
خُطط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإخراج فرنسا من أزمة فيروس كورونا المستجد، لا تقتصر على إعادة فتح المطاعم والمتاجر والمتاحف، المغلقة منذ فترة طويلة، بل تشمل أيضاً التحضير لحملته المحتملة للفوز بولاية ثانية.
وقبل سنة من انتخابات الرئاسة، يركّز ماكرون على إنقاذ الوظائف وإنعاش الاقتصاد الفرنسي، مع خروج بلاده من إغلاق جزئي ثالث. وستكون قدرة الرئيس الوسطي على مواجهة التحدي، مهمة بالنسبة إلى مستقبله السياسي، ولفرنسا التي تُعدّ من الدول الأكثر تضرراً في العالم من الجائحة، إذ شهدت رابع أعلى عدد من الإصابات بالفيروس وثامن أعلى عدد من الوفيات، وتتجاوز 106 آلاف.
وذكرت وكالة "أسوشيتد برس" أن ماكرون، الذي لم يعلن ترشّحه رسمياً، أدلى بتصريحات تشير إلى أنه يعتزم السعي إلى إعادة انتخابه. وأضافت أنه دفع أخيراً بتشريعات في ملفات يروّج لها منافسون محتملون من اليمين واليسار، تتراوح بين الأمن والاحتباس الحراري.
وتظهر استطلاعات للرأي أن لدى ماكرون، الذي بات قبل 4 سنوات أصغر رئيس في تاريخ فرنسا، فرصة جيدة للفوز بولاية ثانية في عام 2022، رغم انتقادات وُجّهت إلى إدارة حكومته لأزمة كورونا، وتحديات سابقة لسياساته، من ناشطين يحتجون على ما يعتبرونه ظلماً اجتماعياً واقتصادياً، لنقابات غاضبة من إصلاحات لبرامج التقاعد.
"نبض" فرنسا
وتشمل استراتيجية إعادة فتح البلاد، التي كشف عنها ماكرون هذا الشهر، رفع أغلبية القيود المفروضة على الحياة العامة في الـ30 من يونيو، حين يُرجّح أن يحصل نصف سكان فرنسا على جرعة واحدة على الأقلّ من لقاح مضاد لكورونا. ومع تطعيم 3 ملايين شخص كل أسبوع، تخطط الحكومة للسماح للمناطق في الهواء الطلق، للمطاعم والمقاهي، وكذلك المتاحف والمتاجر غير الضرورية، باستئناف العمل في الـ19 من مايو.
وقال ماكرون لوسائل إعلام فرنسية إنه سيزور مناطق في البلاد الصيف المقبل، كي "يشعر بنبضها" والتفاعل مع الناس، في استشارة جماعية تستهدف "طيّ صفحة تلك اللحظة في حياة الأمّة". وأضاف: "ليس هناك مصير فردي يستحق العناء، من دون مشروع جماعي".
وأشارت "أسوشيتد برس" إلى أن كل استطلاعات الرأي تُظهر الآن أن ماكرون ومارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف التي تغلّب عليها في الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة في عام 2017، سيبلغان مجدداً جولة الإعادة العام المقبل. كذلك توقّعت الاستطلاعات أن يهزم ماكرون لوبان مرة أخرى، وإن بهامش أقلّ.
ماكرون الذي كان وزيراً للاقتصاد في عهد سلفه، الرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند، اعتبر أن سياساته تتجاوز الانقسامات التقليدية بين اليسار واليمين، علماً أنه انتُخب بعد تعهده بجعل الاقتصاد الفرنسي أكثر تنافسية، مع الحفاظ على نظام الرفاهية في البلاد.
وتضمّ حكومة ماكرون شخصيات بارزة كانت تنتمي إلى "حزب الجمهوريين" اليميني، بينهم رئيس الوزراء ووزيرا المال والداخلية.
جذب المعتدلين
ونقلت "أسوشيتد برس" عن الخبير في السياسة الفرنسية لوك روبان، وهو باحث بارز في "المركز الوطني للبحث العلمي"، قوله إن الهدف المباشر للرئيس يتمثل في "إظهار أنه لا يزال قادراً على مواصلة تنفيذ مشروعه، الذي أوقفته الأزمة الصحية إلى حد ما"، في إشارة إلى كورونا.
