الاستيطان يتسارع في الضفة.. ملامح تجربة جنوب إفريقيا والنكبة | الشرق للأخبار
خاص

الاستيطان الإسرائيلي يتسارع في الضفة.. ملامح تجربة جنوب إفريقيا والنكبة الفلسطينية

يبتلع الارض ويغير هويتها ويهجر السكان

فلسطينيون في موسم حصاد الزيتون خلال اشتباكات مع المستوطنين الإسرائيليين في قرية دير أبو مشعل قرب رام الله بالضفة الغربية المحتلة. 10 أكتوبر 2026 - Reuters
فلسطينيون في موسم حصاد الزيتون خلال اشتباكات مع المستوطنين الإسرائيليين في قرية دير أبو مشعل قرب رام الله بالضفة الغربية المحتلة. 10 أكتوبر 2026 - Reuters

في الطريق من مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية، إلى مدينة أريحا، شرقاً، تظهر مزارع جديدة للمستوطنين تشبه إلى حد كبير مزارع المستوطنين في جنوب إفريقيا.

المستوطنون الذين لا يتوقفون يوماً عن الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، والاعتداء على سكانها، لجأوا، مؤخراً، إلى النموذج الجنوب إفريقي في "التوسع اللا محدود"، من خلال تسييج مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، وتحويلها إلى مزارع ومراعي للمواشي ومستوطنات.

وكما كان المستوطن الأبيض، في جنوب إفريقيا، يستولي على الأراضي التي تقع على امتداد نظره، بات المستوطنون اليهود يفعلون الشيء ذاته في أراضي الضفة الغربية.

تسييج التلال

أقام المستوطنون أسلاكاً شائكة وأسيجة طويلة ممتدة على جانبي الطريق المعروف باسم "طريق المعرجات"، ونشروا خلفها قطعاناً من الأبقار والأغنام، وأقاموا مستوطنة جديدة، ونشروا بؤراً صغيرة فوق التلال المحيطة بها.

وعلى طول الطريق تتحرك دوريات عسكرية لتوفير الحماية لهم.

الدولة في الخلفية

تظهر شاحنات وآليات ضخمة أمام المستوطنة الجديدة، بعضها يحمل مواد بناء، وأخرى تقوم بتعبيد الطرق الداخلية، ما يؤشر إلى منظومة تخطيط وتمويل وأمن لا تقوى عليه سوى الحكومات.

البداية

وبدأت ميليشيات من المستوطنين الاستيلاء على أراضي في الضفة الغربية منذ الشهور الأولى لتشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية، وضاعفت هذه المجموعات أعدادها وأنشطتها مراراً بعد هجوم حركة "حماس" في السابع من أكتوبر، قبل أكثر من 3 سنوات، وما أعقبه من الحرب الإسرائيلية التدميرية الشاملة على غزة.

منظومة الحكم

ويقول المتابعون للشؤون الإسرائيلية إن وزارات مختصة ووزراء وأحزاب في الحكومة، إلى جانب جمعيات ومجموعات استيطانية، وقفت وراء الميليشيات الجديدة من المستوطنين، وأوكلت لهم مهمة الاستيلاء على أكبر مساحات ممكنة من الضفة الغربية وطرد وتهجير أصحابها وسكانها.

الاحتلال بالمواشي

بدأت هذه الميليشيات مشروعها الجديد بإقامة البؤر الاستيطانية الرعوية المؤلفة من مزارع صغيرة تدير قطعاناً كبيرة من المواشي، تستخدمها في الاستيلاء على المراعي.

وبيّنت مؤسسات حقوق إنسان إسرائيلية، منها مركز "بتسيلم" ومؤسسة  "ييش دين"، أن هذه البؤر استولت على 18% من مساحة الضفة الغربية، حتى اليوم، وأنها ماضية في الاستيلاء على المزيد.

