
قررت السلطة الفلسطينية، أخيراً، "وقف جميع الاتصالات واللقاءات مع الجانب الإسرائيلي والاستمرار في وقف التنسيق الأمني"، وذلك رداً على اجتياح مخيم جنين خلال الأيام الماضية.
لكن كثيرين يشككون في قدرة السلطة على العمل من دون تنسيق واتصال يومي مع السلطات الإسرائيلية، التي تسيطر على منظومة الشؤون المدنية، والأمنية، والاقتصادية، والمالية، في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وحددت اتفاقات أوسلو، بين "منظمة التحرير" الفلسطينية وحكومة إسرائيل، اختصاص الجانبين في إدارة منظومات العمل والحركة والحياة داخل الأراضي الفلسطينية، وجعلت من الصعب على السلطة الفلسطينية التحرك والعمل باستقلالية من دون تعاون وتنسيق مع الجانب الإسرائيلي.
الشؤون المدنية
ففي الشؤون المدنية، حددت الاتفاقات مسؤولية الحكومة الفلسطينية في إصدار بطاقات الهوية الشخصية، وجوازات السفر، وشهادات الميلاد، والوفاة، لكنها جعلت السجل السكاني تحت سيطرة الجانب الإسرائيلي، بحيث لا يمكن إصدار وثائق شخصية من دون الرجوع إلى تل أبيب.
وتسيطر إسرائيل على المعابر الخارجية للضفة الغربية، وقطاع غزة (ما عدا معبر رفع الحدودي مع مصر)، وعلى المعابر القائمة بين هاتين المنطقتين، ومنهما إلى إسرائيل.
وحاولت السلطة الفلسطينية تغيير النصوص التعريفية التي تحملها بطاقات الهوية، وجوازات السفر الفلسطينية، بعد حصولها على مكانة "دولة" في الأمم المتحدة عام 2012. لكنها تراجعت بعدما هددت إسرائيل بعدم السماح لحامل أي جواز سفر أو بطاقة هوية فلسطينية بالعبور، حال تغيير تلك النصوص.
وتتحكم السلطات الإسرائيلية أيضاً في عناوين إقامة المواطنين بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والعكس، بحيث لا يمكن لمواطن من سكان قطاع غزة الانتقال للعيش في الضفة الغربية أو العكس، من دون موافقة الجانب الإسرائيلي.
حركة السلع
ويسيطر الجانب الإسرائيلي، من خلال الاتفاقات، على حركة السلع بين الأراضي الفلسطينية وخارجها، وذلك باستثناء السلع التي تدخل قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي. كما احتفظت تل أبيب لنفسها بحق جباية الرسوم الجمركية عن هذه السلع، وتحويلها إلى السلطة الفلسطينية نهاية كل شهر.
ومنحتها هذه السيطرة أداة ضغط سياسي على السلطة الفلسطينية، إذ تقتطع مبالغ مالية ضخمة تصل إلى 300 مليون شيكل (أكثر من 81 مليون دولار) شهرياً، تحت مبررات مختلفة، منها اقتطاع قيمة الأموال التي تدفعها السلطة لعائلات الضحايا والأسرى.
وأدت هذه الاقتطاعات إلى أزمة مالية حادة لدى السلطة الفلسطينية، تركتها غير قادرة على دفع كامل رواتب موظفيها منذ عام ونصف العام.
وطالبت السلطة الفلسطينية، بتغيير بروتوكول باريس الاقتصادي، الذي يعطي إسرائيل السيطرة على حركة السلع، وجباية الرسوم الجمركية المفروضة عليها. لكن تل أبيب لطالما عارضت ذلك.
التنسيق الأمني
وحددت الاتفاقات أيضاً، آليات للتعاون والتنسيق الأمني، مثل تبادل المعلومات الأمنية، والتعاون في منع الهجمات المسلحة، إلى جانب تنسيق حركة دوريات الأمن الفلسطينية بين المناطق، وحركة الدوريات الإسرائيلية، إضافة إلى حركة كبار المسؤولين، مثل الرئيس الفلسطيني ورئيس حكومته.
في المقابل، حافظت السلطة على درجة من التنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي، حتى أثناء فترة الانتفاضة الثانية بين عامي 2000 و2005، التي شاركت فيها أجهزة تابعة للأمن الفلسطيني، من خلال التصدي للاقتحامات الإسرائيلية أو القيام بهجمات على أهداف إسرائيلية.
