
تقف عشرات سفن الحاويات ومئات الشاحنات، المحمّلة بالبضائع والمواد الغذائية والأدوية، في ميناء بورتسودان، في انتظار الإفراج عنها، منذ شهر، حين أغلق محتجون الطرق التي تربط ميناء البلاد الرئيسي بالخرطوم وبقية المناطق، معطلين كل إمدادات السودان. كما أغلقوا لفترة مطار بورتسودان وكل أرصفة الميناء.
مصطفى عبد القادر، وهو سائق شاحنة، قال إنه ينتظر خارج الميناء على أمل فتح الطريق، "أنا محتجز هنا منذ 24 يوماً وأسرتي تعتمد على دخلي في معيشتها"، مضيفاً "خلال هذه المدة، كان بإمكاني أن أنقل 6 شحنات وأحصل على دخل قدره 120 ألف جنيه سوداني (300 دولار أميركي)، ولكن الآن أكافح لشراء طعامي".
إلا أن المحتجين لا يريدون التراجع، فمنذ 17 سبتمبر الماضي، يطالبون بإلغاء اتفاق وقعته حكومة عبد الله حمدوك مع مجموعات متمردة العام الماضي في جوبا عاصمة جنوب السودان. وتضمّن هذا الاتفاق شقاً خاصاً بشرق السودان، يقول المحتجون إن من وقّعوا عليه لا يمثلون الإقليم.
خسائر يومية
ويقول المحلل الاقتصادي محمد الناير لوكالة "فرانس برس"، إن الحكومة "فشلت في مخاطبة الأزمة في شرق السودان"، مؤكداً أن الإغلاق "يؤدي إلى خسارة تتراوح بين 50 و60 مليون دولار يومياً".
ويضيف "مثل حكومة البشير، الحكومة الانتقالية لم تخطط لبناء مخزون استراتيجي لتغطية احتياجات البلاد"، ما أدى إلى تعقيد الوضع الاقتصادي في واحد من أفقر بلدان العالم، بحسب الأمم المتحدة.
وحكم عمر البشير السودان لثلاثة عقود بقبضة من حديد، وفرضت خلال حكمه عقوبات دولية على السودان، الذي اُتهم بدعم الإرهاب وإيواء منظمات متطرفة، ما ساهم في تدهور الوضع الاقتصادي.
وعلّق السودانيون آمالاً على تسلّم حكومة انتقالية من مدنيين وعسكريين السلطة بعد الإطاحة بالبشير، لكن المشاكل لم تُحلّ.
ووفقاً لاتحاد شركات الشحن، استقبل ميناء بورتسودان خلال شهر سبتمبر، 27 سفينة شحن فقط، مقارنة بـ65 في أغسطس.
وأكد وزير التجارة علي جدو لـ"فرانس برس"، أن رجال أعمال سودانيين اضطروا لاستخدام موانئ أخرى لشحن بضائعهم منذ مطلع أكتوبر الجاري، منها موانئ مصر.
وفقد 33 ألف عامل في مجال الشحن أو مكاتب التخليص الجمركي، مصدر دخلهم منذ إغلاق الميناء، وفق اتحاد عمال الشحن والتفريغ.
ويشير مدير ميناء الحاويات في بورتسودان أحمد محجوب إلى أن "60% من تجارة السودان، أي 1200 حاوية يومياً، تمر عبر بورتسودان، ما يعني خسائر يومية بمئات الآلاف من الدولارات".
وتشكل هذه الخسائر ضربة قوية للاقتصاد السوداني، الذي يعاني أصلاً من أزمة شديدة، اضطرت الحكومة معها لاتخاذ إجراءات تقشفية، وضعت بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، الذي ألغى ديوناً مستحقة على السودان، مقابل رفع الدعم عن سلع أساسية وخصوصاً الوقود.
وبات على الأسر السودانية الآن التعامل مع نقص السلع، إضافة إلى التضخم الذي بلغ 400% وانخفاض قيمة الجنيه السوداني.
تفاقم المعاناة
وتقول أشجان ذات الـ17 عاماً التي تعمل بائعة شاي بينما تقف خارج مخبز شمال الخرطوم، "نقضي ساعات في البحث عن الخبز، لأن أغلب المخابز أغلقت أبوابها بسبب نقص القمح.. لم يكن ينقصنا إلا هذا.. نحن أصلاً نعاني".
وبسبب أزمة الخبز، توقفت المدارس عن تقديم وجبة الظهيرة للأطفال، في بلد يعاني من سوء التغذية، وفق الأمم المتحدة.
ولا تزال العديد من الأدوية غير متوافرة، رغم أن المحتجين باتوا يسمحون بعبور الحاويات التي تحمل أدوية.
وتمتد تأثيرات الإغلاق في بورتسودان، في الشرق، إلى أقصى غرب البلاد، إلى إقليم دارفور حيث يتظاهر بعض السكان احتجاجاً على نقص السلع الغذائية.
كما تزيد الأزمة الوضع تعقيداً بالنسبة للسلطات التي تدير مرحلة انتقالية صعبة، بعد 30 عاماً من حكم البشير، والتي واجهت الشهر الماضي محاولة انقلاب عسكري. كما أنها غارقة في انقسامات داخلية لا سيما بين المدنيين والعسكريين في السلطة.
في شرق السودان، يواصل المحتجون رفع أعلام حزب مؤتمر البجا، بألوانه الخضراء والصفراء والزرقاء والحمراء، بينما يشعل محتجون أغصان الشجر وإطارات السيارات، من أجل إبقاء الطرق مقطوعة. وهم مصممون على عدم فتح الميناء ما لم تتحقّق مطالبهم.
ويقول عبد الله أبو شار، أحد منظمي حركة الاحتجاج، "سلمنا مطالبنا للحكومة التي تبدو غير حريصة على إجراء محادثات معنا".
وأكد حمدوك في كلمة إلى الأمة، الجمعة، أن "قضية شرق السودان عادلة وتعود جذورها إلى عقود من الإهمال والتهميش"، مضيفاً أنه سينظم مؤتمراً دولياً من أجل "إيجاد تمويل لمشروعات تنمية بشرق السودان".
اقرأ أيضاً:




