فرنسا في إفريقيا.. "فشل جيوسياسي" يهدد بخسارة نفوذها

time reading iconدقائق القراءة - 21
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الكونغولي دينيس ساسو نجيسو في القصر الرئاسي في برازافيل. 3 مارس 2023 - AFP
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الكونغولي دينيس ساسو نجيسو في القصر الرئاسي في برازافيل. 3 مارس 2023 - AFP
الرباط- عبد الكريم العفاني

بعد نحو 6 عقود من الاستقلال لا تزال طبيعة العلاقة بين فرنسا وإفريقيا مثار نقاش حاد، لم يهدأ مع مطالبة بلدان إفريقية بـ"فك الارتباط" بشكل نهائي مع القوة الاستعمارية السابقة، قابله سعي فرنسي حثيث إلى استدامة مصالحها السياسية والاقتصادية. 
 
المعالم الرئيسية لسياسة فرنسا تجاه القارة السمراء، حددها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في 27 فبراير، قبل جولة إفريقية شملت 4 دول، قوامها "التواضع والمسؤولية". فيما انتقد "من يستقرون هناك بجيوشهم ومرتزقتهم"، في إشارة إلى روسيا ومجموعة "فاجنر".

وكتبت صحيفة "لوموند" في افتتاحيتها بمناسبة الجولة معتبرة أن "فرنسا في حاجة إلى أكثر من مجرد خطوات صغيرة (..) وعلى فرنسا أن تثبت فعلاً وليس قولاً أنها تخلت عن سياسة الفناء الخلفي".

وإذا كان جوهر خطاب الرئيس الفرنسي هو التحلّي " بالتواضع" والتخلي عن "السياسة الأبوية "، فإن مراقبين للشأن الإفريقي يستبعدون حدوث تغيير كبير في السنوات المقبلة، مشيرين في تصريحات لـ"الشرق" إلى تنامي "العداء الشعبي" لإفريقيا بعد عقود من التدخلات العسكرية والسياسية دفعت البلدان الإفريقية للتعامل مع شركاء آخرين على غرار روسيا والصين.

فيما أقر مسؤولون فرنسيون لـ"الشرق" بـ"فشل جيوسياسي" لبلادهم في إفريقيا، وأنها أصبحت بحاجة لمراجعة شاملة لسياستها.

فهل تسير فرنسا نحو خسارة نفوذها في القارة الإفريقية؟ وهل يدفعها التنافس الدولي وتنامي الخلافات مع البلدان الإفريقية إلى تغيير سياستها في القارة السمراء؟

علاقات متوترة.. من مالي إلى بوركينا فاسو

لم تنظر فرنسا بعين الرضا إلى الانقلاب العسكري الذي شهدته مالي في أغسطس 2020، وأسفر عن الإطاحة بالرئيس أبو بكر كيتا، في خضم مشكلات أمنية مرتبطة بنشاط الجماعات المتشددة شمال البلاد.

وكان واضحاً منذ البداية أن العلاقات بين باماكو وباريس ليست على ما يرام، وهو ما ظهر في إعلان الرئيس الفرنسي في 10 يونيو 2020 إنهاء عملية بارخان، مبرراً ذلك في خطاب ألقاه في فبراير 2021، بأنه "لا يمكننا الاستمرار في التعاون عسكرياً مع سلطة لا نتقاسم معها الاستراتيجية والأهداف ". 

وشهدت العلاقات بين الطرفين سلسلة من المواقف التصعيدية وحروب البيانات، بلغت أوجها في 22 مايو 2022، حين أعلنت السلطات في مالي إلغاء اتفاقات الدفاع مع باريس، واتهمتها بالقيام بـ"أعمال عدوانية ودعم جماعات جهادية والتجسس ".

سيجا ديارا رئيس حركة "بي تون" المالية، قال لـ"الشرق" إن "هناك العديد من المجموعات في مالي تنتقد عملية برخان بسبب ضعف نتائجها ومزاعم ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان قامت بها القوات الفرنسية ".

في بوركينا فاسو سرّعت العمليات "الإرهابية" التي شهدتها البلاد في 2020 و2021، والفوضى الأمنية التي تلتها، إلى الإطاحة بالرئيس روش مارك كريستيان كابوري في انقلاب نفذه عسكريون في 23 يناير.

