لماذا افتتحت الصين وكوريا الشمالية أكبر جسر حدودي بينهما؟ | الشرق للأخبار

لماذا افتتحت الصين وكوريا الشمالية أكبر جسر حدودي بينهما؟

شاحنات تعبر جسر نهر يالو الجديد من الصين إلى كوريا الشمالية، مدينة داندونج بمقاطعة لياونينج، الصين. 15 أكتوبر 2026 - Reuters
شاحنات تعبر جسر نهر يالو الجديد من الصين إلى كوريا الشمالية، مدينة داندونج بمقاطعة لياونينج، الصين. 15 أكتوبر 2026 - Reuters

يشكل افتتاح جسر نهر يالو الجديد خطوة لتعزيز التبادل التجاري بين بكين وبيونج يانج، لكنه يثير تساؤلات بشأن مدى قدرة كوريا الشمالية على الاستفادة منه اقتصادياً، في ظل العقوبات الدولية واعتمادها الواسع على الصين.

وافتتحت الصين وكوريا الشمالية، الخميس، الجسر الجديد، الذي يعد أكبر معبر حدودي بين البلدين، في خطوة تعكس مساعيهما إلى توسيع العلاقات التجارية رغم العقوبات الدولية المفروضة على بيونج يانج بسبب برنامجها للأسلحة النووية.

ويمتد الجسر لنحو ميلين، ويضم 4 مسارات، ويربط مدينة داندونج الصينية بمدينة سينويجو الكورية الشمالية، على ضفتي نهر يالو الذي يشكل جزءاً كبيراً من الحدود المشتركة.

وكانت وسائل إعلام رسمية صينية قد أعلنت افتتاحه بعدما رصد مسافرون، خلال الأسابيع السابقة، حركة شاحنات وسيارات تعبر من الصين إلى كوريا الشمالية.

كيف سيغير حركة التجارة بين البلدين؟

يوفر الجسر الجديد قدرة أكبر على نقل البضائع مقارنة بجسر الصداقة الصيني الكوري، الذي ظل حتى الآن حلقة الربط الرئيسية بين سينويجو وداندونج.

ويعود تاريخ الجسر القديم إلى 83 عاماً، ولا يضم سوى خط واحد للسكك الحديدية ومسار واحد للسيارات، كما لا يستطيع تحمل الشاحنات التي يزيد وزنها على 20 طناً، فيما تبلغ السرعة القصوى المسموح بها عليه 3 أميال في الساعة.

ويتجاوز المعبر الجديد جانباً كبيراً من هذه القيود، بما قد يسمح بنقل كميات أكبر من السلع بوتيرة أسرع، ويمنح حركة التجارة بين البلدين طاقة استيعابية أوسع.

لكن محللين يحذرون من أن زيادة تدفق السلع الصينية إلى كوريا الشمالية لا تعني بالضرورة قدرة بيونج يانج على رفع صادراتها بالمعدل نفسه، وهو ما قد يؤدي إلى اتساع العجز التجاري مع بكين، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وقال كيم جيو بوم، المحلل في معهد استراتيجية الأمن القومي في سول، للصحيفة إن الجسر قد يتيح دخول المنتجات الصينية بسرعة أكبر وبكميات أوسع، من دون ضمان حدوث زيادة ملموسة في الصادرات الكورية الشمالية إلى الصين.

لماذا تأخر افتتاحه 12 عاماً؟

طرحت الصين مشروع بناء الجسر عام 2009، في إطار مساعيها لتعزيز الروابط الاقتصادية مع كوريا الشمالية وتوسيع نشاطها التجاري معها.

واكتملت أعمال البناء في 2014، بتكلفة قُدرت بنحو 329 مليون دولار تحملتها بكين، لكن تشغيله تأخر 12 عاماً بسبب عدم استكمال كوريا الشمالية الطرق الرابطة ومحطات الجمارك والمنشآت اللازمة لتشغيله، وفق "نيويورك تايمز".

كما ساهمت مخاوف بيونج يانج من تعميق اعتمادها الاقتصادي على الصين في إبطاء المشروع، في وقت أصبحت فيه بكين شريكها التجاري الرئيسي بعد عقود من العقوبات الدولية.

هل يتعارض المشروع مع العقوبات الدولية؟

تفرض الأمم المتحدة عقوبات على كوريا الشمالية تهدف إلى تقييد قدرتها على تمويل برنامجها النووي، وتشمل حظر صادرات رئيسية مثل الفحم والعمالة، إلى جانب قيود مشددة على واردات الوقود.

ويرى محللون أن المعبر الجديد قد يوفر قناة إضافية للتجارة بين البلدين في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن تراجع فاعلية منظومة العقوبات الدولية.

