
أفادت دراسة حديثة بأن الألواح الشمسية العائمة في البحر ربما تمنح الدول محدودة المساحة مساراً أكثر كفاءة للتوسع في الطاقة المتجددة، بعدما أظهرت قدرة على توليد كهرباء أعلى من المزارع الشمسية التقليدية على اليابسة، مع خفض أكبر للانبعاثات الكربونية طوال عمرها التشغيلي.
وذكرت الدراسة، المنشورة في دورية Journal of Renewable and Sustainable Energy، أن وضع الألواح فوق المياه لا يوفر الأراضي فقط، بل يعزز كفاءتها أيضاً بفضل تأثير التبريد الطبيعي، ما يجعل الطاقة الشمسية العائمة خياراً استراتيجياً للبلدان التي تواجه قيوداً جغرافية في نشر مشروعات الطاقة النظيفة.
طاقة متجددة في عالم محدود المساحة
مع تزايد آثار الاحترار العالمي، أصبح التوسع في مصادر الطاقة منخفضة الكربون ضرورة أساسية لتحقيق أهداف المناخ، وتشير الرؤية العلمية الدولية إلى أهمية الحد من ارتفاع متوسط حرارة الأرض عند حدود 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، وهي مهمة تتطلب خفضاً واسعاً للانبعاثات والوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول منتصف القرن في دول كثيرة.
لكن نشر الطاقة الشمسية على نطاق واسع لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، فبعض الدول، خاصة الجزر أو الدول ذات الكثافة السكانية العالية، تواجه قيوداً جغرافية تجعل تخصيص مساحات كبيرة لمزارع شمسية على الأرض أمراً صعباً، وهنا تظهر الأنظمة الكهروضوئية العائمة، سواء على المسطحات المائية الداخلية، أو في البحر، كخيار يساعد على إنتاج الكهرباء النظيفة دون منافسة مباشرة مع الزراعة أو الإسكان أو الاستخدامات الصناعية للأراضي.
ورغم أن أبحاثاً سابقة تناولت أداء الأنظمة الشمسية العائمة وإدارة الطاقة فيها، إلا أن الفجوة ظلت قائمة في المقارنات البيئية المباشرة بينها وبين الأنظمة الشمسية التقليدية المثبتة على الأرض.
حاولت الدراسة الجديدة سد هذه الفجوة من خلال مقارنة نظام شمسي أرضي في تايوان، بأول مشروع تجاري واسع النطاق للطاقة الشمسية العائمة البحرية في البلاد.
أجرى الدراسة باحثان من جامعة تايبيه الوطنية للتكنولوجيا في تايوان، وهي دولة تواجه تحديات واضحة في التوسع بالطاقة المتجددة؛ بسبب محدودية المساحة والقيود الجغرافية.
واعتمد الباحثان منهجية لتقييم الطاقة على مدى دورة الحياة، بما يسمح بمقارنة الأثر والأداء عبر المراحل المختلفة للنظام، لا مجرد قياس الإنتاج في لحظة محددة.
ولضمان أن تكون المقارنة عادلة، استخدم الباحثان وحدة وظيفية موحدة لكلا النظامين مقدارها 100 ميجاواط-ذروة، ويشير هذا المصطلح إلى القدرة القصوى للنظام الكهروضوئي في ظروف اختبار معيارية.
كان النظام الشمسي الأرضي في متنزه تشانجبين الصناعي بتايوان يملك قدرة تبلغ 100 ميجاواط-ذروة، بينما كان النظام العائم البحري أكبر، بقدرة 181 ميغاواط-ذروة، لذلك جرى "تطبيع" بيانات النظام البحري إلى مقياس 100 ميجاواط-ذروة، حتى لا تمنح السعة الأكبر أفضلية غير عادلة في المقارنة.
وأوضح الباحث المشارك في الدراس، تشينج-فينج تشين، أن هذا التطبيع أتاح مقارنة مؤشرات الأداء مباشرة، مثل إنتاج الطاقة والكفاءة والآثار البيئية، تحت قدرات نظامية متكافئة، وبما يزيل الانحياز الناتج عن اختلاف الحجم بين المشروعين.
إنتاج أعلى
وجدت الدراسة أن أنظمة الطاقة الشمسية العائمة البحرية يمكن أن تنتج كهرباء أكثر على مدى عمرها التشغيلي، بنحو 12% مقارنة بالأنظمة الأرضية عند الشروط نفسها، وبسبب هذا الإنتاج الأعلى، تحقق هذه الأنظمة أيضا خفضا أكبر في انبعاثات الكربون.
ووفق تفسير تشين، فإن الفكرة الأساسية بسيطة؛ فعلى الرغم من أن النظامين يعتمدان على تكنولوجيا شمسية متشابهة، فإن وضع الألواح فوق الماء قد يجعلها أكثر فاعلية بسبب تأثير التبريد الذي توفره المياه المحيطة؛ فالحرارة الزائدة تقلل كفاءة الألواح الشمسية، بينما تساعد المياه على امتصاص الحرارة وخفض الإجهاد الحراري المحيط بالنظام.
ولا تعني هذه النتيجة أن كل مشروع عائم سيتفوق تلقائياً على كل مشروع أرضي في أي مكان، فالأداء يعتمد على عوامل عديدة، مثل الظروف المناخية، وعمق المياه، وحركة الأمواج، وتصميم الهياكل، وتكاليف الصيانة، ومدى تعرض الأنظمة للعواصف أو التآكل. لكن الدراسة تقدم دليلاً مقارناً على أن البيئة المائية قد تمنح ميزة تشغيلية ملموسة في بعض السياقات.
ولا تقتصر أهمية الدراسة على حساب كمية الكهرباء المنتجة، فزيادة الإنتاج من القدرة نفسها تعني تحسين العائد البيئي من المشروع؛ إذ يمكن للنظام أن يعوض كمية أكبر من الكهرباء المولدة من مصادر كثيفة الانبعاثات، وبالتالي يحقق خفضاً أكبر في ثاني أكسيد الكربون على مدى دورة حياته.
وتوفر هذه النتائج مادة مهمة لصناع القرار، خصوصاً في الدول التي تسعى إلى التوسع في الطاقة الشمسية، لكنها تواجه صراعاً على استخدام الأراضي؛ ففي مثل هذه الحالات، قد تتيح الأنظمة العائمة البحرية إضافة قدرات متجددة جديدة دون التضحية بمساحات يابسة ثمينة.
ويرى تشين أن طريق تايوان نحو صافي انبعاثات صفري بحلول 2050 لا يحتاج فقط إلى مزيد من التقنيات نفسها، بل إلى استراتيجيات نشر مبتكرة، ومن هذا المنظور، لا تبدو الطاقة الشمسية العائمة البحرية مجرد بديل تقني، بل حلاً استراتيجياً للدول محدودة الأراضي، يساعدها على زيادة قدرتها من الطاقة المتجددة مع مراعاة القيود البيئية ومتطلبات استخدام الأراضي.









