صرخة دين.. "لحظة حماسية" قضت على حملة مرشح رئاسي أميركي بارز | الشرق للأخبار

"صرخة دين".. هكذا قضت "لحظة حماسية" على حملة مرشح رئاسي أميركي بارز

قصة أول "ميم" سياسي في الانتخابات التمهيدية قبل 20 عاماً

time reading iconدقائق القراءة - 11
المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة الأمريكية هوارد دين في ولاية أيوا الأميركية. 19 يناير 2004 - Reuters
المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة الأمريكية هوارد دين في ولاية أيوا الأميركية. 19 يناير 2004 - Reuters

تفتتح ولاية آيوا الأميركية، موسم الانتخابات التمهيدية للانتخابات الرئاسية، منتصف يناير الجاري، مع انعقاد المؤتمر الحزبي للجمهوريين، وسط ترقب كبير، إذ يمنح فوز أحد المرشحين بها زخماً كبيراً لحملته الانتخابية في باقي الولايات الأميركية.

ورغم تصدر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب استطلاعات رأي الناخبين الجمهوريين، إلا أن ولاية آيوا تحمل ذكرى "ضربة قاضية" تلقاها مرشح رئاسي ديمقراطي تصدر أيضاً الاستطلاعات قبل نحو عشرين عاماً.

خلال ليلة شتوية في 19 يناير عام 2004، صعد المرشح الرئاسي الديمقراطي هوارد دين، على خشبة مسرح في مدينة دي موين بولاية آيوا ليلقي خطاباً حماسياً يشحذ فيه همم أنصاره المتجمهرين.

كان دين قد تلقى للتو ضربة في التجمع الانتخابي للولاية، عندما حل ثالثاً بعد منافسيه جون كيري وجون إدواردز، لكن الضربة القاضية لم تحن بعد. إذ كان حاكم ولاية فيرمونت السابق يخطط لأن يداوي جرح النتيجة المخيبة للآمال بخطاب استعراضي مفعم بالحيوية، ويحشد فيه مؤيديه للمشاركة في الانتخابات التمهيدية في بقية الولايات الأميركية.

أراد دين، أن يؤكد للحشود أن الأمر لم ينته، وتعهد بالفوز قائلاً "لن نذهب إلى ولاية نيو هامبشاير فحسب، بل سنذهب إلى ولايات ساوث كارولينا وأوكلاهوما وأريزونا وداكوتا الشمالية ونيو مكسيكو، سنذهب إلى كاليفورنيا وتكساس ونيويورك، سنذهب إلى داكوتا الجنوبية وأوريجون وواشنطن وميشيجان، وبعد ذلك سنذهب إلى واشنطن العاصمة لاستعادة البيت الأبيض".

واختتم عرضه التاريخي هاتفاً "ياااااااي"، أو ما سيُعرف لاحقاً، وإلى الأبد باسم "صرخة دين".

أول "ميم" في السياسة

 خلقت "صرخة دين" الحماسية إلى جانب ضجيج الجمهور، لحظة درامية سارعت وسائل الإعلام لاستغلالها على نطاق واسع، ومنها تحول المرشح الديمقراطي الأوفر حظاً في استطلاعات الرأي الوطنية منذ يونيو 2003 إلى مادة للنكات في برامج السخرية السياسية، وقدمته البرامج الإخبارية والصحافة في صورة سياسي غير متزن وغير لائق للرئاسة.

إضافة إلى ذلك حوَّل رواد الإنترنت بأدواته البسيطة حينها "صرخة دين" إلى ريمكسات MP3 مقترنة بأغنية Crazy Train، وحتى بعد مرور سنوات، ظلت "الصرخة" حاضرة ضمن مقاطع اليوتيوب الأوسع انتشاراً والعروض الكوميدية الشهيرة.

ألقى هوارد دين خطابه في آيوا، قبل أسبوعين فقط من ظهور فيسبوك، وقبل عام من إنشاء موقع يوتيوب، وقبل عامين من وجود تويتر (إكس حالياً).

