دمج الخنق الاقتصادي مع الاستيطان.. إسرائيل تسرع ضم الضفة | الشرق للأخبار
خاص

دمج الخنق الاقتصادي مع الاستيطان.. استراتيجية إسرائيلية لتسريع ضم الضفة الغربية

مستوطنون إسرائيليون يتابعون ألسنة اللهب التي أشعلوها في بساتين الزيتون بقرية برقة في الضفة الغربية المحتلة. 17 سبتمبر 2026 - REUTERS
مستوطنون إسرائيليون يتابعون ألسنة اللهب التي أشعلوها في بساتين الزيتون بقرية برقة في الضفة الغربية المحتلة. 17 سبتمبر 2026 - REUTERS
رام الله -

الطريق من مدينة رام الله، العاصمة الإدارية للسلطة الفلسطينية، إلى مدينة أريحا شرقاً، طريق حيوي، يستخدمه سكان المنطقة، غالباً، عند السفر إلى خارج البلاد، حيث يقع المعبر الخارجي الوحيد للضفة الغربية مع الأردن.

يشاهد العابرون في هذا الطريق، يومياً، التغيرات المتسارعة التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في هذه المنطقة الواسعة التي جرى تهجير سكانها في السنوات الأخيرة.

في الأيام الأخيرة، أقامت السلطات الإسرائيلية مستوطنة جديدة على أحد التلال، على جانب هذا الطريق المسمى طريق "المعرجات". ومثل سابقاتها، بدأت هذه المستوطنة ببؤرة استيطانية صغيرة تتألف من نحو عشرين كرفاناً (بيتاً متنقلاً).

وتتزايد أعداد هذه الكرفانات، التي تحملها الشاحنات من مصانع في إسرائيل، بصورة يومية، إلى هذه البؤرة وغيرها من البؤر والمستوطنات التي تملأ الفضاء.

مستوطنات تتكاثر كالفطر

تنمو البؤر الاستيطانية، وتتكاثر، مثل الفطر، في هذه المنطقة الواسعة الممتدة على طول الطريق، وتشرف على الأغوار الفلسطينية، وتظهر من ورائها الأراضي الأردنية. وتتزايد مع البؤر الاستيطانية هذه أعداد المستوطنين، وأعداد المواشي والآليات التي يستخدمونها لملء الأرض والسيطرة عليها.

في أول الطريق يوجد بيت فلسطيني قديم. أقام المستوطنون بؤرة استيطانية على الطرف المقابل من الطريق، وفرضوا حصاراً على البيت للضغط على أصحابه لدفعهم إلى مغادرته.

اقرأ أيضاً

الحرب الصامتة: كيف تعيد إسرائيل تشكيل الضفة بعيداً عن الأنظار؟

بعيداً عن الكاميرات والعناوين المسلطة على حرب غزة، أطلقت إسرائيلُ هجوماً موازياً في عموم الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. من دون أي محاسبة دولية.

ومن أشد أدوات الحصار، إلى جانب التهديد الشخصي المباشر، منع سكان البيت من رعي مواشيهم في الأراضي والتلال الواسعة الممتدة في هذه المنطقة، ما يضطرهم إلى إبقائها في الحظيرة.

جنود ومستوطنون 

ينفذ المستوطنون حصارهم على هذا البيت على مرأى من نقطة عسكرية إسرائيلية مقامة على بعد بضع عشرات من الأمتار، بهدف حماية المستوطنين والاستيطان.

وعلى طول الطريق، تتناثر بقايا آثار الوجود الفلسطيني الذي كان يملأ المكان: أنقاض بيوت وأكشاك وحظائر مواشٍ مدمرة، من بينها أنقاض مدرسة ومسجد.

وعلى طول الطريق، نشاهد مستوطنين يقودون جرارات زراعية، وسيارات دفع رباعي، ويرعون مواشي أو يقيمون بؤراً استيطانية جديدة.

مجموعة من المستوطنين تقوم ببناء سياج طويل عملاق على جانبي الطريق، في إشارة إلى أن هذه المنطقة باتت لهم، حصرياً، ويحظر على الفلسطينيين استخدامها بأي شكل من الأشكال.

اقرأ أيضاً

الاستيطان الإسرائيلي يتوسع بالضفة.. هدم وتهجير وتغيير للواقع على الأرض

يتوسع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية بالتزامن مع هدم واعتداءات وتهجير فلسطينيين، وفي ظل تغيرات على أرض الواقع تعزز عزلة المدن والبلدات الفلسطينية.

بدأت الحرب الإسرائيلية على التجمعات السكانية الفلسطينية في أرياف الضفة الغربية المصنفة، في اتفاق أوسلو، باسم "المنطقة ج"، التي تشكل 60% من مساحة الضفة، منذ الشهور الأولى للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وأدت إلى تهجير أكثر من مئة تجمع سكاني، حسب تقارير مؤسسات حقوق إنسان إسرائيلية، وهي الوحيدة التي يمكنها التحرك هنا.