وقف التنسيق الأمني
وقررت مؤسسات "منظمة التحرير" الفلسطينية (المجلسين المركزي والوطني)، وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل في قرارين اتخذا تباعاً في العامين 2015 و2017، رداً على مواصلة عمليات الاستيطان، ورفض التفاوض على حل الدولتين.
من جهتها، السلطة الفلسطينية لم تعلن عن تنفيذ القرار سوى في 26 من يناير الماضي، رداً على اجتياح إسرائيلي لمدينة جنين ومخيمها، ومدينة نابلس، قتل فيه الجيش الإسرائيلي 10 فلسطينيين.
وجاء في بيان رسمي تلاه الناطق باسم الرئاسة، نبيل أبو ردينة بأن "التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي لم يعد قائماً اعتباراً من الآن".
وأضاف أنه تقرر التوجه بشكل عاجل إلى المحكمة الجنائية الدولية، لإضافة ملف ما وصفه بـ"مجزرة الاحتلال في جنين إلى الملفات الفلسطينية السابقة" المقدمة للمحكمة.
خفض التنسيق وليس وقفه
ويعترف المسؤولون الفلسطينيون، في اللقاءات الخاصة، بأنهم لم يوقفوا التنسيق الأمني كلياً مع إسرائيل، وإنما عملوا على خفض مستواه.
وقال أحد المسؤولين الذي فضل عدم ذكر اسمه، في تصريحات لـ"الشرق"، إن "وقف التنسيق الأمني ووقف الاتصالات كلياً يعني الذهاب إلى خيار بديل وهو، في هذه الحالة، المواجهة المفتوحة، ونحن لسنا بصدد خيار من هذا النوع".
وأضاف: "لقد جربنا المواجهة المفتوحة في الانتفاضة الثانية، وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات يقود ويوجه هذه الحالة، لكنها لم تحقق أهدافها، ولذلك لا يمكننا العودة إليها".
حركة الرئيس
ويشمل التنسيق بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي حركة الرئيس الفلسطيني الداخلية والخارجية، حيث يتم تبليغ الجانب الإسرائيلي بالمواعيد اليومية لحركة الرئيس من بيته إلى مقر الرئاسة.
وكان الرئيس محمود عباس قال في لقاء مفتوح، قبل سنوات، إن الجنود الإسرائيليين يدققون ببطاقته الشخصية عندما يعبر بسيارته من الضفة الغربية إلى الأردن، معتبراً أن ذلك "غير مقبول".
وأخذ عباس أخيراً في الانتقال من البلاد إلى الخارج مستخدماً مروحية أردنية. لكن يجري إبلاغ الجانب الإسرائيلي بأسماء وأرقام بطاقات جميع الأشخاص الذين يرافقون الرئيس على متن هذه الرحلات.
"الارتباط" الاقتصادي
وعلى الصعيد الاقتصادي، طرح رئيس الحكومة الفلسطينية الحالي محمد اشتية، مشروعاً للانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل.
وتضمنت خطته وقف الاستيراد من تل أبيب، إلى جانب وقف التحويلات الطبية للمؤسسات الإسرائيلية وغيرها.
لكن عمق "الارتباط" بين الجانبين، الذي يفرضه واقع الاحتلال بأشكاله العسكرية والاقتصادية والأمنية المدنية، حال دون نجاح هذه الخطة.
مواجهة سياسية
ويعترف المسؤولون الفلسطينيون بفشل الخيار التفاوضي مع إسرائيل، لكنهم يعارضون المواجهة المسلحة بصفتها بديلاً له، ويطالبون بدلاً من ذلك بمواجهة سياسية تقوم على التوجه إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، مثل "الجنائية الدولية"، و"محكمة العدل الدولية"، ومجلس الأمن الدولي وغيرها.
أما الجمهور الفلسطيني، الذي فقد الأمل بأي حل سياسي وأي مواجهة باردة بعد أن سيطر الاستيطان الإسرائيلي على غالبية أراضي الضفة الغربية المحتلة، فقد بات يؤيد بقوة اللجوء إلى المواجهة المسلحة.
وبينّت نتائج استطلاع، أخيراً، أن 71% من الرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية، وقطاع غزة، يؤيدون تشكيل مجموعات مسلحة، مثل "عرين الأسود"، وكتيبة "جنين" وغيرها، الأمر الذي سيفضي إلى وقف كل أشكال التنسيق والتعاون مع إسرائيل.
لكن الواقع الجيوسياسي في فلسطين، يشكل العائق الأبرز أمام قدرة السلطة على الانفكاك من منظومة التنسيق، والاتصال، والتعاون مع الجانب الإسرائيلي.
اقرأ أيضاً:




