دراسة: نصف سكان العالم قد يتأثرون بسياسات حماية البيئة | الشرق للأخبار

دراسة: نصف سكان العالم قد يتأثرون بسياسات حماية البيئة

time reading iconدقائق القراءة - 10
امرأة في إيسلا ديل سول ببوليفيا، تطل على بحيرة (تيتيكاكا) وتتراءى خلفها سلسلة جبال (كورديلليرا ريال) حيث ترتبط حياة السكان المحليين ارتباطاً وثيقاً بتضاريس المرتفعات الشاهقة. - https://www.geog.cam.ac.uk/people/fajardo/
امرأة في إيسلا ديل سول ببوليفيا، تطل على بحيرة (تيتيكاكا) وتتراءى خلفها سلسلة جبال (كورديلليرا ريال) حيث ترتبط حياة السكان المحليين ارتباطاً وثيقاً بتضاريس المرتفعات الشاهقة. - https://www.geog.cam.ac.uk/people/fajardo/
القاهرة-

مع اقتراب الموعد النهائي لهدف عالمي طموح يقضي بحماية 30% من اليابسة والبحار من تداعيات تغير المناخ بحلول عام 2030، حذرت دراسة جديدة من أن معركة إنقاذ الطبيعة لن تُحسم بالخرائط وحدها، بل ستنعكس مباشرة على حياة ملايين البشر الذين يعيشون داخل المناطق المرشحة للحماية أو بالقرب منها.

وتشير الدراسة إلى أن القرارات التي ستتخذها الحكومات بشأن مواقع إنشاء مناطق الحفظ وآليات إدارتها قد تضع ما يقرب من نصف سكان العالم في تماس مباشر مع سياسات حماية الطبيعة.

وتخلص الدراسة المنشورة في دورية Nature Communications بقيادة باحثين من جامعة كامبريدج وبمشاركة فريق دولي من الباحثين والممارسين، إلى رسالة مركزية واضحة، إذ أن تحقيق هدف "30 في 30" قد يكون مكسباً كبيراً للطبيعة والناس معاً، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مصدر أعباء اجتماعية إذا جرى تنفيذه من دون إشراك المجتمعات المحلية أو مراعاة احتياجاتها وحقوقها وسبل عيشها.

وظهر هدف "30 في 30" ضمن إطار يعرف باسم "كونمينج-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي" (KMGBF)، الذي يضع مساراً للوصول إلى عالم يعيش في تناغم أكبر مع الطبيعة بحلول عام 2050.

التزمت 196 دولة، بهذا الهدف خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في عام 2022. لكن الطريق إلى تحقيقه لا يزال طويلاً، فالعالم لم يحمِ بعد سوى أقل من 20% من اليابسة والبحار، ولم يتبق سوى 4 سنوات تقريباً قبل الموعد المحدد.

ظاهرياً، يبدو هدف تخصيص مساحات أكبر لحماية النظم البيئية والأنواع المهددة، وتعزيز قدرة الكوكب على مواجهة تغير المناخ بسيطاً، لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن السؤال الحقيقي ليس فقط "كم مساحة سنحمي؟" بل "أين ستكون هذه المساحات؟ ومن يعيش فيها أو بجوارها؟ وكيف ستدار؟".

المناظر الطبيعية المرشحة للحماية ليست فراغات بيئية خالية من البشر، وكثير منها يضم قرى ومزارع ومجتمعات محلية ومناطق يعتمد سكانها على الموارد الطبيعية في الغذاء والدخل والثقافة والهوية، لهذا فإن أي توسع سريع في المناطق المحمية سيؤثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في حياة أعداد ضخمة من الناس.

مسارات مختلفة ونتائج متباينة

حلل الباحثون 3 سيناريوهات نظرية يمكن من خلالها الوصول إلى هدف حماية 30% من أراضي وبحار العالم، يركز السيناريو الأول على حماية أكبر قدر ممكن من الأنواع والنظم البيئية المختلفة، أي اختيار المناطق التي تحقق أعلى مكسب للتنوع البيولوجي. في هذا السيناريو، وجدت الدراسة أن 46% من سكان العالم سيعيشون داخل منطقة حماية، أو على مسافة لا تزيد على 10 كيلومترات منها.

