
مع اقتراب الانتخابات النيابية اللبنانية في الداخل، فإن شعار "التغيير" طغى على أغلبية اللوائح الانتخابية، واتخذه مرشحون عدة عنواناً لحملتهم.
وسجلت وزارة الداخلية اللبنانية ترشح 103 لوائح في 15 دائرة، تحمل نصف هذه اللوائح شعارات التغيير والمواجهة والتحدي، في حين جاءت 17 لائحة تحمل عنوان "التغيير" بشكل مباشر.
ويبقى السؤال الأهم في هذه الانتخابات: هل يمكن إحداث تغيير، أو أنه سيبقى حبراً على ورق في ظل أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية يعيشها الشارع اللبناني، تعد الأسوأ في تاريخ البلد الحديث.
ويجمع عدة مرشحين للانتخابات ومحللين سياسيين استطلعت "الشرق" آراءهم، على أن التغيير "صعب التنفيذ"، فالسلطة السياسية تناوبت على السلطة منذ أكثر من 30 سنة، في حين أن القوى المستقلة والمعارضة وقوى المجتمع المدني "متشرذمة وليس لديها جبهة موحدة"، في وقت اعتبروا أن الانتخابات النيابية المقرر إجراؤها في 15 مايو الجاري، قد تكون "محطة في مسيرة التغيير".
البرلمان "محطة"
يعتبر الأستاذ الجامعي في القانون والناشط السياسي والمدني علي مراد، أن "الوصول إلى المجلس النيابي لا يمكن أن يغيّر النظام"، لافتاً إلى أن "التغيير في لبنان ليس أمراً سهلاً بناء على الدروس المستقاة من احتجاجات 17 تشرين (أكتوبر) 2019"، مشيراً إلى أن "في لبنان لا يوجد رأس واحد للنظام لإسقاطه".
وأضاف المرشّح عن دائرة الجنوب الثالثة (قضاء بنت جبيل) على لائحة "معاً نحو التغيير" لـ"الشرق"، أن "التجارب في العالم العربي بعد احتجاجات عام 2011، تؤكد أيضاً أن التغيير لن يأتي عبر المجلس النيابي دفعة واحدة، فالوصول إليه هو محطة من محطات المواجهة مع السلطة السياسية".
وأورد مراد أن "التعويل الآن على المجلس والدور الذي سيلعبه في حال وصول عدد كبير من النواب المعارضين، ما يفتح الباب أمام المشاركة والرقابة ومعارضة كل محاولات تمرير الصفقات والقوانين التي لا تخدم مصالح الناس، ولا تنحاز إلى حقوقهم ومطالبهم".
ورأى "أننا بحاجة لإعادة الاعتبار لمنطق الدولة ومؤسساتها، وهذا الأمر غائب على المستويات الأمنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وخصوصاً السياسة الخارجية المغيّبة للدولة اللبنانية".
وحول عدم توحدّ المعارضة حول برنامج سياسي واحد، وربطه بالتغيير والوصول إلى البرلمان، قال مراد: "علينا أن ننتظر النتائج، صحيح أن الناس والقوى والمرشحين من قبل قوى المعارضة مختلفة .. لكني أراهن على أنها قادرة على إيجاد قواسم مشتركة بينها".
"نهج جديد"
ويتوافق الباحث والأستاذ الجامعي ميشال دويهي مع مراد، مؤكداً أن "الانتخابات مدخل إلى التغيير".
وأضاف المرشّح عن دائرة الشمال الثالثة "قضاء زغرتا"، بأن "التغيير ليس بسيطاً، بحكم أن لبنان يعتمد على منطق الجماعات والطوائف، والأحزاب الحاكمة لا تزال تمارس الشأن العام من هذا المنطلق، وتتضخّ اليوم بقوّة وتشدّ العصب الطائفي والمذهبي لتعيد الناس لانتماءاتها الأولية، وعلى هذا الأساس تُحرّك الناخبين وتحثّهم على التصويت".
وأضاف أن "هناك منطقين في السياسة للوصول إلى البرلمان، منطق الجماعة ومنطق الأفراد"، مشيراً إلى أن منطق الأفراد "يعتمد على مشاريع سياسية واضحة بشأن القضايا الكبرى في البلد لمواجهة الانهيار الاقتصادي السياسي والأمني، ومحاسبة الفاسدين، ومنع نهب أموال المودعين، وعلى مستوى سيادة لبنان وحياده".