وإذا كان اختلاف المصالح بين باريس وباماكو أساس الخصومة بينهما، فإن الوضع يبدو مختلفاً بالنسبة لواجادوجو، فالبلدان تربطهما علاقات وطيدة، إذ عاش هذا البلد الإفريقي على وقع التدخلات المباشرة، بداية من الدور الفرنسي في اغتيال البطل القومي توماس سانكارا عام 1987، مروراً بتدخل القوات الخاصة الفرنسية عام 2014 لحماية الرئيس بليز كومباوري الذي قضى 27 عاماً في الحكم. 

وأدّى تصاعد الأزمة بين الجانبين إلى إلغاء حكومة بوركينا فاسو كل الاتفاقات العسكرية مع فرنسا، كما دعتها في 18 يناير 2023 إلى سحب قواتها من البلاد خلال شهر واحد.

تاريخ طويل من التدخلات العسكرية 

نفذت فرنسا خلال الـ50 سنة الماضية أكثر من 40 تدخلاً عسكرياً تحت ذريعة حماية المدنيين وتطبيق الاتفاقات العسكرية، وعلى الرغم من الانتقادات، إلّا أن باريس استطاعت في كل تدخل فرض وجهة نظرها بالحديد والنار. 
 
في زائير (الكونغو الديمقراطية حالياً)، دعمت باريس المارشال موبوتو سيسيكو في حرب "شابا الأولى" عام 1977 ضد متمردي جبهة تحرير الكونغو التي سيطرت لفترة وجيزة على منطقة شابا في الجنوب الغربي لزائير بدعم من أنجولا المجاورة.

وفي إفريقيا الوسطى مكنت عملية "باراكودا" عام 1979 من الإطاحة بـ"الإمبراطور" جون بيدل بوكاسا وعينت ديفيد داكو رئيساً، ثم عاودت التدخل في نفس البلد من خلال "عملية ألماندين" عام 1997 بعد مقتل جنديين فرنسيين.

وبين عامي 2006 و2007 تدخلت فرنسا لدعم القوات النظامية ضد المتمردين في الشمال، وأخيراً في عام 2013 وبعد الانقلاب على الرئيس فرانسوا بوازيزي نشرت باريس أكثر من 1000 جندي في إطار عملية "سنجاريس".

وفي عام 1983 نفذت فرنسا عملية "مانتا" في تشاد حيث حشدت أكثر من 4000 جندي لدعم الرئيس حسين هبري ضد المتمردين التابعين للرئيس السابق كوكوني عويدي.

وأرسلت باريس عام 1986 مظليين من قواتها الخاصة إلى توجو بعد محاولة الانقلاب ضد الرئيس جناسينجبي إياديما.

وبعد الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها الجابون عام 1990 ومقتل المعارض جوزيف جامبي في ظروف غامضة، تدخلت القوات الفرنسية في كل من ليبرفيل وبورجونتي لـ"حماية مواطنيها المقيمين في المدنيتين".

وفي عام 1995، تدخلت القوات الفرنسية عسكرياً بعد الإطاحة برئيس جزر القمر محمد سعيد جوهر، على يد المرتزق بوب دنار، ونجحت في اعتقاله ونقله للمحاكمة في فرنسا. 
 
وفي كوت ديفوار مكنت عملية "ليكورن" من دعم موقف الحسن وتارا، وتأمين وصوله إلى السلطة، بعد أكثر من 6 أشهر من الصراع مع منافسه لوران جباجبو، الذي رفض الاعتراف بهزيمته في الانتخابات الرئاسية نهاية 2010. 

إلّا أن الدور الأكثر إثارة للجدل، كان المجزرة التي شهدتها رواندا سنة 1994 وراح ضحيتها أكثر من 800 ألف شخص معظمهم من التوتسي، واتُهمت على إثرها باريس بالتغطية على المجازر، بحسب تقرير لجنة التحقيق الفرنسية، دون أن يُحمّلها المسؤولية المباشرة.

وذكر التقرير أن "موقفاً استعمارياً أعمى المسؤولين الفرنسيين، والحكومة تتحمل مسؤولية كبرى لعدم توقعها الجريمة ". 

