عقوبات الغرب.. هل تدفع روسيا للتراجع عن مواقفها إزاء أوكرانيا؟ | الشرق للأخبار

عقوبات الغرب.. هل تدفع روسيا للتراجع عن مواقفها إزاء أوكرانيا؟

time reading iconدقائق القراءة - 11
نصب تذكاري لمحرر منطقة دونباس في مدينة دونيتسك التي يسيطر عليها الانفصالييين الموالين لروسيا شرقي أوكرانيا - REUTERS
نصب تذكاري لمحرر منطقة دونباس في مدينة دونيتسك التي يسيطر عليها الانفصالييين الموالين لروسيا شرقي أوكرانيا - REUTERS

استبعد خبراء ومحللون تحدثوا لـ"الشرق" أن تؤدي العقوبات الغربية على روسيا إلى تراجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن قراره الاعتراف باستقلال "جمهوريتي" لوغانسك ودونيتسك الانفصاليتين شرقي أوكرانيا، والسماح بإرسال "قوات لحفظ السلام" إلى هذه المناطق، لكنهم أكدوا أن العقوبات ستكون مؤثرة في الاقتصاد الروسي.

وعلى أثر تلك الخطوة الروسية أعلنت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا فرض عقوبات على موسكو، استهدفت بنوكاً ومؤسسات مالية روسية، إضافة إلى نخب مقربة من بوتين وديوناً سيادية.

وسعت الإدارة الأميركية إلى توضيح أن مقاربتها للعقوبات التي تتفاوض بشأنها بشكل وثيق مع الدول الأوروبية الحريصة على حماية اقتصاداتها، ستكون تدريجية.

وقالت شبكة "سي إن إن" الأميركية إن "بايدن احتفظ ببعض إجراءاته الصارمة على أمل استخدامها إذا شن بوتين هجوماً دموياً على أوكرانيا، وهو ما حذر منه المسؤولون الأميركيون منذ أسابيع".

ونقلت الشبكة عن مسؤول كبير بالإدارة الأميركية قوله: إن العقوبات الأخيرة "ليست سوى الحافة الحادة للألم الذي يمكن أن نلحقه بروسيا"، مشيراً إلى أن "بايدن مستعد للمضي قدماً في العقوبات" وذلك في حال الغزو الروسي على أوكرانيا.

ويعد خيار معاقبة الأشخاص عن طريق تجميد الأصول وحظر السفر أداة شائعة الاستخدام، فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا لديهم بالفعل مثل هذه العقوبات على عدد من الأفراد الروس، الأمر الذي دعا عدداً من الخبراء للتشكيك بمدى فاعليتها لدفع الدب الروسي للتراجع عن مواقفه تجاه أوكرانيا.

التأثير السياسي والاقتصادي

الأكاديمي والباحث السياسي المختص في الشؤون الروسية رامي القليوبي وصف الدفعة الأولى من العقوبات الغربية على روسيا بـ"التحذيرية"، مشيراً إلى أنها "لم تتضمن أسماء أكبر المصارف الروسية".

كما لفت إلى أن "العقوبة الوحيدة التي من الممكن أن تمس الاقتصاد الروسي هي إعلان ألمانيا تعليق عملية إصدار التراخيص لتشغيل أخط أنابيب الغاز (نورد ستريم 2)، لأن موسكو تراهن كثيراً على هذا المشروع".

وتوقع القليوبي في حديث لـ"الشرق"، أن "تعود برلين بعد فترة من الزمن إلى استمرار تنفيذ خط الأنابيب، لأن كلفته تفوق 10 مليارات يورو"، مضيفاً أنه إذا أوقفت ألمانيا هذا مشروع الغاز الضخم فإنها ستصنف كبلد يفتقر لضمانات الاستثمار. 

وكان المستشار الألماني أولاف شولتز أعلن، الثلاثاء، "تعليق" المصادقة على تشغيل خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، التي تستورد أكثر من ثلث وارداتها من الغاز الطبيعي من روسيا.

واستبعد القليوبي تراجع روسيا عن خطواتها الأخيرة بسبب العقوبات الغربية، قائلاً إنه "خلال التاريخ السياسي الحديث لم نرَ أي دولة تراجعت عن سياساتها بسبب العقوبات، وكان ذلك واضحاً في حالتي إيران وكوريا الشمالية اللتين تواصلان سياستيهما في المجال النووي دون اكتراث للعقوبات".

"الاكتفاء الذاتي"

وأشار إلى أن روسيا لديها القدرة على العيش بشكل مستقل، ودرجة عالية من الاكتفاء الذاتي مقارنة بالدول الأخرى، معتبراً أن العقوبات "الخيار الوحيد المتوفر في الوقت الحالي للدول الغربية".

وأوضح أن "الدول الغربية لا تتحمل أي التزامات غربية تجاه أوكرانيا فهي ليست عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبذلك لا يمكن لكييف الاستناد للفصل الخامس من ميثاق الحلف الخاص بالرد الجماعي إذا تعرض أي من الدول الأعضاء للعدوان".

