سوريا.. حكاية أسرة أرمينية تتوارث صناعة الفخار منذ 450 عاماً | الشرق للأخبار

سوريا.. حكاية أسرة أرمينية تتوارث صناعة الفخار منذ 450 عاماً

time reading iconدقائق القراءة - 7
ميساك بيدروسيان يحمل في ورشته بمدينة القامشلي السورية إحدى منتجات الفخار. 5 مايو 2023 - الشرق
ميساك بيدروسيان يحمل في ورشته بمدينة القامشلي السورية إحدى منتجات الفخار. 5 مايو 2023 - الشرق
القامشلي -

تنبعث رائحة التراب والطين على بعد أمتار من ورشة صناعة الفخار الوحيدة في شمال شرق سوريا، والتي لا تزال تحافظ على المهنة، حيث تتوارث أسرة أرمينية صناعة القطع الفخارية منذ نحو 450 عاماً رغم ما تواجهه الصناعة من صعوبات.

الورشة البسيطة تخرجك للحظات من الزمن الحالي، نظراً لقدم آلاتها المستخدمة، إلى جانب الأرض الترابية، التي لم يلمسها الأسمنت أو أي من أنواع البلاط أو السيراميك، لتجعلك تعيش أجواء تراثية خالصة بعيدة عن العصرية.

في حي طي بمدينة القامشلي شمال شرق سوريا، تجاهد عائلة بيدروسيان منذ أكثر من 100 عام للحفاظ على هذه المهنة التراثية من الاندثار، في مواجهة كل الصعوبات الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية لدى السوريين نتيجة تدهور الليرة السورية أمام العملات الأجنبية.

منذ ثلاثة أرباع قرن تقريباً، يجلس ميساك بيدروسيان داخل الورشة الصغيرة المتواجدة في منزل طيني متهالك على أطراف الحي، ليواصل مع أبنائه صناعة الأواني الفخارية المتنوعة، رغم تراجع تصريفها في الأسواق، نتيجة انتشار الأواني الزجاجية، واقتصار المبيعات على أنواع محددة من الأواني الفخارية. 

الجد السابع

الورشة، التي باتت أيضاً معرضاً لبيع منتجاتها، تتواجد على مساحة صغيرة في حوش ممتلئ بألواح الطين المصنوعة من تراب مخصص لصناعة الفخار، إلى جانب فرنين مصنوعين من الطين لتجفيف الأواني قبل تجهيزها للبيع.

ويتفاخر بيدروسيان بأنه توارث المهنة من أجداده منذ أكثر من 450 عاماً، في بلدة صاصون التركية، الواقعة على مثلث الحدود التركية الإيرانية الأرمينية، قبل أن يضطروا لمغادرتها، باتجاه حلب ومنها إلى القامشلي، على وقع ما يعرف بـ"مجازر العثمانيين ضد الأرمن" في العام 1915، مؤكداً أنه "سيكون الجد السابع الذي ورَّث أولاده ومن بعدهم أحفاده هذه المهنة". 

وقال بيدروسيان لـ"الشرق" إن والده بعد أن فرَّ من تركيا استقر في القامشلي، وافتتح ورشة لصناعة الفخار في حي قدور بك، مشيراً إلى أنه بدأ تعلم المهنة منه في عمر 10 سنوات، قبل أن ينقل الورشة إلى حي طي منذ تلك الفترة وحتى الآن.

وأضاف أنه نقل المهنة إلى مدن دير الزور والبوكمال والبصيرة والرقة، وأن بضاعته وصلت إلى العراق، ولفت إلى أنه "مشارك دائم في معرض دمشق الدولي".

بيدروسيان يقول إنه "حصل على مهمة خبير الآثار في المنطقة الشرقية"، موضحاً أنه كان يختص بتحديد أهمية أي قطعة فخار يتم العثور عليها، وتأكيد أهميتها أثرياً أو عدم أثريتها.

مراحل صناعة الفخار

ويستعرض الرجل مراحل صناعة الفخار، التي تبدأ باستقدام تراب من نوع البيلون وغربلته ثم وضعه في أحواض خاصة لعدة أيام، ومن ثم عجنها عن طريق دعسها بالأقدام مع إضافة كميات محدودة من الماء، وذلك لصناعة عجينة متماسكة تكون جاهزة لوضعها على الدولاب الخاص بالتصنيع.