عداء "شعبي " متصاعد

بعد إعلان النقيب إبراهيم تراوري تنفيذه انقلاباً ضد رفيقه السابق العقيد بول هنري سانداجو دامبيا في بوركينا فاسو، سارع مساعدوه عبر خطاب متلفز، إلى اتهام فرنسا بحماية الأخير داخل قاعدة القوات الخاصة الفرنسية كامبوانسان، وعلى الرغم من التكذيب الرسمي الفرنسي، إلا أن مئات المواطنين نزلوا إلى شوارع العاصمة واجادوجو، وحمل بعضهم الأعلام الروسية، وهاجموا السفارة الفرنسية والمعهد الفرنسي.

واعتبر سيجا ديارا، رئيس حركة "بي تون" المالية لـ"الشرق"، أن العداء لكل ماهو فرنسي لم يعد حكراً على النخبة السياسية أو العسكرية الحاكمة في إفريقيا، وإنما امتد إلى فئات عريضة من المواطنين لأن العديد من الأفارقة يرون في السلوك الفرنسي صورة من الكولونيالية الجديدة ".

وأضاف أنه "خلال السنوات الأخيرة تعالت أصوات من الأحزاب والجمعيات الأهلية في عدد من البلدان الإفريقية تدعو إلى فك الارتباط نهائياً مع باريس، خاصة في السنغال والنيجر ومالي، حيث هاجم متظاهرون شركات (توتال) و(أوشون) الفرنسيتين.

وتابع ديارا: "هناك فئة من الجيل الجديد تعتبر فرنسا عاملاً رئيسياً في انتشار الفساد وسوء الإدارة وانتهاكات حقوق الإنسان عبر دعم أنظمة سلطوية".

وأرجع عدد من المراقبين بداية ظهور الشعور بالعداء لفرنسا إلى أحداث بعينها، إذ قال الخبير أشيل ميمبي الذي أصدر تقريراً عن العلاقات الفرنسية الإفريقية بطلب من ماكرون: "مشاعر العداء بدأت تطفو إلى السطح بعد مجازر رواندا عام 1994وتفاقمت مع ما حدث في كوت ديفوار ثم الحرب في ليبيا التي تسببت في عدم استقرار منطقة الساحل برمتها".

وزادت بعض التصريحات الرسمية الفرنسية من "صبّ الزيت على النار" وتأجيج الشعور العدائي ضد فرنسا، إذ صرح الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي سنة 2007 في داكار بأن "معضلة إفريقيا هي أن الإنسان الإفريقي لم يستطع بعد ولوج التاريخ".

أما ماكرون فقال في اجتماعات مجموعة العشرين 2017 إن معدل الخصوبة المرتفع في إفريقيا"يشكل تحدياً حضارياً ".

هيمنة اقتصادية؟

تعدت الصعوبات التي باتت تعيشها فرنسا الجانب السياسي إلى الاقتصاد والتجارة، خصوصاً مع دخول لاعبين دوليين جدد إلى حلبة الصراع مثل الصين والولايات المتحدة واليابان وتركيا
 
وتخشى باريس أن يكون لتنامي العداء ضدها، المزيد من الارتدادات على مصالحها الاقتصادية في إفريقيا خلال السنوات المقبلة، خاصة في دول غرب القارة.

وقال أورليان تاشي، النائب في البرلمان الفرنسي وعضو لجنة الشؤون الخارجية، لـ"الشرق ": "لعقود عدة، كان التأثير الاقتصادي لفرنسا في مستعمراتها الإفريقية السابقة آخذاً في التراجع".

وأضاف: "نواجه تحدياً كبيراً، بداية مع الفرنك الإفريقي الذي يطلق عليه غالباً (العملة الاستعمارية الأخيرة)"، ويلزم الدول المعنية بإيداع نصف الاحتياطي لدى الخزانة الفرنسية وفي نفس الوقت يحرمها من سيادتها النقدية".

وتتبنى 14 دولة من ضمنها 12 كانت مستعمرة فرنسية سابقة إضافة إلى غينيا بيساو وغينيا الفرنك الإفريقي منذ نهاية ثلاثينات القرن الماضي.

وعلى الرغم من محاولات تعويضه بعملات محلية، إلا أن عوامل عديدة حالت دون بلوغها الأهداف النهائية، بسبب المخاوف من حدوث أزمات اقتصادية قد تؤدي إلى انهيار اقتصادات هذه البلدان.