ولفت الباحث في الشؤون الروسية إلى أن "موسكو تقبع تحت طائلة العقوبات منذ عام 2014"، مشيراً إلى أنها "تكيفت مع الوضع منذ زمن من خلال استبدال الواردات وتنويع الشراكات وإنماء علاقتها مع الدول الآسيوية وفي مقدمتها الصين والهند".

واعتبر أن روسيا "تتبع في سياستها نهجاً محافظاً"، موضحاً أنها "تعتمد الحفاظ على احتياطات دولية كبرى، فلديها حالياً نحو 640 مليار دولار احتياطات في البنك المركزي من الذهب والعملة الصعبة".

وقلصت روسيا في الآونة الأخيرة موازنتها وعزّزت احتياطاتها من العملات الأجنبية، وسعت إلى تنويع محفظتها التجارية كي تصبح أقل اعتماداً على الاتحاد الأوروبي في عائدات التصدير.

ويأتي الجزء الأكبر من عائدات الصادرات الروسية، من المنتجات المعدنية مثل النفط والغاز الطبيعي والفحم.

من جهته، وصف محمد فرج الله رئيس تحرير وكالة أوكرانيا بالعربية، العقوبات الغربية على روسيا بـ"الجيدة"، موضحاً أنها "طالت القطاع المصرفي والقوات المسلحة الروسية"، وستكون "مؤلمة جداً على موسكو، ولكنها لن تدفعها للتراجع".

وقال فرج الله لـ"الشرق"، إن "العقوبات تعتبر أداة طويلة الأمد وتنعكس على المواطن الروسي"، لافتاً إلى أن "أوكرانيا تطالب الغرب بتنفيذ ملفات وملحقات اتفاقية بودابست وهناك خيارات كثيرة جداً للغرب تبدأ بالعقوبات التي تدعم أوكرانيا وتنتهي بالحق في استعادة سلاحها النووي".

وبيّن أن معاهدة بودابست "ستعطي لبريطانيا والولايات المتحدة الحق في أن تأتي بقواتها وتدافع عن أوكرانيا، لأن هذه الدول تعهدت بأمن وسلامة أوكرانيا"، مضيفاً أن "الغرب سيستمر في تزويد أوكرانيا بالسلاح الدفاعي الذي سيوقف المد الروسي والتوغل إذا حصل ذلك".

"أخف مما كان متوقعاً"

واعتبر الباحث السياسي نصر اليوسف أن الدفعة الأولى من العقوبات "سيئة وأخف مما كان متوقعاً، لكنها ستضر بالاقتصاد الروسي، والذي يعاني أصلاً من جائحة كورونا والعقوبات الغربية السابقة التي فرضت عام 2014" وذلك عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم.

ولفت اليوسف في حديث لـ"الشرق"، إلى أن "المخطط الروسي انتهى باقتطاع كياني لوغانسك ودونيتسك"، مشيراً إلى أن "الحكومة الروسية درست كل التبعات التي من الممكن أن تحدث بعد اتخاذ خطوة الاعتراف".

وأعرب عن عدم اعتقاده بأن "روسيا يمكن أن تمضي قدماً بغزو كييف، وأن كل ما يمكن فعله هو أن ترغم أوكرانيا على الخروج من كافة تراب هاتين الجمهوريتين (الانفصاليتين)".

ويرى اليوسف أن "الغرب لن يكتفي بالعقوبات، بل سيعمد إلى تزويد أوكرانيا بالعديد من الأنظمة والأسلحة العسكرية المتطورة"، متوقعاً أن "يدفع هذا التسليح الغربي المكثف كييف إلى المغامرة وشن حرب على هاتين الجمهوريتين، دون أن يحارب الغرب بنفسه".

وشملت الحزمة الأولى من العقوبات الأوروبية والتي دخلت حيز التنفيذ، الأربعاء، إجراءات مستهدفة خصوصاً ضد النواب الروس الذين صوتوا لمصلحة الاعتراف باستقلال الانفصاليين، وإجراءات اقتصادية ضد المصارف الروسية.

وشهد الثلاثاء إعلان سلسلة من العقوبات الغربية على روسيا، كانت أولها من بريطانيا والتي فرضت عقوبات على 5 بنوك روسية هي بنك روسيا وبنك البحر الأسود وجينبنك وآي.إس بنك وبرومسفياز بنك، وكلها بنوك صغيرة الحجم باستثناء برومسفياز بنك، المدرج في قائمة البنك المركزي للبنوك المهمة.

في ذات الوقت، فرضت بريطانيا عقوبات على 3 أشخاص هم رجل الأعمال الروسي جينادي تيمتشينكو والمليارديران إيجور وبوريس روتنبرج، وجميعهم من حلفاء الرئيس فلاديمير بوتين، ومن سان بطرسبرج، ونمت ثرواتهم الشخصية بشكل سريع بعد صعود بوتين إلى سدة الرئاسة. وتفرض الولايات المتحدة بالفعل عقوبات كذلك على الرجال الـ3.

كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على بنكي "في إي بي" والذي يعد من ضمن أكبر 5 مؤسسات مالية روسية، و"برومسفياز بنك" وهو ثامن أكبر البنوك الروسية إضافة إلى 42 جهة وشركة تابعة لها.

الخبير في الشؤون الروسية أديب السيد قال إن العقوبات الغربية على روسيا "سيكون لها تأثيرات سلبية، في القطاع البنكي والطاقة"، لافتاً إلى أن "العقوبات سلاح ذو حدين، لأنها ستلحق الضرر بالمصالح الغربية، والدليل على هذا يتمثل في ارتفاع أسعار الغاز بعد إعلان ألمانيا تجميد عمل (نورد ستريم2)".

وأضاف السيد لـ"الشرق"، أن "روسيا مستعدة للتعامل مع العقوبات منذ شهور"، مبيناً أن لدى موسكو "قدرات اقتصادية وموارد طبيعية هائلة ولا أعتقد أن هذه العقوبات سوف تؤدي إلى إرغامها على التراجع عن مواقفها ولا سيما أنها تبحث لنفسها عن ضمانات أمنية تعتبرها مهمة".

وأشار إلى أن "الرئيس الأميركي جو بايدن وكافة القادة الغربيين أكدوا أنهم لن يقاتلوا الروس من أجل أوكرانيا"، موضحاً أنهم "يدركون عدم امتلاكهم لأي أدوات للتأثير في موقف موسكو باستثناء العقوبات لأن الغرب في وضع لا يسمح له بالدخول في مجابهة عسكرية خاصة في ضوء الخلافات الموجودة داخل الحلف (الناتو)".

احتمالية التصعيد العسكري

ومع غموض طبيعة التحركات العسكرية الروسية الأخيرة، لا تزال العواصم الغربية تحاول البت فيما إذا كان هذا الانتشار يشكل عملية الغزو التي توقعتها، لتمضي قدماً في فرض عقوبات قاسية وواسعة النطاق على موسكو.

بينما ينتظر العالم ليرى ما إذا كانت روسيا ستغزو أوكرانيا، أظهر استطلاع جديد لشبكة "سي ان ان" الأميركية أن "نصف الروس يعتقدون أنه سيكون من الصواب لموسكو استخدام القوة العسكرية لمنع كييف من الانضمام إلى حلف (الناتو)"، فيما توقع 43% من الأوكرانيين أن تكون "هناك نهاية سلمية للتوترات".

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية عمار قناة قال إن "عملية الغزو الروسي على أوكرانيا غير واردة"، مشدداً على أن مسألة ارتفاع مستوى التصعيد عسكري في منطقة دونباس شرقي أوكرانيا "تعتمد على طبيعة رد كييف، فنحن نرى الآن تكثيفاً عسكرياً جزئياً في المنطقة".

وذكر قناة في حديثه لـ"الشرق"، أن "التكثيف العسكري الأوكراني في دونباس يعود إلى مسألتين أولاً وجود ضوء أخضر أميركي، وثانياً رغبة السلطة السياسية بكييف في تغيير المعادلة من سياسية إلى عسكرية وخلق واقع عسكري جديد بالمنطقة".

وزاد: "روسيا لن تسمح بهذا الطرح ومن الممكن أن تشهد دونباس مجابهة أو مناوشات عسكرية جزئية للدفاع عن المدنيين".

من جهته، استبعد الباحث السياسي رامي القليوبي وجود تصعيد عسكري شرقي أوكرانيا، وقال "إنه وبعد اعتراف روسيا بالمنطقتين يمكنها إرسال قوات عسكرية إلى هناك، وهذا يعني أن أي هجوم أوكراني على هذه القوات سيكون بمنزلة هجوم على روسيا وليس هناك سوابق بأن تشن دولة غير نووية هجوماً على أخرى نووية".

ورأى أن "السيناريو الأرجح هو تحول النزاع إلى نزاع متجمد على غرار النزاع في إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الذين اعترفت روسيا باستقلالهم عن جورجيا عام 2008".

وقال رئيس تحرير وكالة أوكرانيا بالعربي إنه "من الصعب أن يكون النزاع الأوكراني الروسي في دونباس مجمداً، لأن كييف لن تسعى لاستعادة الأرض التي يسيطر عليه الانفصاليون (المدعومون من الروس) بالقوة بل ستستعيدها بطرق مختلفة كالقوى الناعمة والعقوبات".

وتابع: "إن الغرب أصبح يدرك جيداً أنه إذا ضحى بأوكرانيا أو سمح بالتوغل الروسي فإن الطرف القادم هي دول أوروبا الشرقية".

وفي عام 2008، اعترفت روسيا بـ "استقلال" أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وهما منطقتان جورجيتان منفصلتان بعد أن خاضتا حرباً قصيرة مع جورجيا تدخلت فيها موسكو.

وجاء الاعتراف الروسي بالمناطق الانفصالية في جورجيا لتبرير وجود عسكري مفتوح في الجمهورية السوفييتية السابقة المجاورة التي تتطلع إلى الانضمام إلى حلف "الناتو"، وفق وكالة "رويترز".

وتعتبر جورجيا المنطقتين تحت الاحتلال العسكري من قبل روسيا التي كانت أول من اعترف بـ"استقلالهما".

تصنيفات