وأشار إلى أنه يتم بعد ذلك تقطيع العجين إلى قوالب، ووضعه على قرص داخل دولاب التصنيع، ورسم الأشكال وتنفيذ مجسم الأواني المطلوبة، ومن ثم وضعه لاحقاً في غرف للتجفيف، قبل وضعها في الفرن الترابي الذي تبدأ حرارته من 60 وتصل إلى 1200 درجة، لتكون القطعة بعدها جاهزة للبيع.

ويحرص بيدروسيان على استخدام أفضل أنواع التراب لضمان الحفاظ على جودة إنتاجه من الفخار، وهو ما يؤكده فرحان كندالو الذي يعمل على نقل أنواع تراب خاصة لورشة بيدروسيان منذ عام 1979 وحتى الآن. 

وبيّن كندالو لـ"الشرق" أن "بيدروسيان يعمل على انتقاء أنواع التراب المطلوبة بنفسه، لحرصه على إنتاج أجود وأفضل أنواع الفخار، معتبراً أن "هذا هو السر في وصول منتجاته إلى غالبية مدن المحافظات المحيطة.

"سأستكمل المسيرة"

ومع تقدم بيدروسيان في السن، بدأ ابنه أنطو صاحب الـ44 عاماً في إدارة الورشة، بعد أن تعلمها في سن الـ15، ليكمل مسيرة والده تمسكاً بالمهنة التي ترتبط بها العائلة ارتباطاً وثيقاً، حيث تعد مصدر دخلهم الوحيد.

وقال أنطو لـ"الشرق" إن "سوق الإنتاج محصور الآن في صناعة تنانير الخبز (أفران طينية) وكاسات ماء ومتة (مشروب سوري)، بالإضافة إلى أواني لحفظ الماء بأحجام متعددة وحصالات نقود للأطفال، بعد أن كانوا سابقاً يجهزون طلبيات كبيرة من أواني الطعام.

يبدي الشاب تمسكه بالمهنة رغم محدودية وارداتها، مؤكداً أنه "سيبقى يعمل في المهنة، ويورثها لأبنائه وأقاربه حتى لا تموت".

مع ذلك لا تخفي العائلة خشيتها على المهنة من الاندثار، بعد أن انتهت غالبية ورش صناعة الفخار في المحافظات، باستثناء ورش محدودة في كل من دمشق وحلب، لاتزال تقاوم الظروف الصعبة التي تواجه هذه الصناعة.

زبائن خاصة

ورغم قلة تداول المصنوعات الفخارية، إلا أن الإنتاج له زبائن خاصة تداوم على زيارة الورشة لاقتناء ما يحتاجوه من أوان فخارية متعددة، انطلاقاً من الاهتمام بفكرة اقتناء الأدوات التراثية.

وقال عبدالحميد حمو، أحد زبائن الورشة، والذي يتردد عليها منذ أكثر من 20 عاماً إنه "يقتني، بشكل شبه شهري، مقتنيات فخارية متنوعة، تشجيعاً للورشة ولضمان استمرار عملها كورشة تراثية تذكرنا بمقتنيات الآباء والأجداد".

ولفت إلى أنه "شجع الكثير من أصدقائه وأقاربه على اقتناء أواني من الورشة"، مشدداً على "ضرورة وجود دعم لمثل هكذا ورشات لا تزال تحافظ على الصناعات التراثية".

من جهتها، ترى عائلة بيدروسيان أن وزارة السياحة والآثار يجب أن تدعم مادياً ما تبقى من ورش، لمساعدتهم في الحفاظ على المهنة كمهنة تراثية، مرتبطة بالخصوصية الثقافية لمكونات الشعب السوري المختلفة.

وتواجه غالبية المهن التراثية في سوريا خطر الاندثار، نتيجة الحرب والضائقة الاقتصادية التي يعيشها الشعب السوري، مع تدهور قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية.

واضطرت عشرات الورش التي تعمل في الصناعات التراثية كصناعة الزجاج والفخار والموزييك إلى إغلاق أبوابها نتيجة عدم وجود مردود مادي يساعد أصحابها على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.

اقرأ أيضاً:

تصنيفات