
في حيّ سكني بمقاطعة لاودون، على بعد نحو 40 دقيقة من صخب العاصمة واشنطن، تصطف منازل بيضاء من طابقين على جانبي شوارع ضيقة. أمام كل منزل مدخل للسيارات وعشب أخضر مشذّب تحيط به أحواض الزهور، وخلف البيوت حدائق واسعة تمتد حتى الأشجار. وفي الخريف، تتلون الأشجار بالأحمر والأصفر.
كانت هذه الأرض غابة، ثم بُني عليها الحي قبل نحو ربع قرن، وانتقل إليه سكان يبحثون عن مدارس جيدة، وجيران يعرف بعضهم بعضاً، وهدوء بعيد عن ضجيج المدن.
هنا، في نهاية شارع مغلق تتحلق حوله 5 منازل، تعيش فيكي. حديقتها الخلفية تنفتح على الغابة، وخلف الأشجار يجري جدول تغذيه الأمطار، وسط أرض رطبة محمية. وقبل نحو عام، أبلغتها شركة "دومينيون" للطاقة بأن خط نقل جديد لتغذية مراكز البيانات سيمرّ عبر أرضها.
فإدارة المدارس رفضت أن يمرّ الخط على مسافة تقل عن 500 قدم من مدرسة الحي، والمقاطعة رفضت مدّه على امتداد طريق "لاودون كاونتي باركواي"، وشركة أمازون، صاحبة مركز البيانات خلف الحي، رفضت التنازل عن أرضها. فقررت شركة دومينيون نقل الخط إلى أرض فيكي، ومدّه عبر الحي.
تروي فيكي لـ"الشرق بلومبرغ": "قلت لهم: إذا كان بإمكانهم أن يرفضوا التنازل عن أرضهم، فأنا أرفض التنازل عن أرضي. ومن هنا بدأت المعركة".
وتضيف: "أنا غاضبة جداً، لأننا انتقلنا إلى مقاطعة لاودون قبل اثنين وعشرين عاماً. بنينا حياتنا هنا. ربّينا أسرتنا. نعتني بوالدينا، وذكرياتنا وكل شيء خاص بنا هنا".
خطوط الكهرباء والاتصالات والمياه في الحي كلها مدفونة تحت الأرض منذ إنشائه، فلا يرى المارّ عموداً واحداً. أما العمود المقترح، فيبلغ ارتفاعه 185 قدماً، أي نحو 56 متراً، فيما لا يتجاوز ارتفاع أعمدة الأحياء السكنية 39 قدماً، أي نحو 12 متراً، بحسب فيكي، وسيقتطع ثلث أرضها. وتذكّر بأن سكان الحي هم من تبرعوا بالأرض التي بُنيت عليها مدارس المنطقة.
وترى أن المشروع لا علاقة له بحاجة السكان إلى الكهرباء: "هذا ليس مشروعاً لتحسين موثوقية الشبكة. إنه مشروع لمراكز البيانات. لولا مراكز البيانات، لما واجهنا أي مشكلة في الكهرباء".
وافقت الجهة المنظِّمة للطاقة في الولاية على مسار الخط، فطعنت إدارة المدرسة في القرار، وتأمل فيكي وجيرانها أن تنصفهم المحكمة العليا في فيرجينيا.
قصة فيكي واحدة من قصص كثيرة حوّلت مراكز البيانات، التي تشغّل حياتنا الرقمية، من ملف محلي يُناقش في جلسات التخطيط، إلى قضية حاضرة في انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
لاودون.. حيث يمرّ الإنترنت
تضم ولاية فيرجينيا أعلى تركّز لمراكز البيانات في العالم، ومعظمها في شمال الولاية، في ضواحي العاصمة واشنطن. وفي قلب هذا التجمع تقع لاودون، نحو 230 مركزاً للبيانات، في مقاطعة يقل عدد سكانها عن نصف مليون نسمة.
يقول دانيال جاليندو، مدير التخطيط وتقسيم المناطق في المقاطعة لـ"الشرق بلومبرغ"، أن القصة بدأت قبل نحو 30 عاماً، حين ضُخّت أموال فيدرالية في شبكات الألياف والاتصالات في منطقة آشبرن، ونشأت هناك شركة "أميركا أونلاين"، تحولت المنطقة إلى مركز للإنترنت، فتبعتها شركات مراكز البيانات.
ويوضح جاليندو أن مراكز لاودون تخدم في الغالب الحوسبة السحابية، مثل الملفات التي تتصفحها على هاتفك، وسجل معاملاتك المصرفية. وهي تختلف عن مجمّعات الذكاء الاصطناعي الجديدة في تكساس وأوهايو، التي تمتد على مئات وربما آلاف الأفدنة. لكن المباني في لاودون تضخمت هي الأخرى، من طابق واحد إلى ثلاثة وأربعة طوابق، بارتفاع يصل إلى 30 متراً.
على المستوى الوطني، تضم الولايات المتحدة نحو 4767 مركز بيانات، أكثر من أي بلد آخر. ويتتبع موقع "أتيريو " 858 ، إلى جانب آلاف المشاريع المعلنة.
"كانت حقولاً خضراء"
من بيت فيكي، توجّهنا إلى لقاء نظّمته المقاطعة في قاعة إحدى المدارس، للاستماع إلى مخاوف السكان والبحث عن حلول لها، توزعت في القاعة طاولات لكل قضية، تصميم المباني، والضجيج، ومحطات التحويل الكهربائية.
فيكتور بلوك بدأ يتابع القضية قبل نحو عامين، حين تقرر مدّ خطوط كهرباء عبر حيّه، يقول إن كل مركز بيانات جديد يعني خطاً جديداً ومحطة تحويل جديدة، ويصف لـ"الشرق بلومبرغ" كيف تغيّر الطريق إلى بيته: "تقود سيارتك على الطريق الرئيسي الذي يتفرع منه حيّنا، وكانت حقولاً خضراء وأشجاراً. أصبحت كلها الآن مباني عملاقة".
لكن الشكوى الأولى عنده هي الفاتورة: "أما الكهرباء، فقد ارتفعت فاتورتي بنسبة 35% إلى 40% خلال العامين الماضيين. أعني، زيادات هائلة، وإذا نظرت إلى استهلاكنا للكهرباء، فهو نفسه أو أقل مما كان عليه قبل بضع سنوات".
ويضيف بلوك أن الضرر يطال قيمة البيوت أيضاً: "من سيختار شراء منزل بجوار مركز بيانات إذا وجد منزلاً آخر بعيداً عنه؟".
جيم بينجل، من سكان لاودون وتعمل في مجلس بيدمونت البيئي، تعدّد قائمة أطول: "مولدات ديزل احتياطية تؤثر في جودة الهواء، ومساحات إسمنتية تزيد جريان مياه الأمطار نحو الجداول، وضجيج لا يهدأ".
وتقول لـ"الشرق بلومبرغ": "لدينا مركز بيانات في ستيرلينج يعمل بتوربينات الغاز الطبيعي. هؤلاء المساكين يعيشون مع الضجيج طوال الوقت تقريباً".
حتى جاليندو يقرّ بأن الضجيج بات مشكلة متزايدة في بعض المواقع. ويصفه بأنه ليس صاخباً كحفلة جيران، بل طنين منخفض "موجود دائماً". لذلك تعمل المقاطعة على طرق جديدة لقياسه، تتجاوز مقياس الديسيبل التقليدي.
المال مقابل جودة الحياة
فلماذا تواصل المقاطعة الموافقة على المزيد؟ يجيب جاليندو بأن مراكز البيانات في فيرجينيا تدفع ضريبة على المبنى والأرض، وضريبة أخرى على كل الخوادم والمعدات بداخلها، تتجدد كلما اشترت أجهزة جديدة.
ويقول: "ما يقارب الثلث أو أكثر من مجمل إيرادات المقاطعة بأكملها يأتي من هذا القطاع وحده"، وهي أموال تموّل حكومة المقاطعة ومدارسها العامة، فيما لا تحتاج هذه المراكز إلى مدارس أو خدمات تُذكر.
أما الوظائف، فيقرّ جاليندو بأنها تكثر خلال البناء أكثر منها بعد التشغيل، وأن المركز الواحد لا يشغّل سوى عشرات العاملين، وأحياناً بضع مئات، وهو عدد أقل مما توفره عادة الأنشطة التجارية والصناعية الأخرى في المناطق نفسها.
وتخلص دراسة لهيئة التدقيق التشريعية في فيرجينيا عام 2024 إلى أن معظم وظائف القطاع مؤقتة في البناء، وأن عدد الوظائف لكل قدم مربعة أقل بكثير من الاستخدامات الأخرى للأرض. في المقابل، وجدت دراسة لمعهد بروكينجز أن مراكز البيانات توفر وظائف محلية فعلاً، لكنها أقل مما يروّج له القطاع.
