واشنطن وبكين.. بين تنظيم المنافسة وتفادي المواجهة | الشرق للأخبار

واشنطن وبكين.. بين تنظيم المنافسة وتفادي المواجهة

time reading iconدقائق القراءة - 10
الرئيس الأميركي جو بايدن يصافح نظيره الصيني شي جين بينج أثناء لقائهما على هامش قمة قادة مجموعة العشرين في بالي، إندونيسيا - 14 نوفمبر 2022 - REUTERS
الرئيس الأميركي جو بايدن يصافح نظيره الصيني شي جين بينج أثناء لقائهما على هامش قمة قادة مجموعة العشرين في بالي، إندونيسيا - 14 نوفمبر 2022 - REUTERS
بيروت-

بعد مضي أقل من أسبوع على لقاء الرئيسين الصيني شي جين بينج والأميركي جو بايدن، والذي حاول الرئيسان خلاله تخفيف التوتر بين القوتين العظميين المتنافستين، اجتمعت نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس مع الرئيس الصيني، الذي واصل لهجته "التصالحية"، التي تبناها بعد اجتماعه مع نظيره الأميركي.

خلال اجتماعها مع شي، ذكّرت هاريس بأهمّية الحفاظ على قنوات الاتصال مع بكين، والتي طبعت لقاء الرئيسين، خصوصاً وأن الرئيس الأميركي اعتبر أنه "لا داعي لاندلاع حرب باردة جديدة".

بناء على ما تقدم، ما الذي يجري بين البلدين؟ وإلى أين تتجه العلاقة بينهما بعد هذه اللقاءات؟ 

"تنافس مستمر"

عميد الشؤون الأكاديمية في "معهد عالم السياسية" The Institute of World Politics جيمس روبنز، قال لـ"الشرق"، إن "اللقاء عُقد لتبادل وجهات النظر (بين الرئيسين)، لكي يُظهِرا للعالم وجهاً سموحاً"، مستبعداً أن يغيّر الاجتماع أي شيء في السياسات المتبعة.

وأضاف: "لن يكون للقاء أي تأثير في الأمور الأساسية الشائكة بين البلدين، لكن جوّ اللقاء كان إيجابياً"، إلا أنه أشار إلى أن "هذه الإيجابية لا تتعدى حدود تبادل وجهات النظر". وزاد: "أعتقد أن اللقاء سيحدّ من تدهور العلاقات، وهذا أمر مهم بالنسبة إلى العالم ككل".

من جانبه، اعتبر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في "جامعة باكنيل" (بنسلفانيا/الولايات المتحدة) زهيجن زهو، أن الاجتماع الذي أتى بعد فترة صعبة مرت بها العلاقات الأميركية الصينية "سيساعد في تقليل التوترات إلى حد ما، من دون أن يعني ذلك أن التنافس بين البلدين سيهدأ".

ورأى زهو أنه "على الرغم من أن البلدين سيتعاونان في قضايا، مثل تغيّر المناخ، إلا أن المنافسة هي السمة الرئيسة لعلاقاتهما. لذلك ستستمر حروب التجارة والرقائق الإلكترونية والتكنولوجيا المتقدمة، ما سينجم عنه مزيداً من التوترات في المستقبل".

 تباين في القراءة

عقب اجتماع شي وبايدن لم يصدر البلدان بياناً مشتركاً، ولكن كلاهما كشف في البيان الخاص الذي أصدره عن اختلافات واضحة وعن تباين في بعض النقاط الأساسية، وخصوصاً في ما يتعلّق بالغزو الروسي لأوكرانيا، والصدام حول تايوان، وملف حقوق الإنسان.

 المتخصص في الاقتصاد والباحث في العلاقات الدولية والتطور التكنولوجي الصيني هاورد شاتز، قال لـ"الشرق" إن "الاختلافات (خلال اللقاء) كانت جليّة جداً. البيان الصيني الرسمي كان أطول بكثير، ولم يكن واضحاً ما إذا كانت أجزاء منه تعطي قراءة للاجتماع، أو تضيف سياقاً ومعلومات أكبر لشرح مواقف الصين".