تجارياً، فقدت فرنسا خلال العشرين سنة الماضية ريادتها كأول مورد ثم كأول مستثمر، وتراجع حجم الصادرات الفرنسية إلى النصف أي من 12% إلى 5% بين 2000 و 2021. 
 
وبلغت الصادرات الفرنسية إلى إفريقيا في 2019 أكثر من 29 مليار دولار تمت في معظمها مع بلدان شمال إفريقيا (المغرب، الجزائر، تونس) بنسبة 50%، متبوعة بالثلاثي جنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر.

وتحاول باريس تنويع حضور شركاتها الكبرى داخل القارة الإفريقية بالتوجه إلى بلدان خارج منطقة الفرنك، ويتركز نشاط هذه الشركات أساساً في مجالي التعدين والنفط كما هو الشأن في أنجولا ونيجيريا. وتتواجد شركة "توتال" مثلاً في 34 دولة إفريقية، وهي الموزع الأول للهيدروكربوات في القارة، وتمتلك 7 مصافي نفط، وتشكل إفريقيا أكثر من 30% من إنتاجها.

احتدام التنافس الدولي

أظهرت فرنسا في مناسبات عديدة انزعاجها من بروز لاعبين دوليين على الساحة الإفريقية وهو ما عكسته تصريحات ماكرون في نوفمبر 2019، حينما وصف الدور الروسي بـ" المقلق"، منتقداً "محاولات موسكو مساعدة الأنظمة السلطوية واللعب على إحباطات الشباب الإفريقي".

ووصف في خطابه الأخير مجموعة "فاجنر" الروسية بـ"المرتزقة الذين يحاولون نهب الثروات والمواد الأولية.. ". 
 
وإذا كانت المعلومات عن الحضور العسكري الروسي في إفريقيا قليلة وفي حالات كثيرة متناقضة بسبب الحرب الإعلامية، فإن أغلب التقديرات تشير إلى تواجد روسي فعلي في كل من مالي وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى، وهي الدول التي تراجع فيها التأثير الفرنسي بشكل كبير، وتتخذ المجموعة من ليبيا منصة لنشاطها في المنطقة بحسب مسؤول في الخارجية الفرنسية في تصريح لجريدة "لوموند"، حيث يتواجد ما بين 1000و1500 عسكري موزعين على مختلف المنشآت الحساسة وخاصة حقول النفط. 

صديق أبا، رئيس تحرير مجلة "موند أفريك" والخبير في الشؤون الإفريقية، قال إن "روسيا تقول للبلدان الإفريقية إن الشراكة معها أكثر فائدة، وخاصة في المجال الأمني من خلال تزويدها بطائرات مروحية حربية وأخرى لنقل الجنود، كل ذلك ينعكس على الوجود العسكري الفرنسي في إفريقيا".
 
وتنظر موسكو بحسب مراقبين إلى إفريقيا كمجال حيوي للصراع مع الغرب، إذ تعمل على استمالة عدد من البلدان لمواقفها خصوصاً مع الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن وجودها يكاد ينحصر في المجال العسكري والاستشارات الأمنية، ولا تتعدى الاستثمارات الروسية في القارة السمراء 1% من معدل الاستثمارات الأجنبية المباشرة. 

وقال رونان ديما لابي، المستشار في الملفات الجيوسياسية والذكاء الاقتصادي لـ"الشرق"، إن "الشركات الروسية بدأت تدخل الأسواق الإفريقية تدريجياً"، معتبراً أن روسيا "ستواجه منافسة قوية من دول نامية أخرى مثل الهند وتركيا والصين، ولذلك تحاول تنويع وجودها في قطاعات استراتيجية من وسائل الإعلام أو الصحة، لتأكيد حضور على المدى الطويل وتعزيز صورتها، التي تضررت من الفضائح المرتبطة بانتهاكات مجموعة (فاجنر)".

وبخلاف روسيا اختارت الصين الدخول إلى إفريقيا من بوابة الاقتصاد والتجارة، واستطاعت في فترة وجيزة كسر الاحتكار الفرنسي، والاستحواذ على أكثر من 17% من السوق الإفريقية، بحجم تجارة تجاوز فرنسا 3 مرات، إذ بلغ أكثر من 280 مليار دولار عام 2022.