فيكي لا ترى الفائدة في جيبها. تقول إن نسبة ضريبة العقار انخفضت، لكن قيمة منزلها تضاعفت مع ارتفاع أسعار الأراضي التي تشتريها الشركات، فباتت تدفع اليوم أكثر مما دفعته حين انتقلت إلى المقاطعة.
وتلخص بينجل المعادلة: "حسناً، هناك توازن إلى حد ما، لكن متى نقول كفى؟ هل سنستمر لمجرد أننا نحصل على المال؟ أعتقد أن معظم الناس.. الحقيقة أن المال ليس كل شيء".
ويرى جاليندو أن جزءاً من الغضب يعكس قلقاً أوسع من الذكاء الاصطناعي، وتأثيره في الوظائف والأسر، وأن مراكز البيانات صارت الوجه الملموس الوحيد لهذا القلق. وتحت ضغط السكان، صوّت مجلس المقاطعة على تعليق الموافقة على بعض طلبات مراكز البيانات ومحطات التحويل الجديدة، إلى حين إقرار قواعد جديدة للتصميم والضجيج.
ما وراء لاودون
ما يجري في لاودون يتكرر في أنحاء البلاد. فبحسب استطلاع لمؤسسة جالوب أُجري في مارس، يرفض سبعة من كل عشرة أميركيين بناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي قرب منازلهم، بينهم 48% يرفضونه بشدة. وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن عدداً أكبر من الأميركيين يفضّل العيش قرب محطة نووية على العيش قرب مركز بيانات.
والرفض لا يعرف حدود الحزبين. ففي استطلاع لشبكة إن بي سي نيوز، يعارض 57% من الجمهوريين بناء مراكز بيانات في مناطقهم، مقابل 81% من الديمقراطيين و71% من المستقلين. ويتوقع 60% من الأميركيين أن يرفع مركز بيانات جديد فواتير الكهرباء لديهم، فيما يخشى 46% تراجع قيمة منازلهم، بحسب استطلاع إيكونوميست/يوجوف.
وللفواتير ما يبررها في أذهان الناخبين. فقد ارتفعت أسعار الكهرباء للمنازل بنسبة 7.1% عام 2025، أي أكثر من ضعف معدل التضخم. وفي شبكة "بي جي إم" التي تغطي 13 ولاية بينها فيرجينيا، حذّر تقرير رقابي من أن طلب مراكز البيانات أضاف 13.8 مليار دولار إلى فواتير المستهلكين. ومع ذلك، يؤكد خبراء أن مراكز البيانات ليست السبب الوحيد لارتفاع الأسعار.
والطلب يتسارع. إذ يقدّر معهد أبحاث الطاقة الكهربائية أن حصة مراكز البيانات من كهرباء الولايات المتحدة قد ترتفع من نحو 4.5% اليوم إلى ما بين 9% و17% بحلول 2030. وفي فيرجينيا وحدها، قد تقفز الحصة من 25% إلى ما بين 41% و59%. أما استهلاكها المباشر للمياه، فقد يرتفع من 17.4 مليار جالون عام 2023 إلى نحو 72.6 مليار جالون بحلول 2028.
من قاعات المقاطعة إلى صناديق الاقتراع
ناتالي بيان، ناخبة من سكان لاودون، تقول لـ"الشرق بلومبرغ"، إنها تريد أن تسمع موقف كل مرشح: "في فيرجينيا، بالتأكيد ينبغي أن تكون كذلك، وعلى المستوى الوطني، أصبحت قضية وطنية. لذلك أعتقد أن المرشحين الأذكياء باتوا يتخذون مواقف من مراكز البيانات". وتضيف: "عبء إنترنت العالم لا ينبغي أن تتحمله مقاطعة لاودون أو فيرجينيا".
وبحسب معهد بروكينجز، يتزايد عدد المرشحين من الحزبين الذين يبثّون إعلانات ضد مراكز البيانات، ويصوّرون خصومهم كغير مكترثين بمخاوف السكان.
وفي تكساس، الولاية التي تضم أكبر عدد من المراكز قيد الإنشاء، علّق الحاكم الجمهوري جريج أبوت التصاريح البيئية وربط المراكز الجديدة بالشبكة. وفي أوهايو، أظهر استطلاع لصحيفة نيويورك تايمز وكلية سيينا أن الناخبين يفضّلون منافس السيناتور الجمهوري جون هيوستد بفارق 11 نقطة في هذا الملف.
بل إن مراكز البيانات ستكون على ورقة الاقتراع حرفياً، ففي ما لا يقل عن 36 مدينة ومقاطعة وبلدة، يصوّت الناخبون في نوفمبر على إجراءات قد تحظر بناءها في مناطقهم.