استخدمت السلطات الإسرائيلية ميليشيات المستوطنين للقيام بعملية طرد السكان في هذه المناطق النائية البعيدة عن المراكز السكانية الكبيرة، ووفرت مصادر مالية ومهنية واسعة لتأسيس البنى الاستيطانية الجديدة من بيوت متنقلة، وطاقة شمسية، وطرق، ومياه، وسيارات دفع رباعي، وأسلحة لملاحقة الفلسطينيين وغيرها.

لا زيتون هذا العام

أبلغ الارتباط العسكري الإسرائيلي نظيره الفلسطيني، قبل أيام، بأن السلطات الإسرائيلية لن توفر الحماية لقطافي الزيتون في المنطقة "ج" هذا العام.

وعادة ما تقوم السلطة الفلسطينية بإجراءات تنسيق مع الجانب الإسرائيلي للسماح للمزارعين الفلسطينيين بالوصول إلى حقول الزيتون في موسم القطاف، وإن كانت السلطات لا تقوم بمنع جدي لاعتداءات هؤلاء المستوطنين. 

لكن هذا العام، كانت السلطات أكثر وضوحاً، مصرحة، في جوابها، بأن "الأوضاع الأمنية لا تسمح بنشر دوريات عسكرية" في هذه المناطق، في إشارة، لا تخلو من تهديد، إلى انتشار كبير لميليشيات المستوطنين.

ويقول مسؤولون فلسطينيون إن القرار الإسرائيلي غير المسبوق يشكل خطراً حقيقياً على حياة المواطنين، وعلى حقول الزيتون التي يتوقعون أن يقوم المستوطنون باستباحتها.

ويشكل الزيتون مصدراً أساسياً لحياة الكثير من الأسر الفلسطينية في الأرياف. ويرى المواطنون في منعهم من الوصول إلى حقولهم، هذا العام، واحداً من أدوات التهجير والطرد والاستيطان.

الخنق الاقتصادي

واتبعت الحكومة الإسرائيلية، في السنوات الأخيرة، سياسة خنق اقتصادي غير مسبوقة في الضفة الغربية، اعتبرها مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان "بتسيلم" في تقرير أخير، صدر الأسبوع الماضي، بأنها أحد أدوات "محو الوجود الفلسطيني" في البلاد.

وشملت هذه السياسة منع العمال من العمل في إسرائيل، واحتجاز إيرادات المقاصة الفلسطينية، ما جعل الحكومة غير قادرة على توفير الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم ورواتب الموظفين. 

كما فرضت قيوداً على حركة المواطنين والسلع من خلال إقامة حواجز عسكرية في جميع الطرق وعلى مداخل جميع القرى والمدن، على نحو يجعل الحركة بين هذه التجمعات السكانية أمراً بالغ الصعوبة، ومحفوفاً بالمخاطر.

وجاء في تقرير "بتسيلم"، الذي استند إلى نحو ألفي إفادة، وإلى فحص وثائق ومعطيات رسمية وتشريعات وقرارات حكومية وتقارير، أن الهدف من الإجراءات الإسرائيلية هو "تفكيك وتقويض أسس الوجود الفلسطيني"، وقال إن الحكومة الإسرائيلية تقوم بذلك "بوتيرة متسارعة ومنهجية".

وقال التقرير إن هذه السياسة، التي بدأت منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية، وتصاعدت بصورة أشد بعد السابع من أكتوبر 2023، عملت على "المس بجميع مجالات حياة السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية: مئات الأعمال الروتينية التي تشكل الحياة اليومية، ومنها القدرة على الوصول إلى مكان العمل، وأخذ الأطفال إلى المدرسة، والدراسة في الجامعة، والحصول على علاج طبي، والالتقاء بأفراد العائلة والمعارف أو فلاحة الأرض".

وأضاف: "وفوق كل ذلك، يخيم الخطر الدائم على الحياة والسلامة الجسدية. ففي أي لحظة قد يجد الفلسطيني نفسه عرضة لعنف الجنود وميليشيات المستوطنين المسلحة أو للاعتقال والسجن أو للتنكيل والإذلال، وأحياناً لفقدان حياته".

وخلص الفحص الذي أجراه "بتسيلم"، إلى "أن ممارسات إسرائيل في الضفة الغربية تشكل جزءاً من آلية محو شاملة"، يجري تطبيقها من خلال خمسة محاور هي: "العنف وبث الرعب؛ تقييد الحركة؛ الخنق الاقتصادي؛ التدمير الاجتماعي والسياسي؛ والتطهير العرقي والاستيلاء على الحيز العام".

تصنيفات

قصص قد تهمك