وأضحت بكين أول مورد لأكثر من 30 بلداً إفريقياً. 

صديق أبا يرى أن "فرنسا التي كانت الشريك المفضل للبلدان الإفريقية في الماضي لم تعد كذلك اليوم، وأصبح يتوجب عليها مواجهة النفوذ الصيني والحضور المتزايد لكل من روسيا وتركيا والبرازيل"، معتبراً أن "باريس تجد نفسها أمام مواجهة مفتوحة ويجب عليها البحث عن مجالات أكثر تنافسية بالنسبة لها ". 
 
ويبدو أن دعوة ماكرون لدرء الخطابات "الأبوية" تجاه إفريقيا لم تنجح في محو تلك الصورة السلبية التي ترسخت في الأذهان لسنوات طويلة.

وتحاول بكين تفادي الأخطاء التي ارتكبتها فرنسا من خلال ابتعادها عن التدخل في الشؤون السياسية للبلدان الإفريقية، والمساهمة في مشروعات البنية التحتية أو تقديم القروض، وعلى الرغم من الانتقادات الغربية لبكين بتعمد إغراق إفريقيا في الديون والتحكم في مصائرها، إلّا أن العلاقات بين الجانبين شهدت نمواً مطرداً خلال الأعوام العشرة الماضية، إذ تضاعفت الصادرات الصينية نحو إفريقيا بأكثر من 20 مرة، وأصبحت بكين المساهم الرئيس في كثير من مشروعات البنية التحتية بنسبة تمويل تصل إلى 40%. 
 
ومثل الصين، عرفت المبادلات بين تركيا والبلدان الإفريقية قفزة نوعية خلال العشرين سنة الماضية، وارتفعت من 5 إلى أكثر من 25 مليار دولار، فيما زادت شركة الخطوط التركية من نشاطها وأضحت إحدى أهم شركات الطيران في إفريقيا بأكثر من 60 وجهة.

وانتهجت أنقرة بالإضافة إلى الجانب الاقتصادي، سياسة لتوسيع حضورها الدبلوماسي عن طريق فتح بعثات لها في 43 دولة إفريقية من أصل 54، كما عملت على تعزيز نفوذها الإنساني عبر إنشاء مكاتب لوكالتها للشراكة والتعاون وانخرطت في عمليات بناء وترميم مساجد ومدارس دينية.

تراجع عن "إفريقيا الفرنسية"

ملامح التحول في الخطاب الرسمي الفرنسي تجاه إفريقيا بدأت مع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، حين أعلن في خطابه الشهير في العاصمة السنغالية دكار في 26 يوليو 2007، رغبته في تأسيس "شراكة جديدة " مع القارة السمراء والقطع مع " ممارسات الماضي ".

وفي أكتوبر 2012، تحدث خلفه فرانسو هولاند عن نهاية ما يصطلح عليه بـ"سياسة إفريقيا الفرنسية أو فرانس أفريك" التي تعتبر إفريقيا فناءً خلفياً للمصالح السياسية والاقتصادية والثقافية.

وقال هولاند إن "عصر سياسة إفريقيا الفرنسية ولىّ..هناك فرنسا وهناك إفريقيا، وتجمعهما علاقة قائمة على الاحترام والتضامن". 
 
وخلال جولته الإفريقية الأخيرة أكد ماكرون أن "مرحلة سياسة فرنسا الإفريقية انتهت وأن العقليات يجب أن تواكب هذا التغيير".

الجنرال برونو كليمون بولي والقائد السابق للقوات الفرنسية في كوت ديفوار، شدد في مقال رأي بصحيفة "لوموند" على أن "فرنسا يجب أن تعلم أن هناك تغييرات جذرية تعيشها القارة، إننا نعيش تحولاً كبيراً من إفريقيا الخاضعة الخانعة إلى إفريقيا ذات السيادة الكاملة".
 
وشكلت إفريقيا ركيزة أساسية في السياسة الخارجية لفرنسا، منذ قيام الجمهورية الخامسة، ولم يقطع الإليزيه ولا "الكي دورسيه" (وزارة الشؤون الخارجية والأوروبية) حبل التدخل والتوجيه اللذين كانا يستعملانه عن طريق شبكة واسعة من الشخصيات، المصالح والبنيات داخل القارة.