لكن البيت الأبيض يغرّد خارج هذا السرب. فبينما يبتعد مرشحون جمهوريون عن مراكز البيانات، كتب الرئيس دونالد ترمب على منصته "تروث سوشيال" في أواخر أغسطس أن المجتمعات التي ترفض مراكز البيانات ستنتهي "متخلفة وفقيرة"، داعياً إلى ترك البيانات تسود، ومعتبراً أن الصين هي المستفيد من الحملة ضدها. وجاء منشوره بعد أيام من مذكرة للجنة الجمهورية لانتخابات مجلس الشيوخ حذّرت من أن الحملة ضد هذه المراكز ستتسع إن لم تتغير نظرة الناخبين إليها بسرعة.
وحاول نائب الرئيس جيه دي فانس توضيح موقف ترمب، قائلاً إن الغالبية العظمى من الغضب تتركز في مناطق تعني فيها مراكز البيانات فواتير كهرباء أعلى، وإن على الشركات بناء محطات توليد خاصة بها. وهذا جوهر " الذي أطلقه البيت الأبيض في مارس، ووقّعته شركات بينها أمازون وجوجل وميتا ومايكروسوفت، تلتزم بموجبه بتمويل الطاقة والبنية التحتية لمراكزها بدل تحميل كلفتها للأسر. وفي يوليو، وسّع البيت الأبيض التعهد ليشمل أكثر من مئتي شركة مرافق ومطوّر وولاية.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، عاد ترمب إلى الملف في 21 أكتوبر، فكتب أن مراكز البيانات الجديدة والكبيرة "ملزمة" بأمر منه بإنتاج الكهرباء التي تحتاجها، وببيع الفائض أو منحه للمجتمع المحلي أو الشبكة، داعياً الشركات أيضاً إلى دفع "عائد" مالي للسكان المجاورين، ومعتبراً أن مراكز البيانات التي لا تحظى بشعبية "تصبح محبوبة جداً حين تُعقد صفقة مالية".
ولم يتضح إن كان هذا "الإلزام" سيقترن بإجراء تنفيذي، علماً أن هيئة تنظيم الطاقة الفيدرالية رفضت في وقت سابق من الشهر نفسه فرض شرط مماثل على أكبر شبكة كهرباء في البلاد. أما العائد المالي، فلا يضمن القبول، ففي بلدة هيزل في ولاية بنسلفانيا، رفض السكان مجمّعاً لأمازون رغم عرض بدفع عشرة آلاف دولار لكل منهم.
وبالنسبة لفيكي، لا يغيّر ذلك الكثير. فمسار الخط عبر أرضها حصل على موافقة الجهة المنظِّمة في الولاية، والمعركة انتقلت إلى المحاكم. ولا تتعلق شكاوى جيرانها من الضجيج وتبدّل المشهد بمن يُنتج الكهرباء، بل بالمكان الذي تُبنى فيه هذه المراكز.
ولم ينقسم الموقف من منشور ترمب على أسس حزبية تماماً: فقد أيّده السيناتور الديمقراطي جون فيترمان، فيما انتقده زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز.
وفي فيرجينيا، يقول بلوك إن عضو الكونجرس عن لاودون، سوهاس سوبرامانيام، طرح 4 مشاريع قوانين تتعلق بمراكز البيانات، وإن معظم ممثلي المنطقة في مجلس الولاية يرفضون تبرعات "دومينيون" وشركات مراكز البيانات. وتؤكد فيكي أن القضية تتجاوز الانقسام الحزبي: "لا يوجد حزب أفضل من الآخر" في هذا الملف.
"نريد أن نُعامل كبشر"
لا يرفض سكان لاودون الذين التقيناهم التكنولوجيا. يقول بلوك: "لستُ ضد مراكز البيانات، لكن عليك أن تفعل ذلك بالشكل الصحيح".
أما فيكي، فتختصر مطلبها في جملة: "ليس لأننا لا نريد التنمية، بل لأننا نريد أن نُعامَل كبشر. يمكنكم بناء مركز بيانات، لكن بعيداً عن الأحياء السكنية".
وبين وعود الضرائب والوظائف من جهة، وفواتير الكهرباء والضجيج وتبدّل المشهد من جهة أخرى، يتوجه الناخبون الأميركيون إلى صناديق الاقتراع، حيث لا تحمل الأوراق أسماء المرشحين وحدهم، بل مراكز البيانات أيضاً.