وتعتبر شبكة NBC الأميركية أن "صرخة دين"، "أول ميم في السياسة، قبل وقت طويل من دخول هذا المصطلح إلى اللغة العامية". 

لم تصمد حملة هوارد دين الانتخابية طويلاً، إذ تأثرت بالهجمة الإعلامية التي استهدفته وانهارت تماماً بعد تراجعه في نتائج التجمعات الحزبية والانتخابات التمهيدية في عدة ولايات أميركية.

ولا يمكن الجزم أن "صرخة دين" وحدها كانت سبب الفشل الذي آلت إليه الحملة الرئاسية، لكنها اعتبرت مقدمة لسلسلة من الإخفاقات على مستوى التواصل مع الناخبين وإدارة الحملة خاصة مع استقالة مديرها جو تريبي الذي تبعه لاحقاً موظفون آخرون ما اضطر هوارد دين في النهاية إلى الانسحاب في 18 فبراير 2004.

رائد الحملات المبتكرة

لا يبخس فشل الحملة الانتخابية الأثر الذي تركه هوارد دين باعتباره رائداً في استراتيجيات الحملات المبتكرة، وتمكنه من الوصول إلى قاعدة انتخابية واسعة في زمن كانت تشهد فيه الولايات المتحدة انقساماً حاداً ديمقراطياً وجمهورياً.

كان عام 2004 نقطة محورية في التاريخ الأميركي، هيمنت تداعيات أحداث 11 سبتمبر وحرب العراق المستمرة على المشهد السياسي، ما عزز الاستياء من إدارة بوش، ورأى الديمقراطيون في ذلك فرصة، إذ كانوا حريصين على الاستفادة من المشاعر المناهضة للحرب واستعادة البيت الأبيض.

كان هوارد دين، الطبيب الذي شغل منصب حاكم ولاية فيرمونت طوال 12 عاماً، معروفاً بانتقاده الصريح لإدارة بوش، وكان يُنظر إليه على أنه مرشح اليسار، إذ كان الديمقراطي الوحيد الذي انتقد علناً حرب العراق في حملته لترشيح الحزب.

ورغم أن الميدان الديمقراطي كان مزدحماً بمنافسين مخضرمين ولهم باع في السياسة الأميركية مثل جون كيري، وجون إدواردز، وديك جيبهاردت، إلّا أن "هوارد دين" فاجأ المؤسسة الديمقراطية في عام 2003، عندما وصل إلى قمة استطلاعات الرأي العام في جميع أنحاء البلاد برسالة تنتقد بشدة الرئيس بوش، لأنه قاد "الأمة إلى الحرب في العراق"، فارضاً نفسه على قائمة المرشحين بحملة انتخابية استثنائية "أسست لاستراتيجية مبتكرة ساهمت مستقبلاً في تحقيق انتصارات للديمقراطيين في الرئاسة والكونجرس"، بحسب مجلة "تايم" الأميركية.

كانت حملة هوارد دين الرئاسية لعام 2004، بمثابة ثورة تكنولوجية في السياسة الأميركية، حيث اعتمد بشكل كبير على الإنترنت وأدوات رقمية مختلفة لحشد المؤيدين وجمع التبرعات من خلال الوصول إلى شبكة واسعة من صغار المانحين متجاوزاً الداعمين التقليديين من رجال الأعمال والجهات المانحة الكبرى.

كما اعتمد على المساهمات الفردية، وقدر دين أن 300 ألف شخص قدموا تبرعات صغيرة لحملته، ربعهم كانوا أقل من 30 عاماً، الأمر الذي أثبت جدوى الأمر، ووضع مخططاً لحملة أوباما 2008، والتي كانت الأكثر نجاحاً لجمع التبرعات عبر الإنترنت.

كما استخدمت حملة دين قوائم البريد الإلكتروني، وتحليل البيانات لتخصيص رسائل الحملة واستهداف مجموعات سكانية محددة من الناخبين، وهي تقنية طورها وحسنها لاحقاً فريق أوباما.

