبيرة. ففي ولاية ساوث كارولاينا، هزمت عضوة مجلس الشيوخ دارلين جراهام عضو الكونجرس المخضرم رالف نورمان، وفي أوكلاهوما، فاز مايك مايزي المدعوم من ترمب في جولة الإعادة التمهيدية للحزب الجمهوري لانتخابات حاكم الولاية، على المدعي العام جينتنر دراموند، الذي انتقده ترمب في وقت سابق.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بول بيك، أن القاعدة الحزبية تهيمن على الانتخابات التمهيدية، "ما يؤدي إلى فوز مرشحين أكثر تشدداً أو مدعومين من ترمب. لكن القاعدة الانتخابية تكون أوسع في الانتخابات العامة، ما يضع المرشحين الأكثر تشدداً في موقف غير جيد".
أما أستاذ التاريخ السياسي جوناثان كاسباريك، فأشار إلى أن الانتخابات التمهيدية تشتهر بانخفاض نسبة المشاركة فيها، ما يساعد المرشحين الأكثر تطرفاً على الفوز بالترشيح، "وخير مثال على ذلك ولاية تكساس، حيث أيد ترمب كين باكستون، الذي تبنى مواقف يمينية متشددة تفوق بكثير مواقف شاغل المنصب الحالي جون كورنين. ونتيجة لذلك، وجد الجمهوريون في تكساس أنفسهم عالقين مع مرشح أقل جاذبية، بل إن الكثيرين منهم لا يريدونه. ولهذا، أعتقد أننا سنشهد عزوفاً كبيراً من الناخبين الذين يصوتون عادة للجمهوريين، عن المشاركة في سباق مجلس الشيوخ، مما يتيح للمرشح الديمقراطي الفوز بالولاية".
مؤشرات الانتخابات
وتدور معركة الكونجرس لعام 2026 في عدد محدود من الدوائر الأكثر تنافسية. وهو ما يجعل نتائج الساعات الأولى من ليلة الانتخابات مؤشراً مهماً على الاتجاه العام للنتائج.
ويرى الخبراء الذين تحدثوا لـ"الشرق" أن مراقبة أداء الحزبين في عدد من الولايات الواقعة ضمن المنطقة الزمنية الشرقية، والتي تُغلق فيها مراكز الاقتراع وتبدأ النتائج في الظهور قبل الولايات الغربية، قد تكشف مبكراً ما إذا كان ترمب قادراً على كسر القاعدة التاريخية.
وقال أستاذ التاريخ السياسي في جامعة ويسكنسن، جوناثان كاسباريك، إن تركيزه سينصب على ولايتين تُغلقان فيها صناديق الاقتراع مبكراً، نورث كارولاينا وساوث كارولاينا.
وأضاف أن التوقعات تشير إلى فوز الديمقراطيين بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية نورث كارولاينا، "ولكن إذا حققوا فوزاً بفارق أكبر مما كان متوقعاً، فقد يكون ذلك مؤشراً على حدوث موجة زرقاء، أي اكتساح ديمقراطي بالفعل".
أما في ساوث كارولاينا، فأشار كاسباريك إلى أن من شبه المؤكد أن تنتخب الولاية المرشحة الجمهورية دارلين جراهام، مضيفاً: "ورغم أنها كانت خيار ترمب، إلا أنها مرشحة باهتة تفتقر تماماً إلى المؤهلات. وإذا جاءت النتائج بفارق ضئيل، بضع نقاط مئوية، فسيكون ذلك مؤشراً آخر على تراجع تأييد الناخبين لترمب ومرشحيه".
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية في مركز الدراسات السياسية (CPS) ومركز أبحاث المسح (SRC) في جامعة ميشيجان، مايكل تراجوت، إنه سيتابع عن كثب الولايات التي تعلن نتائجها ضمن التوقيت الشرقي، وتحديداً في نورث كارولاينا وجورجيا وفلوريدا، معتبراً أنه "إذا تمكن الجمهوريين من الاحتفاظ بهذه المقاعد، خصوصا في الولايات التنافسية، فقد يكون ذلك إشارة إلى انكسار القاعدة التاريخية، ولكنني لا أعتقد ذلك".








