
تواجه قناة بنما تحدياً تشغيلياً رئيسياً بسبب شح المياه في البحيرات التي تعتمد عليها حركة السفن عبر الممر المائي الرابط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، فيما تعمل الحكومة على مشروع خزان "ريو إنديو" لمعالجة الأزمة.
ويبلغ طول القناة 82 كيلومتراً، وهي تربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي عبر بنما، وتوفر للسفن اختصاراً لآلاف الأميال والسفر لأسابيع حول الطرف الجنوبي لأميركا الجنوبية الذي يتعرض لأجواء عاصفة وجليدية.
وتنقل القناة السفن عبر بحيرة جاتون، التي ترتفع نحو 26 متراً فوق مستوى سطح البحر، عبر سلسلة من الأهوسة المائية (مصاعد مائية). ويتطلب عبور كل سفينة نحو 200 مليون لتر من المياه العذبة.
وقالت إيليا إسبينو دي ماروتا، المديرة الجديدة لقناة بنما، إن التحديات الناجمة عن نقص المياه تجعل من الضروري إحراز تقدم، وفق الجدول الزمني المحدد، في مشروع خزان "ريو إنديو" للمياه، البالغة تكلفته 1.6 مليار دولار، إلى جانب خط أنابيب للغاز.
وأضافت دي ماروتا، في مقابلة مع صحيفة "فاينانشال تايمز"، أن مشروع الخزان سيحل أزمة نقص المياه التي تواجه القناة على المدى الطويل، بحيث لن تكون هناك حاجة إلى فرض قيود على حركة السفن حتى خلال فترات الجفاف، لكن تنفيذ المشروع سيستغرق نحو 5 سنوات.
وتتمثل الأولوية في بناء الخزان، الذي سيعمل على تجميع كميات أكبر من الأمطار التي تهطل بين مايو وديسمبر، ومن المقرر أن يصبح جاهزاً بحلول عام 2032.
وتثير عودة ظاهرة "إل نينيو" مخاوف من تفاقم نقص المياه في بنما، التي تمر عبر قناتها البحرية أكثر من 3% من حركة التجارة العالمية، فيما أصبحت مشكلة نقص المياه أكثر تكراراً في السنوات الأخيرة، مع تزايد تأثير تغير المناخ في أنماط هطول الأمطار.
وقالت دي ماروتا: "وفقاً لكمية الأمطار التي ستسقط خلال سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر، وهي الأشهر الثلاثة المفصلية، سيتحدد ما إذا كنت بحاجة إلى خفض حصص العبور بشكل أكبر في يناير أو فبراير أو مارس".
قيود على حركة السفن
وتفرض القناة بالفعل قيوداً على عدد السفن التي يمكنها العبور، بعدما أعلنت في أغسطس أنها ستحد من حركة السفن إلى 32 سفينة يومياً اعتباراً من منتصف سبتمبر، في محاولة لتجنب قيود أكثر حدة خلال موسم الجفاف الممتد عادة من ديسمبر إلى منتصف أبريل.
وتبلغ حركة العبور اليومية في المتوسط نحو 36 سفينة، فيما ارتفع العدد في بعض الأيام في وقت سابق من العام إلى 40 سفينة.
وفي أسوأ السيناريوهات، قد يتراجع عدد السفن إلى 27 يومياً، بحسب دي ماروتا، استناداً إلى أنماط هطول الأمطار المسجلة خلال عام 1997، الذي كان الأكثر جفافاً في تاريخ القناة.
ومع ذلك، سيظل هذا المستوى أعلى من أدنى مستوى سجلته القناة خلال أزمة الجفاف عام 2023، عندما انخفض عدد العبور اليومي إلى 22 سفينة، إذ جرى تخزين كميات أكبر من المياه تحسباً للجفاف الحالي.
وكانت أزمة المياه السابقة قد دفعت بعض شركات الشحن إلى دفع أكثر من مليون دولار في مزادات للحصول على مواعيد للعبور.
خزان "ريو إنديو"
ويهدف مشروع خزان "ريو إنديو" إلى توفير إمدادات المياه اللازمة لأكثر من نصف سكان بنما، إلى جانب دعم عمليات القناة لمدة تصل إلى 50 عاماً.
ومن المتوقع أن يستغرق إنشاء الخزان نحو 5 سنوات، على أن يبدأ تنفيذ المشروع في عام 2027، ويكتمل في حدود عامي 2031 و2032.
وقالت دي ماروتا إن المشروع سيضمن عدم اضطرار القناة مستقبلاً إلى خفض عدد السفن المسموح مرورها بسبب الجفاف.
وستبلغ سعة الخزان نحو 1.29 مليار متر مكعب من المياه، وهي سعة تقارب خزان "جاتون"، أحد الخزانين الرئيسيين اللذين تعتمد عليهما القناة، وتزيد بنحو الضعف على سعة خزان "ألاجويلا".
ويُتوقع أن يوفر الخزان ما يعادل المياه اللازمة لنحو 10 إلى 15 عملية عبور إضافية يومياً خلال فترات الجفاف، لكن معظم هذه المياه سيخصص لتلبية احتياجات مياه الشرب، ما يعني أن المشروع سيعزز قدرة القناة على الصمود أمام الجفاف أكثر مما سيزيد طاقتها الاستيعابية الفعلية.
وقالت دي ماروتا: "كلما استغرقنا وقتاً أطول لإنهاء المشروع، زاد تأثير ذلك على القطاع. وإذا واجهنا عاماً جافاً كل 3 سنوات... فسنتأثر".
وأضافت: "لذلك، فإن تنفيذ المشروع في الوقت المحدد أمر بالغ الأهمية، ولهذا نفعل كل ما في وسعنا للحد من المخاطر، حتى نتمكن من تنفيذ المشروع بأسرع ما يمكن".
وعلى عكس قناة السويس في مصر، تعتمد قناة بنما على المياه العذبة لتشغيل المصاعد المائية التي ترفع السفن وتخفضها أثناء انتقالها بين المحيطين الهادئ والأطلسي عبر ممر مائي اصطناعي يبلغ طوله نحو 80 كيلومتراً.
ومع تغير المناخ، لم تعد المشكلة تقتصر على انخفاض كميات الأمطار، بل تشمل أيضاً تغير توقيت هطولها وتوزيعها، ما يزيد صعوبة إدارة موارد المياه.
وأصبحت فترات الجفاف الشديد أكثر تكراراً، إذ تشير تقديرات نقلتها "فاينانشال تايمز" إلى أن نقص المياه قد يتحول إلى أزمة تواجه القناة مرة كل نحو 3 سنوات، بعدما كان ظاهرة أقل تواتراً.
وكان عام 2023 ثالث أكثر الأعوام جفافاً في تاريخ حوض قناة بنما، ما دفع السلطات آنذاك إلى تقليص عدد السفن المسموح لها بالعبور.
واتخذت هيئة قناة بنما خلال السنوات الماضية مجموعة من إجراءات توفير المياه، في محاولة لتقليل أثر موجات الجفاف وتأمين احتياجات القناة ومياه الشرب للسكان.
ولا يمثل التمويل أو البناء التحدي الأكبر أمام مشروع "ريو إنديو"، بحسب ماروتا، بل إعادة توطين السكان المتضررين من إنشاء الخزان.
وتعيش نحو 500 أسرة في المنطقة التي سيقام فيها المشروع، فيما قد تستغرق عملية التعويض من 4 إلى 5 سنوات، وستتم على مراحل.