أنشأ دين مجتمعاً ديناميكياً عبر الإنترنت من المتطوعين الذين نظموا فعاليات، ونشروا خطاباته ولاقوا رواجاً شعبياً، وأصبح هذا النموذج من التعبئة على شبكة الإنترنت عنصراً أساسياً في حملة أوباما، وخاصة في تعبئة الناخبين الشباب.

ورغم أن حملة دين لم تلحق بركب وسائل التواصل الاجتماعي المعروفة حالياً مثل فيسبوك و X (تويتر سابقاً)، إلّا أنها استفادت من منصات الإنترنت الأخرى التي كانت بارزة في ذلك الوقت، مثل منصة الاجتماعات الشخصية Meetup.com، وأنشأت مدونة على موقعها الإلكتروني توفر تحديثات منتظمة وأخبار الحملة ومساحة للمؤيدين للمشاركة في المناقشات ما سمح بخلق نهج قائم على الاتصال المباشر والفوري بين الحملة ومؤيديها.

فيما تمتعت حملة أوباما في عام 2008 بالميزة التي حرم منها دين قبل 4 سنوات، وهي الوصول إلى فيسبوك وياهو ومجموعات جوجل.

انتشار جغرافي واسع

وتميزت حملة دين كذلك بسياسة ثورية على مستوى الانتشار الجغرافي الواسع، سميت بـ"استراتيجية 50 ولاية" والتي تهدف إلى تعزيز قواعد الحزب الديمقراطي في كل الولايات الأميركية بما في ذلك ذات الميول الجمهورية تاريخياً وعدم الاكتفاء بتركيز الموارد على الولايات المتأرجحة والحاسمة وحدها.

وارتبطت هذه الاستراتيجية بهوارد دين حتى بعد انتهاء حملته الانتخابية وتوليه رئاسة اللجنة الوطنية الديمقراطية (DNC) من عام 2005 إلى عام 2009 وخلالها حقق الديمقراطيون انتصارات تاريخية بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي في 2006 ثم فوز أوباما بالرئاسة 2008.

في 2004، نجح جون كيري السيناتور المخضرم آنذاك، في تأمين ترشيح الحزب الديمقراطي في نهاية المطاف، واختار جون إدواردز ليكون نائباً له، وواجها الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش ونائبه ديك تشيني.

أعيد انتخاب بوش بنسبة 50.7% من الأصوات و286 صوتاً انتخابياً (بزيادة 16 صوتاً عن العدد المطلوب وهو 270 صوتاً)، بينما حصل كيري على 48.3% و251 صوتاً انتخابياً.

حكاية مسلية.. و"علامة تجارية"

ويفسر كبير الباحثين في معهد "American enterprise"، جونا جولدبرج، هزيمة هوارد دين، رغم إمكاناته القيادية الكبيرة بأن "كيري كان هو مرشح المؤسسة الديمقراطية، وكان دين دخيلاً مثيراً للجدل، ويحظى بدعم كبير من التقدميين الشباب"، وفقاً لما نشره في مقال سابق بصحيفة "لوس أنجلوس تايمز".

وفي تصريحات صحفية، قال رئيس الحزب الديمقراطي في ولاية أيوا عام 2004 جوردون فيشر: "كان هناك الكثير من الناس الذين أعجبوا حقاً برسالة حملة الحاكم دين المتمثلة في الوقوف في وجه الجمهوريين والرئيس بوش وموقفه القوي المناهض للحرب، لكنهم في النهاية وجدوا كيري قريباً بما فيه الكفاية من تلك المبادئ، وكان أكثر قابلية للانتخاب، لقد اختاروا عقولهم بدلاً من قلوبهم".