ومن ناحية ثانية، يعتقد دويهي أن "التغيير السياسي مرتبط بظروف وسياقات دولية وإقليمية، منها التسويات السياسية في المنطقة والشرق الأوسط خصوصاً، مثل الاتفاق النووي الأميركي الإيراني".
وأشار أيضاً إلى "قضايا ترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية والنفط والغاز في المياه الإقليمية، وسلاح حزب الله وما يحدث في سوريا"، لافتاً إلى أن "هذه قضايا خارج سيطرة المعارضة والمرشحين المستقلين أو النواب في المستقبل"، منبهاً إلى أنه "يمكننا إيصال إصلاحيين مستقلين إلى البرلمان، بهدف وضع حد لإيقاف النزيف، وخلق اشتباك سياسي من داخل المؤسسات مع الطبقة السياسية المسؤولة عن انهيار البلد".
آفاق "ضيّقة"
من ناحيته، يرى الأستاذ الجامعي رضوان السيدّ أن "آفاق التغيير ضيقة، بسبب سيطرة حزب الله بالسلاح ليس على المناطق الشيعية فقط، بل إخافته وإزعاجه للمناطق السنيّة والمسيحية بشكل أقل، إضافة إلى ضعف ثقة الطبقة الوسطى وليس العامة، بمجلس النواب نفسه، لأنه تاريخياً لم يقد عملية للتغيير بالمعنى الإيجابي".
وشرح السيدّ لـ"الشرق" أن "التغيير جاء في لبنان من رئاسة الحكومة أو من رئاسة الجمهورية. ولكن دور الأخيرة تعطل، وأصبحت تعمل ضد التغيير ولمصلحة الفساد وحزب الله والنائب جبران باسيل، ولذلك لم يبقَ إلا رئاسة الحكومة، وهي ضعيفة جداً الآن"، وفق تعبيره.
وأشار الكاتب والسياسي إلى أن "رئيس الحكومة الحالي ليستمرّ في منصبه ينبغي أن يرضى عنه العونيون (نسبة إلى أنصار التيار الوطني الحر الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون) والنصريون (نسبة لأنصار أمين عام حزب الله حسن نصر الله) وهاتان القوّتان لا تريدان التغيير"، مؤكداً في الوقت ذاته، أن "الانتخابات هي السبيل الوحيد ليس للتغيير بالدرجة الأولى، بل لدرجة إيمان اللبنانيين بوطنهم".
ووصف السيّد ما يحدث في لبنان بـ"الجنون"، مشيراً إلى أن "الناس تلجأ إما للهجرة أو ما دونها، وتموت غرقاً، في ظل انتشار الجوع وتفقير الطبقة الوسطى التي نُهبت أموالها، في حين هرّب الكبار أموالهم، أو وضعوها في بيوتهم، ولم يبقَ في البلد إلا مصرف حزب الله الذي يعرف بالقرض الحسن".
تضاؤل الثقة بالدولة
ويرى السيّد أن "هناك تضاؤلاً كبيراً للثقة بالوطن وبالدولة، وهناك بحث عن أي مخرج، بعيداً عن الحكومة وعن إدارة الدولة"، مشيراً إلى أن "فقدان الثقة ليس مقتصراً على الأغلبية العظمى من الشعب اللبناني، بل أيضاً أمتدّ إلى المؤسسات العربية والدولية".
وأعطى مثالاً على ذلك، "المبادرة السعودية الفرنسية التي تناهز قيمتها 72 مليون يورو، والتي أراد الطرفان من خلالها إيصال المساعدات إلى الأفراد والمؤسسات مباشرة من دون المرور بمؤسسات الدولة، لأنهم ما عادوا يثقون بأي منها، ولذلك يريدون إنفاق المبالغ بأنفسهم".
ورغم ذلك، يرى السيّد أن "الانتخابات البرلمانية تشكّل بالنسبة للقوى السياسية المعارضة هدفاً وفرصة لاستعادة الثقة"، إضافة إلى "وجوب استمرارية الدولة التي تجتمع حولها إرادة الشعب المؤمن بالعيش المشترك وليس لديه إلا خيار الدولة والقانون والمؤسسات الدستورية، كي لا يفقد البلد الشكل الدستوري للنظام".