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، مؤخراً، أن حكومته عملت على إقامة 165 بؤرة استيطانية رعوية، من هذا النوع، وأقرت بناء 104 مستوطنات جديدة، ليرتفع معها عدد البؤر الاستيطانية عامة إلى 365، وعدد المستوطنات إلى حوالي 270.

المنطقة ج

واستهدف المستوطنون، في المرحلة الأولى، المناطق الريفية المسماة بالمنطقة "ج" بموجب اتفاق أوسلو الموقع بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية، وهي المنطقة الخاضعة لإدارة إسرائيل المدنية والأمنية والتي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية.

وفي العام الأخير، انتقلوا للعمل في مناطق السلطة الفلسطينية، وأقاموا فيها 26 بؤرة استيطانية.

ويقول المسافرون بين مدينتي بيت لحم والخليل، جنوب الضفة الغربية، إنهم يشاهدون 16 بؤرة استيطانية جديدة على التلال المحاذية للطريق القصير الرابط بين المدينتين.

وقال الخبير في الشؤون السياسية الدكتور علي الحرباوي لـ"الشرق": "الحكومة الإسرائيلية استغلت الحرب على غزة للاستيلاء التام على الضفة الغربية والاستيطان فيها على نحو يقوض أسس أي حل سياسي مستقبلي مع الفلسطينيين".

وأضاف: "انتقلت الحكومة الإسرائيلية من إدارة الصراع إلى حسم الصراع بالاستيلاء التام على الضفة الغربية تمهيداً لضمها رسمياً بعد ضمها عملياً".

التهجير

وترافق التوسع الاستيطاني الجديد مع حملة تهجير استهدفت التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية، قبل أن تنتقل إلى القرى الشرقية المشرفة على الأغوار.

وحسب مؤسسات حقوق الإنسان الإسرائيلية، قام المستوطنون بتهجير أكثر من 100 تجمع سكاني فلسطيني في الأعوام الثلاثة الأخيرة.

حرب الزيتون

وبعد تهجير التجمعات الرعوية، انتقلت ميليشيات المستوطنين إلى ما يطلق عليه الفلسطينيون "حرب الزيتون".

وبدأت الحرب على الزيتون الذي اعتبر تاريخياً عماد الوجود الفلسطيني، باقتلاع عشرات الآلاف من أشجار الزيتون، ثم انتقلت إلى تنظيم هجمات على المزارعين وطردهم من حقولهم والقيام بقطف زيتونهم ومصادرته.

وشملت أيضاً عمليات سطو مباشر على ثمار الزيتون بعد قطفها. وفي حالات أخرى قامت هذه الميليشيات بعمليات سطو مسلح على معاصر الزيتون وسرقة منتجاتها في عملية تهدف إلى تقويض الوجود الفلسطيني واستبداله بوجود استيطاني ممتد.

تكرار سيناريو النكبة

ويمارس المستوطنون في الضفة الغربية أفعالاً تشبه إلى حد بعيد الأفعال التي مارستها المنظمات الصهيونية في فلسطين والتي بلغت ذروتها في النكبة عام 1948، والتي تمثلت بطرد نصف الشعب الفلسطيني إلى خارج البلاد، وإقامة دولة إسرائيل على أنقاضه.

امتداد الهاجانا

ونشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية، مؤخراً، تفاصيل جديدة عن ميليشيات المستوطنين التي قالت إنها شبيهة بميليشيات المستوطنين قبل النكبة وأثناءها خاصة منظمة "الهاجاناه" الشهيرة التي شكلت، لاحقاً، نواة الجيش الإسرائيلي.

ومن الميليشيات التي قالت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية إنها تشكل امتداداً للمنظمات الصهيونية التي عملت في البلاد قبل العام 1948، مجموعة "رجاليم" التي تطوف قلب الأراضي الفلسطينية لاستكشاف أفضل المواقع للاستيطان فيها.

في قلب عاصمة السلطة

وقامت هذه المجموعة، مؤخراً، بجولات في بعض أحياء مدينة رام الله، العاصمة الإدارية للسلطة. ونشر أفراد المجموعة فيديوهات لهم في قلب مناطق صردا وأبو قش وغيرها الواقعة في الطرف الشمالي لرام الله.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، عقب تلك الجولات، عن تحويل الطريق الفاصل بين صردا ورام الله إلى طريق استيطاني خاضع للسيطرة الإسرائيلية. وقال الجيش إن الشارع المذكور حيوي لحركة المستوطنين بين مستوطنة بيت إيل المقامة على أراضي مدينتي البيرة ورام الله والمستوطنات الواقعة غرب المدينة وتحيط بها كالسوار على المعصم.

وتؤدي هذه الخطوة، بعد تنفيذها، إلى فصل مدينة رام الله عن ضواحيها الشمالية، على نحو يعيق التواصل الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي فيها، ويضعف، وربما يقوض مكانتها كعاصمة إدارية.

دفن اتفاق أوسلو

ويقول الخبراء في الشؤون الإسرائيلية إن الحملة الإسرائيلية الاستيطانية الراهنة تشكل المرحلة الأخيرة من القضاء على اتفاق أوسلو، وعلى فرص الحل السياسي المستقبلي، واستبداله بضم الجزء الأكبر من الضفة الغربية وحصر الفلسطينيين داخل كانتونات مغلقة محاطة بالحواجز ونقاط التفتيش حول كل قرية وبلدة ومدينة مهما كان حجمها.

ضغط تهجيري

وفرضت الحكومة الإسرائيلية ضغوطاً اقتصادية، بعضها غير مسبوق، على الفلسطينيين، في السنوات الثلاث الأخيرة، مثل استبدال العمال الفلسطينيين بعمال آسيويين، ومصادرة الإيرادات الجمركية التي تشكل ثلثي ميزانية السلطة، ما تركها غير قادرة على دفع رواتب موظفيها وتوفير الحد الأدنى من الخدمات خاصة التعليم والصحة.

ويقول كثير من المراقبين في مقالات بوسائل الإعلام إن هدف الحكومة من وراء ذلك هو الضغط على الفلسطينيين للهجرة بحثاً عن العمل والغذاء والحياة.

وأقامت الحكومة الإسرائيلية مشاريع بنية تحتية استراتيجية في قلب الضفة الغربية مثل مصادرة وتوسيع شارع 60 وسط الضفة الغربية، وجعله طريقاً يربط المستوطنات ببعضها ويربطها بإسرائيل.

ويبدو هذا الطريق القديم المسمى طريق القدس- نابلس، اليوم كأنه طريق "عابر إسرائيل" الشهير الواسع الذي يربط شمال إسرائيل بجنوبها، ويضم شبكات ضخمة من الكهرباء والهاتف الأرضي والخلوي والصرف الصحي وغيره.

يضاف إلى ذلك مشاريع ضخمة للطاقة المتجددة والمزارع العملاقة المعدة لإنتاج زراعي مخصص للتصدير الخارجي مثل التمور والزهور والعنب وغيره.

شهادة إسرائيلية

وقال خبير الخرائط الإسرائيلي، شاؤول أرئيلي، في مقال نشرته صحيفة "هآرتس"، قبل أيام، إن اتفاق أوسلو نص على نقل المنطقة الريفية المسماة "ج" إلى السلطة الفلسطينية، باستثناء المناطق الخاضعة لمفاوضات المرحلة النهائية وهي القدس والمستوطنات والحدود والمياه التي كان من المتفق عليه أن يتم التفاوض عليها خلال مرحلة انتقالية من 5 سنوات.

وأضاف: "لكن الحكومة الإسرائيلية التي تسعى لضم الضفة الغربية قامت بالاستيلاء على هذه الأرض والاستيطان فيها بهدف ضم الضفة الغربية وإبطال فرص الحل السياسي مستقبلاً".

تصنيفات

قصص قد تهمك