وبحسب جولدبرج، "كان المنطق السائد بين الناخبين في ذلك الوقت، هو أن البلاد وسط حرب في العراق، وحرب على الإرهاب بشكل عام، لذا فإن مكانة كيري كمحارب قديم حاصل على أوسمة من شأنها أن تلغي الميزة التي كان يتمتع بها جورج دبليو بوش كرئيس في زمن الحرب، ولهذا السبب ظهر كيري في المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي معلناً أنه يتوجه إلى الخدمة مشيراً بالتحية العسكرية".

وبعد مرور سنوات على "صرخة خطاب آيوا"، ينظر هوارد دين دوماً في مقابلاته التلفزيونية والفعاليات السياسية إلى الواقعة بسخرية، ويصفها بالحكاية المسلية التي خلقت له "علامة تجارية باسمه تدفع الناس لطلب التوقيعات منه طوال الوقت".  

وأعاد دين، تقديم صرخته بأسلوب ساخر، في المؤتمر الوطني الديمقراطي في 2016 أثناء الترشيح الرسمي لهيلاري كلينتون في فيلادلفيا، وهي الانتخابات التي انتهت بهزيمتها أمام دونالد ترمب.

وفي الوقت الذي يعترف فيه بعواقبها السلبية وصرف الأنظار عن جوهر حملته الانتخابية، يدافع دين عن الصرخة باعتبارها تعبيراً حقيقياً عن شغفه وإحباطه من المناخ السياسي حينها، ويؤكد أنها عكست معارضته الصادقة لحرب العراق ورغبته في التغيير. 

ويرى نيكو ميلي، مدير الموقع الإلكتروني لحملة دين، في تصريحات لشبكة NBC، أن التغطية الإعلامية لخطاب آيوا "لم تكن عادلة أبداً"، ويشير إلى أن "الواقعة لم تظهر وكأنها حدث إعلامي ينهي مسيرة دين المهنية، ولكن مع تكرار العرض، لعب ذلك دوراً في سرد ​​إعلامي طويل الأمد حول حدة دين".

كيف تخسر الرئاسة؟

واستعاد كارل كوينتانايلا، الذي كان يغطي خطاب آيوا لصالح "NBC"، لحظة اعتلاء هوارد دين المسرح قائلاً: "أتذكر أن الجمهور كان منبهراً للغاية، بصوت عالٍ جداً، ولهذا السبب، لم يبد الأمر غريباً حقاً، إنه أشبه بهتاف صغير غريب ارتجله دين لمحاولة مجاراة حماسة أنصاره".

وخلال السنوات الماضية، كان دين من أشد المنتقدين لسياسات دونالد ترمب وخطابه، واتهم وسائل الإعلام بإفساح المجال أمام الرئيس الأميركي السابق لتحقيق المشاهدات العالية، وسبق أن كتب تغريدة في 2016، ألمح فيها أن ترمب يتعاطى الكوكايين بعد مناظرته أمام هيلاري كلينتون، لكنه عاد واعتذر عن ذلك.  

وفي مقابلة على "MSNBC" في 2022، أعرب دين عن أمله في أن يصبح ترمب هو المرشح الجمهوري في انتخابات عام 2024، بحجة أن العلامة التجارية للرئيس السابق "في حالة سيئة" واعتبر أنه "مثير للانقسام بشكل لا يصدق، ويرهق الناس، ويعيش في ورطة إجرامية عميقة، وسيستغرق الأمر وقتاً طويلاً على ما يبدو قبل أن يُحل ذلك". 

وفي وثائقي بعنوان "كيف تخسر الرئاسة: صرخة هوارد دين"، نشرته قناة History عام 2016، قال الأكاديمي والمؤرخ روبرت تومسون "إذا كان هوارد دين يترشح لانتخابات 2016، وألقى ذات الخطاب بالأداء نفسه، وفي ظل الظروف نفسها، لا أعتقد أن أحداً كان سيهتم بذلك مهما بلغ الأمر (...)، على هوارد دين أن يجلس في بيته، ويشاهد كل ليلة بعضاً من الأشياء التي يقولها هؤلاء المرشحون، سيُدهش من ظلم الكون الذي ولد في وقت مبكر قليلاً".

تصنيفات

قصص قد تهمك