وأضاف أن "هناك إرادة للتغيير وحماسة لدى القوى المعارضة ولدى المواطنين، لكن أشكّ في صلاحية الانتخابات كوسيلة للتغيير، مع أنني أعتبر أنه من ضروري الاستجابة لنداء هذه القوى والاقتراع لمواجهة التهديد بزوال لبنان وتفكّك وحدة شعبنا وضرورة إصلاح الإدارة واستنهاض أقصى ما عندنا للمحافظة على الطبقة الوسطى التي تُستهدف بالتحديد، لأنها صنعت لبنان".
وقال السيّد: "حتى القوى المعارضة تستند إلى إيمانها بهذه العناصر، أكثر من إيمانها بصناديق الاقتراع، من وجهة نظري".
تأثيرات خارجية
من ناحيته، قال مدير كلية العلوم السياسية في "جامعة القديس يوسف" في بيروت والباحث والأستاذ الجامعي في "معهد الأبحاث الاستراتيجية الدولية" (IRIS) كريم بيطار لـ"الشرق"، إن "لبنان لا يزال خاضعاً لتأثيرات خارجية كبيرة، وتغيب عنه الشروط المسبقة للعملية الانتخابية العادلة والمتوازنة"، خصوصاً مع "أزمة الفقر، وغياب المواطنة على حساب الولاءات الطائفية المناطقية، وفي ظل غياب السيادة، ووجود لبنان تحت تأثير ميليشيات مسلحة، إضافة إلى وقوعه تحت رحمة حروب تندلع على أرضه بالوكالة".
وأضاف بيطار الذي يعتبر أحد مؤسّسي تجمّع "كلنا إرادة" السياسي، أنه "مهما كانت نتائج الانتخابات لن يصبح لدينا تغيير جذري في موازين القوى"، موضحاً: "الدليل على ذلك ما حدث في دورة 2009، في ظل انقسام عمودي حادّ بين فريق 14 آذار (مارس) و8 آذار، حيث حصلت الأولى على الأغلبية النيابية العددية، لكنهم لم يتمكنوا من حكم البلاد ببساطة، لأن حزب الله وحلفاءه استخدموا حجة الميثاقية واحتكار تمثيل الطائفة الشيعية، للمطالبة بحكومات وحدة وطنية".
وتابع: "مهما كانت نتائج هذه الانتخابات هذا العام، فهناك احتمال كبير لأن يعود لبنان إلى عاداته القديمة المتمثلة في تقاسم غنائم ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية (...) وهي حكومات تم تمثيل جميع الأطراف فيها، وأصبحت بمنزلة برلمان مصغر"، معتبراً أنها "بدعة دستورية بعد اتفاق الطائف" الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، عندما "اتفقت القوى السياسية على مشاركة الجميع في حكومة وحدة وطنية، بهدف ضم كل الميليشيات من أجل تسليم سلاحهم".
وانتقد بيطار التجربة، لأن "معظم الحكومات التي تعاقبت على الحكم من 30 سنة هي حكومات وحدة وطنية، خلطت الأوراق بين معارضة موالاة، ومنعت تداول السلطة بشكل صحيح، ما عزّز التهرب من المسؤوليات".
المعركة بعد الانتخابات
وأكد بيطار أن التغيير في لبنان لن يأتي عبر الانتخابات النيابية فقط، "لكن المعركة للوصول إلى البرلمان يمكن أن تكون مهمّة في المسار الطويل نحو الإصلاح السياسي، إذا أفضت عن خسارة حزب الله وحلفاءه الأكثرية العددية في المجلس النيابي، وإذا أضعفت وزن التيار الوطني الحرّ".
وأشار إلى أن آخر الإحصاءات ترجح خسارة "التيار الوطني الحرّ" الذي يقوده جبران باسيل، "أكثر من 50% من الناخبين المسيحيين، الأمر الذي ينزع نوعاً ما شرعية التغطية المسيحية عن حزب الله، ويُضعّف المنظومة الحاكمة".