ويرى تشون كريكوري في بحثه "الحضور العسكري الفرنسي في إفريقيا: الماضي والحاضر"، أن "فرنسا تتعامل كإمبراطورية افتراضية في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء من خلال اللغة والثقافة والاقتصاد، بالإضافة إلى شبكة المصالح التي نسجتها خلال الفترة الكولونيالية". 

إعادة انتشار عسكري

أورليان تاشي النائب بالبرلمان الفرنسي وعضو لجنة الخارجية أوضح لـ"الشرق " أنه "وبعد الأحداث التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو، كشفت باريس عن نيتها التأسيس لمراجعة شاملة لسياستها العسكرية،  توازياً مع الفشل الاقتصادي هناك فشل جيوسياسي. يظهر ذلك من انسحاب الجيش الفرنسي من مالي ووصول (فاجنر) إلى إفريقيا، فرنسا لم تعد قادرة على تقديم دعم عسكري موثوق به في المناطق المهددة من قبل الجهاديين ".
 
ويشير كليمون بولي إلى أن "المقاربة الفرنسية الجديدة تقوم على إعادة صياغة الحضور العسكري الفرنسي عبر تقليص عدد الجنود والحفاظ على القواعد العسكرية التقليدية، والتركيز أكثر على خطط الإسناد والتدريب، عوض المواجهة المباشرة".

وأضاف في مقاله لـ"صحيفة لوموند": "منذ مغادرتنا منطقة الساحل، بدأت قوة عسكرية إفريقية في التشكل، وهذا أمر جيد للغاية (..) هذه القوة بمقدورها تأمين الوضع، سكان الساحل هم الأقدر على استعادة المبادرة".

تصريح الجنرال الفرنسي يتساوق مع تشديد ماكرون في خطابه الأخير على ضرورة "أفرقة القواعد العسكرية "، مقترحاً إنشاء ما سماه "أكاديميات عسكرية ثنائية التسيير" في كل من كوت ديفوار (950 جندي) والسنغال (350 جندي) والجابون (350 جندي)، فيما سيتم استبعاد القاعدة العسكرية الفرنسية في جيبوتي

ولفرنسا 3000 جندي ينتشرون في منطقة الساحل في تشاد والنيجر ومالي وأكثر من 300 مركبة عسكرية ومسيرات إضافة إلى 6 طائرات حربية.

وبعد خسارتها مالي، تطمح باريس لجعل تشاد منصة خلفية للدعم والإسناد الموجه للقوات الفرنسية في منطقة الساحل، مستفيدة من وجود مركز القيادة المشترك المعروف بـ"PCIAT" والذي ينسق العمليات العسكرية البرية والجوية للقوات الفرنسية.

كما يستخدم الجيش الفرنسي القواعد العسكرية التشادية وخاصة في شمال البلاد في منطقتي أبيشي وفايا.

"تصحيح صورة فرنسا"

في المجال الاقتصادي، وفي تقرير موجه لوزارتي الخارجية والمالية الفرنسيتين، صاغ هيرفي كايمار الوزير السابق في حكومات جاك شيراك مجموعة من التوصيات سنة 2019، لمعالجة ما سماه "التراجع النسبي لكن الشامل والمباغت للحضور الاقتصادي الفرنسي وكيفية التعامل للحاق بركب الفاعلين الدوليين الموجودين داخل القارة".

واقترح كايمار التخلي عن مفهوم "المساعدة من أجل التنمية" لأنه يحتمل الغموض واللبس واعتماد مصطلح "الاستثمار من أجل التنمية"، مع التركيز على دور القطاع الخاص، مسترشداً في هذا الصدد بالنموذج البريطاني الذي استطاع إشراك الشركات الكبرى باستثمارات في إفريقيا تصل إلى 7.5 مليار جنيه إسترليني على مدى 4 سنوات.

وعلى غرار التجربة الصينية، اقترح التقرير مواكبة الاستثمارات الفرنسية عن طريق "تنفيذ مشروعات كبرى ذات النفع العام "، والتي من شأنها "تصحيح صورة فرنسا" بين الأفارقة. 

اقرأ أيضاً:

تصنيفات