وأضاف: "كلاهما (بايدن وشي) غطى تايوان بطريقته الخاصة، واعترفت الصين بموقف الولايات المتحدة بشأن تايوان. ولكنهما اختلفا في تحديد إقرار من الصين بالقضايا المهمة التي أثارها الرئيس بايدن بشأن الممارسات الاقتصادية غير السوقية للصين، واحتجازها مواطنين أميركيين".

ورأى شاتز أن "الممارسات الاقتصادية غير السوقية هي واحدة من القضايا الأساسية لتدهور العلاقات"، لافتاً إلى أن "الإقرار بأنها شكوى منطقية ومحقة من شأنه أن يجعلها تدخل في صميم النمو الاقتصادي الصيني واستراتيجية التنمية". وقال: "أعتقد بأن البلدين متباعدان جداً بشأن هذه المسألة وسيواجهان صعوبة في التوصل إلى أي نوع من الاتفاق".

من جهته، رفض الناطق باسم السفارة الصينية في واشنطن التعليق لـ"الشرق" في هذا الصدد، مكتفياً بما ورد في بيان وزير الخارجية الصيني وانج يي حول اللقاء.

أما روبنز فقال إن "الصين لم تشأ الإضاءة على النقاط المثيرة للجدل والقوية التي أثارها الرئيس بايدن، فالتزمت بنسخة إيجابية ومنمقة عمّا جرى"، معتبراً أن "الجانب الأميركي أراد أن يكون صريحاً مع العالم، إلا أن الصين لم تُرد التعامل بالمثل مع هذا الأمر".

 وأضاف: "أعتقد بأن ما أرادته الصين هو الحفاظ على صورتها كدولة رائدة في العالم، وأن لا أحد يُملي عليها ما يجب فعله أو قوله، خصوصاً في ما يتعلّق بتايوان، أو الأمور التي تعتبرها شأناً داخلياً، مثل حقوق الإنسان والتيبت ومسائل أخرى ترى أنها شأن خاص".

خفض التوتر

وعمّا إذا كان لقاء بايدن وشي، الذي عُقد على هامش قمة مجموعة العشرين للاقتصادات الكبرى، سيؤدي إلى الحدّ من التوتر المتصاعد بين البلدين في الأشهر الأخيرة، قال شاتز: "أعتقد أن لهذا الاجتماع تأثير مهدئ، لا سيّما أنه حدّد مساراً لمزيد من المحادثات". وأضاف: "كان من المهم جداً، وفقاً للقراءة الأميركية تأكيد الزعيمين على معارضتهما لاستخدام أسلحة نووية في أوكرانيا، أو التهديد باستخدامها". ورأى في هذا الإعلان "رسالة قوية، إذ أن الصين هي أهم شريك لروسيا".

من جهته، قال روبنز إن "اللقاء سيتيح للعالم التقاط أنفاسه قليلاً، إلا أن هذا الاجتماع يجب أن تتبعه لقاءات، من أجل تثبيت بعض الأمور الأساسية، وتذليل الاختلافات الواردة في القراءتين الرسميتين".

وأضاف: "كعادتها، تحاول الصين إظهار وجه محايد للعالم والتإيحاء بأن كل شيء على ما يرام، وأنه لا توجد أي تحديات". واعتبر هذا الحياد "إيجابياً" خصوصاً إذا ما قورِن بلقاء وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في ألاسكا، حيث أغضب نظيره الصيني.

وفي السياق، رأى زهو أن "العلاقات ستحظى بفترة وجيزة من الاستقرار"، لافتاً إلى أن "كل المشكلات الهيكلية والقضايا الخلافية لا تزال قائمة، بما في ذلك تايوان، وشينجيانج، وحرب التكنولوجيا الفائقة، وما إلى ذلك. لذلك فإن احتمالات توتر العلاقة ما زالت قاتمة".

وأشار إلى أن "الجزء الأكثر أهمية في الاجتماع، هو أن الحكومتين جديتان في تجنّب صراع، من خلال إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، إذ تعهد الجانبان بإدارة العلاقات وضمان عدم تحوّل المنافسة إلى صراع".

 وأضاف: "لقاء واحد لا يكفي بالتأكيد. المزيد من اجتماعات القمة والمحادثات الأخرى رفيعة المستوى على أساس أكثر انتظاماً، ستساعد في استقرار العلاقات". ولفت إلى أن زيارة مقررة لبلينكن إلى بكين في يناير 2023، من أجل إجراء مزيد من المناقشات رفيعة المستوى، هي خطوة في الاتجاه الصحيح.