وكانت الصين وروسيا قد أسهمتا في إضعاف آليات مراقبة تنفيذ العقوبات عام 2024، كما دعتا واشنطن إلى تخفيف القيود المفروضة على بيونج يانج، معتبرتين أنها لم تنجح في وقف تطوير أسلحتها النووية.

ومع ذلك، فإن تشغيل الجسر لا يعني بحد ذاته رفع العقوبات أو إلغاء القيود المفروضة على التجارة الكورية الشمالية، بل يوسع البنية التحتية المتاحة لحركة السلع المسموح بها بين البلدين.

لماذا تخشى بيونج يانج زيادة اعتمادها على بكين؟

تعتمد كوريا الشمالية على الصين في الجزء الأكبر من تجارتها الخارجية، وهو اعتماد تعزز بعد العقوبات التي استهدفت أبرز صادراتها وضيقت خياراتها في الأسواق الدولية.

ويواجه الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون معادلة اقتصادية معقدة، إذ تحتاج بلاده إلى المواد الخام والمعدات الصينية لدعم اقتصادها، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى زيادة إيرادات العملات الأجنبية والحد من اتساع العجز التجاري.

وفي هذا الإطار، عملت بيونج يانج على زيادة إنتاج السلع الاستهلاكية محلياً، وشددت القيود على تهريب المنتجات الصينية، كما سعت إلى جذب السياح الصينيين إلى منتجعات ساحلية وجبلية جديدة.

أما في ما يتعلق بالعملات الأجنبية، فاعتمدت كوريا الشمالية، وفق "نيويورك تايمز"، بدرجة كبيرة على أنشطة غير مشروعة تشمل التهريب وإرسال العمال إلى الخارج والعمليات الإلكترونية وسرقة العملات المشفرة.

ويرى محللون أن بيونج يانج ربما سعت إلى الحصول على تنازلات من الصين قبل الموافقة على تشغيل الجسر، بما يسهل صادراتها ويوفر فرص عمل إضافية لمواطنيها داخل الأراضي الصينية.

ماذا تقول أرقام التجارة؟

بلغ حجم التجارة الرسمية بين الصين وكوريا الشمالية 1.5 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي، وفق بيانات صينية، مسجلاً أعلى مستوى منذ التطبيق الكامل للعقوبات الأممية الشاملة عام 2017.

ويعكس الرقم نمواً واضحاً في التبادلات التجارية بين البلدين، لكنه لا يحسم مدى استفادة كوريا الشمالية من هذا التوسع، خصوصاً إذا ارتفعت وارداتها من الصين بوتيرة أسرع من صادراتها إليها.

وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر في ضوء الاختلال الواضح في العلاقة الاقتصادية بين الجانبين، إذ تمنح البنية التحتية الجديدة بيونج يانج قدرة أكبر على استقبال البضائع، لكنها لا تضمن في المقابل توسيع الأسواق المتاحة لمنتجاتها.

كيف تؤثر العلاقات مع روسيا؟

يأتي افتتاح الجسر في سياق تحركات متزامنة لتعزيز علاقات كوريا الشمالية مع أبرز حلفائها، الصين وروسيا.

ففي الشهر السابق، افتتحت بيونج يانج وموسكو أول جسر بري بينهما عبر نهر تومين، وهو أصغر بكثير من جسر نهر يالو. وشيدت روسيا المعبر لتعزيز خط السكك الحديدية الوحيد الذي يربطها بكوريا الشمالية، بعدما أرسلت بيونج يانج أسلحة وقوات لدعم الحرب الروسية ضد أوكرانيا.

ودفع التقارب الروسي الكوري الشمالي بكين إلى زيادة انخراطها مع بيونج يانج، وسط مخاوف من تراجع نفوذها الاقتصادي عليها.

وفي هذا السياق، دعا الرئيس الصيني شي جين بينج كيم جونج أون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حضور عرض عسكري في بكين العام الماضي. كما استؤنفت حركة القطارات بين بكين وبيونج يانج في مارس، بعد تعليقها خلال جائحة "كوفيد-19"، فيما زار شي العاصمة الكورية الشمالية في يونيو الماضي.

وبذلك، لا يقتصر افتتاح جسر نهر يالو على كونه مشروع بنية تحتية تأخر تشغيله لسنوات، بل يأتي في مرحلة تعيد فيها بيونج يانج ترتيب علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع كل من بكين وموسكو. وبينما يمنح المعبر الجديد التجارة مع الصين قدرة أكبر على النمو، تظل استفادة كوريا الشمالية منه مرتبطة بقدرتها على توسيع صادراتها وجذب العملات الأجنبية ضمن القيود التي تفرضها العقوبات الدولية.

تصنيفات

قصص قد تهمك