وأضاف أن الأولويات الأخيرة لماكرون تُظهر أنه يحاول أيضاً جذب ناخبين من اليمين المعتدل واليسار المعتدل، الذين أساهموا في فوزه في المرة الأولى. وتابع أن ماكرون "يقوّض ساحة حزب الجمهوريين، من خلال تعزيز القوانين الأمنية، واتخاذ إجراءات لحماية الفرنسيين من الإرهاب، وتعزيز الأمن أيضاً في مناطق حضرية، وزيادة موظفي الشرطة والعدالة".
ورأى روبان أن على الرئيس، في الوقت ذاته، إظهار أنه يعالج مسألة عدم المساواة، والحراك الاقتصادي وملفات أخرى للعدالة الاجتماعية تهمّ اليساريين في فرنسا.
وقرّر ماكرون في الشهر الماضي إلغاء معهد النخبة الفرنسية لقادة المستقبل، "المدرسة الوطنية للإدارة"، معلناً إبدالها بمؤسسة تتيح مساواة أكثر. كذلك أشاد بمزايا ممنوحة للعمال ذوي الدخل المنخفض، الذين يتلقون منذ عام 2019 ما يصل إلى 100 يورو إضافية شهرياً.
"رئيس الأثرياء"
وتحدثت "أسوشيتد برس" عن تعافٍ جزئي للصورة العامة لماكرون، من هزيمة تعرّض لها في ذروة حراك "السترات الصفر"، الذي بدأ في أواخر عام 2018 لمعارضة ضريبة على الوقود، وتحوّل إلى احتجاج أسبوعي مناهض للحكومة، يستهدف ما اعتُبر ظلماً اجتماعياً واقتصادياً. وانتقد فرنسيون آنذاك إلغاء ماكرون ضريبة على الثروة، ووصفوه بأنه "رئيس الأثرياء".
لكن شعبية الرئيس في الأشهر الأخيرة بقيت مستقرة نسبياً، إذ تراوحت نسبة تأييده بين 30٪ و46٪، وهي أعلى من سابقَيه، هولاند ونيكولا ساركوزي، بعد 4 سنوات في المنصب.
وقال فريديريك دابي، نائب المدير العام لمؤسسة "إيفوب" لاستطلاعات الرأي، إن ماكرون يحظى بدعم يبدو "قوياً جداً". وتُظهر استطلاعات للرأي أن سياسات الرئيس ترضي معظم الذي أيّدوه في عام 2017، و30٪ إلى 50٪ من ناخبي الأحزاب التقليدية في اليمين واليسار.
مواصلة الإصلاحات
وخلال أزمة كورونا، طبّق ماكرون استراتيجية استندت إلى تدخل الدولة، لإنقاذ الوظائف والشركات، بما في ذلك برنامج ضخم للبطالة الجزئية، وإجازة مدعومة لرعاية الأطفال. كذلك وافقت الحكومة على خطة إنقاذ مدتها سنتان، بقيمة 100 مليار يورو، لإنعاش الاقتصاد. وتعهد ماكرون بعدم زيادة الضرائب، لسداد ديون ارتفعت العام الماضي إلى 115.7٪ من إجمالي الناتج المحلي.
ورغم معارضة قوية من النقابات بشأن تغييرات مقترحة لنظام رواتب التقاعد وإعانات البطالة، تعهد الرئيس بمواصلة الإصلاح "حتى الربع الأخير" من ولايته التي تبلغ 5 سنوات، وتنتهي في مايو 2022.
وذكرت "أسوشيتد برس" أن استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى عدم ظهور أي منافس قوي لماكرون حتى الآن، من الأحزاب الفرنسية التقليدية، في ظلّ انقسامات لدى اليمين واليسار. واستدركت أن أي شيء يمكن أن يحدث في العام المقبل، كما حصل مع ماكرون في عام 2017، عندما تحوّل من حصان أسود إلى الرئيس خلال أقلّ من 4 أشهر.