ويرجّح  شاتز أن تشهد العلاقات محاولة "خلق فرص لمزيد من التعاون في القضايا العالمية، التي لا تمسّ بالضرورة المصالح الجوهرية لكل دولة، مثل التعاون في قضايا تغير المناخ، وتخفيف عبء الديون، والصحة العالمية، والانتعاش العالمي بعد تفشي فيروس كورونا".

من يحكم العالم؟

ثمة محاذير كثيرة تحكم العلاقات بين واشنطن وبكين، ويرى مراقبون أميركيون أن الإدارات الأميركية المتعاقبة أهملت الخطر الحقيقي، وهو الصين، وتلهّت بمشكلات بعيدة في الشرق الأوسط، لا تشكّل تهديداً مباشراً لها على الساحة العالمية.

وعلى الرغم من الاختلاف بين بايدن وسلفه دونالد ترمب، إلاّ أن الرئيس الحالي أبقى على الوضع الراهن تجاه الصين، الذي اعتُمد في عهد ترمب، رافضاً إلغاء التعريفات الجمركية المفروضة عليها. كما أنه يمضي في خطة طموحة لفكّ ارتباط الولايات المتحدة بالعنصر الأساسي لسلسلة التوريد التكنولوجي من الصين، من خلال تعزيز تصنيع أشباه الموصلات على الأراضي الأميركية، ووضع نظام معقد من ضوابط التصدير على هذه المعدات الأساسية، وهو ما وصفه محللون بأنه "إعلان بيروقراطي عن حرب اقتصادية".

ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت هذه المخاوف مُحقة، قال زهو إنه لا يرى أن هناك سباقاً على القيادة العالمية، وتابع مضيفاً: "ستبقى الولايات المتحدة أقوى دولة، اقتصادياً وعسكرياً وتقنياً. ستلحق الصين بالركب، ولكن كما قال شي جين بينج، لا تنوي الصين تحدي القيادة الأميركية أو استبدالها. ومع ذلك، نظراً إلى حجم الصين وصعودها السريع، فإن دولاً كثيرة تشعر بقلق حقاً بشأن صراع محتمل بين الولايات المتحدة والصين".

أما جيمس روبنز فيعتقد بأن "الصين تسعى لتوسيع سيطرتها في العالم، وهذا أمر واضح من خلال مسائل كثيرة والمواقف الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، إضافة إلى قوتها العسكرية". وتابع: "تسعى الصين إلى تصدّر العالم في أمور كثيرة، إلا أنها لم تستطع تحقيق النجاح الذي تصبو إليه حتى الآن، لكن ذلك لا يعني أنها لا تسعى إليه".

وشدد على "وجوب أن تكون كل دول العالم، المتقدمة منها والنامية، وحتى الدول العربية، حذرة من الصين، وتأخذ حيطتها منها، وأن تسأل عن الغاية من وراء تمددها العالمي".

شاتز ذكّر بقول بايدن في مناسبات عدة أن "الولايات المتحدة لا تدعم استقلال تايوان، وليس لديها أي نيّة لاستخدامها كأداة للحصول على مزايا المنافسة مع الصين أو احتوائها، وأنه يجب استمرار الحوار بهذه القضية الجوهرية"، متوقفاً عند تعبير بايدن عن "الأمل في أن يتصرّف الجانب الصيني بناءً على هذا التأكيد".

مواجهة وتعاون

الأستاذة في العلاقات الدولية في "جامعة أوكسفورد" روزماري فوت، أعربت عن أملها في أن "يبشّر اللقاء بين بايدن بالخير خصوصاً في ما يتعلق بالاتفاقات بشأن تغيّر المناخ، وتحقيق الاستقرار في العلاقات التي ستبقى صعبة ومثيرة للجدل، حول قضايا عدة".

ورأت أن "هناك فرصاً لإجراء اتصالات أكثر انتظاماً بين المسؤولين الأميركيين والصينيين، بما فيهم وزير الخارجية بلينكن الذي سيزور الصين في يناير المقبل". ورأت أن الولايات المتحدة تعتمد صيغة "العودة إلى المنافسة، والمواجهة إذا اضطرت، والتعاون حيث أمكن".

اقرأ أيضاً:

تصنيفات