ويكشف هذا الرقم حجم التداخل بين حماية الطبيعة والحياة اليومية للبشر، فحين يقترب نصف سكان العالم تقريباً من مناطق الحماية، يصبح من المستحيل التعامل مع سياسات الحماية باعتبارها شأناً بيئياً منفصلاً عن الاقتصاد المحلي والعدالة الاجتماعية والخدمات الأساسية وحقوق استخدام الأرض.

أما السيناريو الثاني، فيركز على حماية مساحات واسعة من الموائل الطبيعية التي تقدم خدمات بيئية مهمة للبشرية كلها، مثل تدوير المغذيات وامتصاص الكربون، خصوصاً في مناطق كبرى مثل الأمازون والكونغو. وفي هذا المسار، سيكون عدد الأشخاص المتأثرين أقل بكثير من السيناريو الأول، لكن نسبة أكبر منهم ستكون من الفئات الفقيرة أو الهشة اجتماعياً.

ويركز السيناريو الثالث على المناطق ذات القيمة العالية للحفظ، التي تديرها أو تحكمها الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، وهذا المسار أيضاً قد يؤثر في عدد أقل من الناس مقارنة بسيناريو تعظيم التنوع البيولوجي، لكنه يسلط الضوء على مجتمعات غالباً ما تواجه أشكالاً متعددة من الضعف الاجتماعي والاقتصادي، وفي الوقت نفسه تلعب دوراً محورياً في حماية النظم البيئية.

وأكدت الدراسة أنه لا يوجد نموذج واحد يمكن اعتباره “الأفضل اجتماعياً” في جميع الحالات، إذ يختلف تأثير سياسات الحماية على السكان بشكل كبير تبعاً للأولويات المعتمدة في اختيار الأراضي أو البحار المراد حمايتها، وكذلك وفق أساليب الإدارة والحوكمة داخل هذه المناطق.

الحماية بين الفرص والتحديات

لا تنظر الدراسة إلى قرب الناس من المناطق المحمية باعتباره أمراً سلبياً بالضرورة، إذ أن هذه المناطق، عندما تصمم وتدار بطريقة عادلة، يمكن أن تحقق فوائد مباشرة للسكان المحليين.

ويقول الباحثون إن الغابات، مثلاً، قد تقلل مخاطر الفيضانات، والنباتات البرية يمكن أن تدعم الحشرات الملقحة التي تساعد المحاصيل، كما يمكن أن يوفر الحصاد البري موارد معيشية مهمة، بينما يظل الوصول إلى المساحات الطبيعية عاملاً مؤثراً في الصحة النفسية والرفاه الإنساني.

وعلى نطاق أوسع، تستطيع المناطق الطبيعية المحمية أن تسهم في سحب الكربون من الغلاف الجوي والتخفيف من آثار تغير المناخ، وهي فائدة عالمية لا تقتصر على المجتمعات القريبة منها.

لكن المشكلة، كما يشير الباحثون، أن السكان الأقرب إلى مناطق الحفظ هم غالباً الأكثر تعرضاً للتكاليف المباشرة، سواء عبر تقييد استخدام الأرض، أو منع جمع الموارد، أو التأثير في الزراعة والرعي والصيد والسكن.

يوضح الباحثون أن هناك فرقاً كبيراً بين نموذج الحديقة الوطنية الصارمة، التي تفرض قيوداً واسعة على الأنشطة البشرية، وبين المناطق المحمية التي يديرها السكان الأصليون أو المجتمعات المحلية بطريقة توازن بين حماية الطبيعة والحفاظ على سبل العيش. لذلك، لا تتعلق القضية بمجرد إعلان منطقة ما محمية، بل بكيفية إدارتها، ومن يشارك في صنع القرار، ومن يتحمل الكلفة، ومن يجني الفوائد.

يشير المؤلف المشارك في الدراسة، كريس ساندبروك، مدير معهد أبحاث الحفظ بجامعة كامبريدج، إلى أن مواقع الحفظ المحتملة ليست أراض خالية، بل يعيش فيها أو حولها كثير من الناس، حتى في دول مثل المملكة المتحدة. ويؤكد أن التخطيط لتغيير استخدام الأراضي من أجل تحقيق أهداف وطنية وعالمية للحفظ يجب أن يأخذ في الاعتبار تأثير ذلك على السكان المحليين.

وتقدم الدراسة مثالاً من النقاشات الأخيرة بشأن إنشاء حديقة وطنية جديدة في ويلز، إذ يرى المؤيدون أن المشروع قد يساعد في تقليل الفيضانات، وتخزين الكربون، وتحسين وصول الناس إلى الطبيعة.

أما المنتقدون، فيخشون أن يؤدي إلى ضغط سياحي على البنية التحتية المحلية، وفقدان أراض زراعية، وربما التأثير في فرص السكن مستقبلاً. هذا المثال يوضح أن الحفظ البيئي ليس قراراً فنياً بسيطاً، بل عملية تفاوض اجتماعي واقتصادي وسياسي.

من جانبه، يرى المؤلف الأول للدراسة، خافيير فاخارد"، الباحث في معهد أبحاث الحفظ بجامعة كامبريدج، أن تحقيق الهدف العالمي بالطريقة الصحيحة يمكن أن يكون مفيداً للناس والطبيعة معاً. لكنه يشدد، وفق ما تنقله الدراسة، على أن الطموح البيئي يجب أن يوازيه التزام طموح بدعم المجتمعات المحلية التي تقف في قلب هذا التحول.

تدعو الدراسة إلى عدم اختزال هدف "30 في 30" في أرقام ومساحات، فنجاحه يتطلب استثماراً كبيراً في ضمان ألا يخسر السكان المحليون بسبب سياسات الحفظ، وأن تكون لهم كلمة حقيقية في القرارات التي تمس أراضيهم ومواردهم.

وهذا يعني أن خطط الحماية يجب أن تتضمن آليات للتشاور والمشاركة، وتعويضات أو بدائل عادلة عند الضرورة، ودعماً لسبل العيش المستدامة، واحتراماً لنماذج الإدارة المحلية والحقوق القائمة.

كما تشير النتائج إلى أن اختيار الأولويات البيئية وحده قد يقود إلى آثار اجتماعية غير متوقعة، فالمسار الذي يحمي أكبر عدد من الأنواع قد يضع عدداً هائلاً من البشر على تماس مع مناطق الحفظ، بينما قد تؤثر المسارات الأخرى في عدد أقل من الناس، لكنها تمس فئات أكثر فقراً وهشاشة. لذلك، التخطيط العادل يتطلب دمج البيانات البيئية مع البيانات الاجتماعية منذ البداية، لا بعد اتخاذ القرارات.

معركة السنوات الأربع المقبلة

مع اقتراب عام 2030، يتوقع الباحثون أن تتسارع جهود الحكومات والمنظمات الدولية لتحقيق هدف حماية 30% من الكوكب، وهذا التسارع قد يكون ضرورياً في ظل تدهور التنوع البيولوجي وتزايد آثار تغير المناخ، لكنه يحمل خطر التسرع في رسم حدود الحماية، من دون بناء توافق محلي أو فهم كاف للعواقب الاجتماعية.

وتضع الدراسة أمام صناع القرار معادلة واضحة، فلا يمكن إنقاذ الطبيعة على حساب الناس، ولا يمكن تجاهل الطبيعة بحجة حماية المصالح المحلية قصيرة الأمد، فالطريق الأكثر استدامة هو الذي يعترف بأن المجتمعات القريبة من الغابات والأنهار والسواحل والمراعي ليست عقبة أمام الحفظ، بل شريك أساسي في نجاحه.

ويقول الباحثون إن الدراسة لا تقدم وصفة واحدة تصلح لكل مكان، لكنها توجه تحذيراً مهماً في لحظة حاسمة، فإذا كان العالم يريد حماية 30% من الطبيعة بحلول 2030، فعليه أن يحمي أيضاً حقوق ورفاه الأشخاص الذين يعيشون داخل هذه الطبيعة أو بجوارها. 

تصنيفات

قصص قد تهمك